كأس الحليب في يد الشرير.. مسيرة المشروب الطاهر البريء في السينما

“نقاؤه المرتبط ببراءة طفل هو رمز قوة، قوة ليست بغيضة ولا احتقارية، ولكنها هادئة بيضاء واضحة تساوي الواقع”. هكذا وصف “رولان بارت” الحليب.

في فيلم “الشك” الصادر سنة 1941، نجح المخرج البريطاني “ألفريد هيتشكوك” في خداع المشاهدين بالاعتقاد أن بطل فيلمه قد وضع السم في الحليب لزوجته من أجل الحصول على الميراث.

بإضافة بسيطة تتمثل في اختيار الحليب كمشروب لتسميم الزوجة نجح سيد التشويق “هيتشكوك” في إظهار مدى شر البطل وبرودة دمه التي تصل إلى حد استغلال نقاوة الحليب وصفائه، لأن الشرير المتأصل فقط هو الذي قد يفكر في تسميم مثل هذا المشروب الصحي، بالرغم من أن الحليب في الفيلم لم يكن يحتوي إطلاقا على السم.

لا يوجد مجال للصدفة في الأفلام فلكل التفاصيل أهداف في إثراء الحكي السينمائي من ديكور وأزياء وحركة كاميرا واستخدام للضوء، وينطبق الأمر على المشروبات التي تظهر في المشاهد، إنها نوع من العلامات الفارقة التي يُضيف بها المخرج ميزات على شخصياته لا يمكن إظهارها بالتجسيد والحوار، فعلى سبيل المثال هناك فرق كبير بين المشهد بين شخصية تشرب الماء وأخرى تشرب النبيذ.

في فيلم “البرتقالة الآلية” الصادر سنة 1971، يظهر البطل “أليكس” وبيده كأس حليب برفقة أصدقائه

وعلى مدار تاريخ السينما اهتم المخرجون بهذه التفاصيل الدقيقة واستغلوها لنقل فلسفتهم في الإخراج وإيصال رسائل مبطنة عن خلفية الشخصية، لذلك فالاعتقاد الطبيعي هو أن يربط الأشرار بالمشروبات القوية لإظهار عنفها وجبروتها، لكن لبعض المخرجين رأيا آخر، فالحليب هو وسيلتهم لإرباك المتلقي عبر الجمع بين الشر والحليب رمز الطفولة والنقاء.

إن إظهار شخص بالغ يشرب الحليب يُمثل تدميرا للبراءة وانتهاكا للقيم الأخلاقية، هناك مصطلح خاص لهذا الاستعمال في السينما يسمى” تأثير الحليب”، وهي الطريقة التي يحاول بها المخرج إيصال فكرة أن الشيطان يسكن في التفاصيل أو في الحليب في هذه الحالة.

إن مشاهدة قاتل يشرب الحليب بعد قتله لضحيته، مشهد غريب يصفه المثل الإنجليزي الشعبي “غريب، كبرتقالة آلية”، وهو المثل الذي استعمله الكاتب “أنتوني بيرغس” كعنوان لرواية تحولت فيما بعد على يد المخرج “ستانلي كوبريك” إلى واحد من أعظم أفلام العصر، فيلم “البرتقالة الآلية”.

“البرتقالة الآلية”.. إسقاطات رمزية لإثبات طهارة الأشرار

في المشهد الافتتاحي لفيلم “البرتقالة الآلية” (1971)، يظهر البطل الشاب “أليكس” وبيده كأس حليب برفقة أصدقائه، مشهد يبدو للوهلة الأولى مريبا وغير مريح بسبب نظرات “أليكس” الغريبة والموسيقى الأكثر غرابة.

ما إن تتحرك الكاميرا حتى يظهر الديكور كاملا، وهو عبارة عن تماثيل جنسية تملأ المكان ويتوسطها أليكس ورفاقه وهم يشربون الحليب، فلماذا ورط “كوبريك” هذا المشروب النقي في مشهد عنيف ومتناقض؟

لفهم سبب استعمال الحليب في الفيلم، علينا الانتظار حتى أول حوار في الفيلم، ويبدأ في الدقيقة الرابعة عندما يسأل “أليكس” أحد المتشردين “ما القذر في العالم؟” فيجيبه: “عالم قذر لم يعد يحترم أي قانون أو التزام”.

وهذا بالذات هو جوهر الفيلم الذي يحاول “كوبريك” التركيز عليه: أن أصل الإنسان هو الطيبة والفطرة السليمة، لكنه تغير وصار عنيفا بسبب متغيرات الحياة الاجتماعية والسياسية، مما يُفسر استعمال الحليب كرمز للفطرة، لكن “أليكس” وأصدقاءه يضيفون له مواد مخدرة ليصبحوا أكثر عنفا تحت تأثيره.

امتداد آخر لإسقاطات “كوبريك” المتناقضة، استعماله السيمفونية التاسعة لـ”بيتهوفن” في مشاهد العنف، وكذا عشق “أليكس” الكبير له، ذلك ما نلاحظه في صور ومجسمات “بيتهوفن” المعلقة في بيته وزنزانته.

مقطوعة “بيتهوفن” التاسعة هي في الأصل قصيدة للشاعر الألماني “فريديريك فون شيلر”، وتتحدث عن رغبة النفس البشرية في الخير والسلام والمحبة، على النقيض تماما لما يظهر عليه بطل الفيلم “أليكس” العنيف، وهذه رسالة من “كوبريك” على نقاوة وطهارة البطل بالرغم من العنف الذي يُظهر.

