الوباء والسينما.. شحنة أمل تقف مع الإنسان في محنته

الفنان المصري هشام عبد الحميد

تعددت المعالجات والرؤى التي قدمتها السينما عن مأساة الأوبئة التي تودي بحياة الملايين على سطح المعمورة، وقد انقسم التناول إلى وجهتي نظر تقف الأولى منهما على أرضية أيديولوجية محكومة سياسيا واجتماعيا بالمقام الأول، صحيح أنها تنتصر للإنسان وحقه في الحياة، ولكن الصحيح أيضا أن هذا الانتصار يبقى منحازا بالدرجة الأولى إلى عقائد أيديولوجية تقف حارسة للإنسان.

أما وجهة النظر الأخرى فهي تتبنى نظرية المؤامرة بكل تنويعاتها، سواء كانت المؤامرة تأتي من البشر ضد البشر، أو من كائنات فضائية ضد الإنسان والإنسانية بشكل عام، أو كائنات خيالية محضة تضمر حقدا على الإنسان وتريد تدميره بنشر الأمراض الجرثومية والبيولوجية.

أقدم هنا مثالين من السينما المصرية قدما الوباء، وتحديدا وباء الكوليرا الذي تفشى في مصر في أربعينيات القرن العشرين، وهما “اليوم السادس” ليوسف شاهين، و”صراع الأبطال” لتوفيق صالح، كما سنقدم مثالا آخر لتناول السينما العالمية للأوبئة، كفيلم “اندلاع” (Outbreak) الذي عُرض في مصر في تسعينيات القرن الماضي.

 

“اليوم السادس”.. محاولات لإنقاذ طفل من الكوليرا

تدور أحداث فيلم “اليوم السادس”، المأخوذ عن قصة الكاتبة الفرنسية ذات الأصول المصرية أندريه شديد، ومن بطولة داليدا ومحسن محي الدين وحمدي أحمد وشويكار، وتقع أحداث القصة في القاهرة بين ضواحيها الراقية وأحيائها الفقيرة حيث ينتشر وباء الكوليرا، حيث تحاول السيدة الفقيرة (الممثلة داليدا) أن تُنقذ طفلها الذي أصابه الوباء، ويستغرق في العادة ستة أيام لكي يقضي على حياة المصاب، وهي تحاول بكل جهدها أن تنقذه قبل اليوم السادس.

تسافر السيدة الفقيرة بابنها في رحلة نيلية إلى رشيد آملة أن يُشفى من هذا الوباء، ولا سيما أنها كانت لا تملك أموالا لعلاجه، وكيف تملك أموالا بعد أن فقدت أسرتها بالكامل وهي بالأصل فقيرة فقرا مدقعا؟ ويشاركها في عملية الإنقاذ هذه فتى فقير أيضا (الممثل محسن محيي الدين) ويسكن بالمقابر، ويحلم أحلاما وردية بهوليوود و”جين كيلي” في استعراضه الشهير تحت المطر.

يتعاطف محسن محي الدين مع حال هذه السيدة التي تُخفي إعجابها به بينما تفضحها أحيانا نظراتها، كل هذا وسط الفوران الشعبي ضد الإنجليز والمطالبة بالحرية، ووجود الخلايا من الشباب الثوري المفعم بقيم العدل والمساواة والحرية ضد فساد القصر وأعوانه الإنجليز.

كان الفيلم بطبيعة الحال يطرح مسألة وباء الكوليرا وتفشيه بين المصريين، كمعادل موضوعي لحال مصر التي ترزح تحت فساد القصر والإنجليز معا، وما نتج عن هذا من خلخلة شاسعة بين الطبقات المصرية من النواحي الاجتماعية، حيث أصبحت الطبقات الفقيرة هي التي تدفع الثمن دائما برزوحها تحت الفقر والجوع والمرض، ينتهي الفيلم بموت الصبي في اليوم السادس متأثرا بمضاعفات الكوليرا، وبفراق يأمل للقاء في المستقبل المجهول بين داليدا ومحسن محيي الدين.

 

“صراع الأبطال”.. بين مطرقة الإقطاع وسندان الاحتلال

أما فيلم “صراع الأبطال” لتوفيق صالح فقد أنتج عام 1962، أي أنه سابق لفيلم “اليوم السادس” الذي أُنتج في الثمانينيات، وهو من بطولة شكري سرحان وسميرة أحمد وصلاح.

تدور أحداث الفيلم حول طبيب قدم إلى قرية يتفشى بها الجهل والمرض والفقر في أربعينيات القرن المنصرم، إلى حد أن أفراد القرية كانوا يقتاتون على قمامة معسكر الجيش الإنجليزي، مما أدى إلى تفشي مرض الكوليرا، ولم يكن أحد يتكلم خوفا من بطش الإقطاع الذي يحكم القرية بيد من حديد، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى الخوف من غضب الإنجليز.