“ليون المحترف”.. ذراع تسفك الدماء وأخرى تسقي الحليب

بالرغم من أن فيلم “ليون المحترف” (1994) يُصنف كفيلم أكشن، فإنه يتوغل في أعماق النفس البشرية، فمن الواضح أن غاية الفيلم لا تتجسد في القصة، بل في الشخصيات وبالضبط القاتل المتسلسل “ليون” الذي يداوم على شرب الحليب رغم تناقضه مع مهنته.

الفيلم من إخراج وسيناريو الفرنسي “لوك بيسون، وقد حاول فيه التقرب من الطبيعة البشرية من خلال قصة يسهل توقع نهايتها وشخصيات متكررة، شرطي فاسد، قاتل مأجور، لكن حجر الزاوية في الفيلم يكمن في تفاصيل الشخصيات التي يمكن إسقاطها على تعقيدات العلاقات بين البشر.

في فيلم “ليون المحترف”، يغتال القاتل عدة أشخاص بسرعة واحترافية، ثم يعود لشرب الحليب في نهاية اليوم

ظاهريا يبدو الحليب مثيرا للسخرية، فالقاتل “ليون” ضخم وقوي يغتال عدة أشخاص بسرعة واحترافية دون اكتشافه، ثم يعود لشرب الحليب في نهاية اليوم، بالتأكيد هذا ليس ما يتوقعه المرء ويضفي الأمر هالة من الغرابة والغموض على شخصية “ليون”.

لكن من الناحية المجازية يرمز الحليب للصحة والاهتمام الأبوي بـ”ماتيلدا”، فـ”ليون” بالرغم من أنه يقتل لكسب عيشه، فإنه مهتم بتوفير بيئة صحية لرفيقته الصغيرة “ماتيلدا”، وإضافة لذلك فالحليب مشروب بريء يمثل الطفولة التي لا تزال تعيش وسط روح القاتل، فهو لا يعرف القراءة ويتسلى بالأشياء البسيطة، وليست له أي رغبات جنسية، مجسدا بذلك نقيض “ماتيلدا” الطفلة التي تحاول حرق المراحل وترتدي ملابس أكبر منها سنا، وترعرعت في بيئة عرضتها لأشياء أكبر منها.

الفيلم مبني على خطين متوازيين، خط الصراع مع الشرطي الفاسد، وخط العلاقة بين “ماتيلدا” و”ليون”، وهو الخط الأكثر أهمية في الفيلم، لذلك ركز المخرج على إظهار الفوارق بين “ماتيلدا” و”ليون” في القوة البدنية والفكرية والمعرفة، لذا فالحليب استعارة جيدة لبناء المقارنة بين الشخصيتين الرئيسيتين.

بقعة ضوء في تمجيد الشرير.. رسائل الإخراج المبطنة

قاتل آخر يحب شرب الحليب، هذه المرة هو القاتل “أنتون تشيجور” من فيلم “لا بلد للعجائز” الذي أخرجه الأخوان “كوين”، في هذه الحالة لم تثر الشخصية أي مشاعر لطيفة لدى المشاهد، فالقاتل اقتحم منزل ضحيته المحتملة، وأخذ زجاجة حليب من الثلاجة وشربها أثناء جلوسه في الأريكة.

صُمم المشهد لخلق جو من التوتر لدى المتلقي، لأن الحليب هنا رمز للراحة والمنزل، لكن القاتل يكسر الخصوصية ويدمر الراحة، لينصب نفسه حاكما لحياة شخص آخر.

يتكرر استعمال الحليب في إظهار تسلط الشخصية من خلال فيلم ” سوف يكون هناك دم” (There will be blood)، ففي نهاية الفيلم يصرخ التاجر القاسي “دانيال” في وجه “إيلي” بعبارة “اشرب الحليب المخفوق! أنا أشربه”، وهذا يُظهر القوة التي يتمتع بها “دانيال” أمام ضحيته.

في فيلم “لا بلد للعجائز” يقتحم القاتل منزل ضحيته، ويأخذ زجاجة حليب من الثلاجة ويشربها على الأريكة

في المشهد الافتتاحي لفيلم “أوغاد مجهولون” الذي يستمر لعشرين دقيقة، يقتحم الضابط النازي “هانز لاندا” الملقب بصائد اليهود، مزرعة فلاح فرنسي للبحث عن العائلات اليهودية التي كانت تختبئ في المزارع خوفا من القتل، في هذا المشهد ينتقل الممثل “كريستوفر فالتز” بين ثلاث لغات: الإنجليزية، الألمانية والفرنسية، ويظهر تأثر المخرج “تارانتينو” بالمشهد الافتتاحي لفيلم “حدث ذات يوم في الغرب” بِصمته المثير في الريف وإيقاعه الخاص للمخرج “سيرجيو ليوني” رائد سينما “الويسترن سباغيتي” التي يعشقها “تارانتينو”.

يُسارع الضابط “هانز” في استنطاق رب البيت منتقلا بين النعومة والدهاء والقسوة والعنف البارد، وتحاول زوجة صاحب المزرعة تكسير رعب المشهد عبر عرضها شرابا على الضابط فيطلب كأس حليب -في تلويح ساخر من “تارانتينو” الذي عوّض ويسكي أفلام “السباغيتي ويسترن” بالحليب- يشرب الضابط الحليب في رشفة واحدة لإظهار قوته وهيمنته على النقاء والخير.

يبقى الحليب في نهاية المطاف رمزا واحدا من عدة رموز يستعملها المخرجون في أفلامهم، لإرسال رسائل يترجمها كل مشاهد حسب فهمه وخلفيته الفكرية، وكما قال المخرج “بول هاجيس”: أسوأ ما يواجه المخرج أن يسمع شخصا خارجا من القاعة يقول “الفيلم لطيف”، فالمخرج يتمنى أن يجد عراكا فكريا عن أهداف المخرج ونواياه.