يُسحق أهالي القرية بين مطرقة الإقطاع وسندان الإنجليز، وتكثر حالات الوفيات، فيُصّر الطبيب على تشريح الجثث ليكتَشف السبب، وهو تفشي وباء الكوليرا، ثم يقود بعدها بأفكاره الثورية حملة تحريضية وتنويرية ضد الإقطاع والإنكليز في نفس الوقت، محاولا أن يضع حدا لهذه الأوضاع المتدهورة والمزرية التي ستؤدي بالقرية للخراب والموت.

وقد استطاع الطبيب بفضل قوة حجته وجرأته وثوريته أن يكسب ثقة الجميع، ليقفوا يدا واحدة ضد الخطر المحدق بهم وهو الكوليرا.

نلاحظ بالطبع كما في فيلم شاهين نفس المعادل الموضوعي للأوضاع المزرية التي يعيشها أهل القرية، أي أهل مصر، وهو وباء الاستغلال والفساد، وكلنا نعلم أن توفيق صالح ويوسف شاهين لهما مواقف يسارية تقدمية، إذا فكلا الفيلمين يقفان على أرضية سياسية واجتماعية واضحة أيديولوجيا.

يدور الفيلمان أيضا في الأربعينيات، أي أثناء نشاط قوى اليسار الثوري ضد الاحتلال الإنجليزي، ولكن اهتمام المخرجان بالجانب المادي التاريخي أفقد الفيلمين الحس الإنساني الصادق المتناغم فنيا بدون افتعال، وقد تضمنت مفردات الفيلم لحظات إنسانية بالتأكيد، ولكنها جاءت مصنوعة غريبة عن السياق المادي الذي أراده المخرجان كلاهما، سواء أكان عن قصد أم دونه.

 

تطاحن الرؤى.. قوى الديمقراطية والاستبداد

نأتي الآن إلى معالجة السينما العالمية وتحديدا السينما الأمريكية في تعرضها لمسألة الأوبئة، فعلى عكس السينما المصرية التي اتجهت إلى الماضي بملمح سياسي تاريخي، فالسينما الأمريكية تتجه مستقبلا، أي ما يمكن أن يحدث مستقبلا لا ما قد حدث في الماضي.

لم تتعرض تلك الأفلام لجدلية التاريخ في مسألة قضايا الاحتلال وما شابه، بل تحررت من ذاك السياق، لتطرح مفاهيم أكثر رحابة كفكرة الديمقراطية على سبيل المثال في فيلم “اندلاع” (Outbreak) الذي سنتعرض له، وهو من إخراج “فولفغانغ بيترسن” عن قصة “ريتشارد بريستون”، ومن بطولة “داستين هوفمان” و”مورجان فريمان” و”كيفين سبيسي” و”رينيه روسو”، و”دونالد سوثرلاند”، وهو من إنتاج عام 1995.

تدور الأحداث واصفة الوباء الذي انتقل عن طريق القرود إلى الإنسان، وهذا الوباء بدأ بالتفشي في إحدى الولايات الأمريكية، وخطورته أنه دخل في مرحلة عدوى عن طريق الهواء، وبالتالي تصعب السيطرة عليه.

يركز الفيلم على وجهتي نظر، يمثل أولاهما “داستين هوفمان”، وهي الدخول في سباق مع الزمن لإيجاد مصل يستطيع وقف نزيف الوفيات، وبذات الوقت إنقاذ الولاية كلها من شبح الموت، والخوف من انتقاله المحتم إلى كل أمريكا.

أما الحل الثاني فهو الحل العسكري الذي يقرر التضحية بسكان المنطقة من خلال إبادتها بسلاح طيران الجو الأمريكي، وهو لا شك حل دموي فاشي، فبالرغم من أنه يبدو بظاهره حلا رحيما فإن باطنه العذاب المدمر، إذ يقوم على أساس أن مصلحة المجموع تجُبّ مصلحة القلة، لذلك لم يعجب هذا الحل “داستين هوفمان” الممثل للتيار المدني بالفيلم.

تدور أحداث الفيلم بين وجهتي النظر هاتين في جو مشحون بالتوتر، ومع تصاعد الأحداث تتصاعد المواجهة بين الطرفين، لتكون الغلبة لمبدأ الديمقراطية ضد الفاشية، حيث يُعتقل الجنرال الأمريكي المتعجرف من قبل مساعده “مورجان فريمان”، أي أن العقاب يأتي من داخل المؤسسة العسكرية لتنتصر قيم الحق والخير والجمال على قوى القبح والظلام والاستبداد.