“اسم سرّي”.. بقايا ضمير بائعة هوى تنتحل شخصية امرأة أرستقراطية

قيس قاسم

تقتبس بتصرف المخرجة “أوريليا جورج” قصة فيلمها الجديد “اسم سرّي” (Secret Name) المشارك في مسابقة الدورة الأخيرة لمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي عن قصة للكاتب الإنجليزي “ويلكي كولينز” بعنوان “ماجدلين الجديدة”، وتدور أحداثها في إنجلترا الفيكتورية عام 1873، بينما تجعل المخرجة بطلتها المتخيلة سينمائيا شابة فرنسية اسمها “نيلي”.

تعيش نيلي في عام 1914، وتشهد أحداث الحرب العالمية الأولى التي ستجبرها ظروفها القاسية على انتحال شخصية امرأة ثانية، في محاولة منها للتخلص من البؤس الغارقة فيه، وظنا منها أن الحظ قد وقف بجانبها، ولن ينفضح سرها ما دامت المرأة المنحدرة من عائلة سويسرية غنية قد توفيت بسبب إصابتها بشظايا قنبلة أثناء وجودها في خيمة تمريض تابعة للصليب الأحمر.

 

على قاعدة هذه القصة تنطلق أحداث الفيلم، وخلال سردها المشوق الكلاسيكي بامتياز تعيش الشابة حياة مزدوجة؛ واحدة مترفة في كنف سيدة غنية، وأخرى حقيقية تعمل بكل ما أوتيت من قوة للإبقاء على غموضها.

تحرش بالخادمة حول وليمة فاخرة.. صراع الفقراء والأغنياء

أبطال الفيلم كلهن من النساء، مما يشي برغبة صانعته بعرض جانب من واقع عاشته المرأة الأوروبية خلال تلك الفترة التي شهدت اضطرابا شنيعا، وظلت الفوارق الطبقية على حالها؛ حادة بين الفقراء الأغنياء. حيث يصارع الفقراء الجوع والبؤس من أجل البقاء على قيد الحياة، بينما يعيش الأغنياء والطبقات الأرستقراطية في بحبوحة وترف بعيدا عن الحرب وويلاتها.

في هذا الجو وجدت الشابة الفقيرة “نيلي” (الممثلة الرائعة الجزائرية الأصل لينا خضري) نفسها وحيدة، عندما طردتها صاحبة المنزل الذي تعمل فيه كخادمة. في المشهد الأول تظهر العائلة الباريسية الغنية وهي تتناول طعامها الفاخر، بينما يحاول الزوج التحرش بالخادمة، وإثر صدها له تتدخل الزوجة الغاضبة وتطلب منها ترك المنزل.

كتاب في يد بائعة جسد.. حياة باريس عشية نشوب الحرب

بوجودها في شوارعها، يعيد الفيلم تفاصيل المشهد العام لمدينة باريس عشية نشوب الحرب العالمية الأولى، نساء فقيرات يبعن أجسادهن للرجال، ويتعرضن لأبشع الانتهاكات.

 

هذا ما فعلته “نيلي”، وتعرضت بسببه لأشكال شتى من الاستغلال البشع، ومع ذلك فقد كانت على الدوام تحمل في يدها كتابا، تقرأ صفحات منه كلما توفر لها الوقت، فمعرفتها بالقراءة ستعينها على البقاء والتخلص من واقعها المجبرة على التوافق معه.

العلاقة بين تعلم القراءة وبين توفر فرص أفضل للمرأة فكرة بارزة في نص فيلم “اسم سري”، وعليها يُبنى معظم سرده البصري المنقول على الشاشة باشتغال جمالي، وبراعة تجسيد تنقل أجواء الحياة الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى، وتترك مساحة للتمييز بين العام والخاص فيها، بين امتيازات الطبقات الغنية وسلوكياتها، وبين تفرد أفراد منها وخروجهم عن ضوابطها.

كتاب وصدفة.. عرض عمل في الصليب الأحمر

قاد الكتاب والصدفة “نيلي” للعمل في الصليب الأحمر كممرضة، حين شاهدتها واحدة من الممرضات في الشارع وهي تحمل بيدها كتابا، فعرضت عليها العمل كممرضة متطوعة في المنظمة، فلم تفكر “نيلي” طويلا، بل قبلت بالمقترح، وهكذا وجدت نفسها في مكان خطير، لكنه بعيد عن حياة الرذيلة. بذلت نيلي جهدا لتعلم مهنة التمريض، وصارت سريعا ممرضة ماهرة حظيت باحترام بقية زملائها.

الممثلة الجزائرية الأصل لينا خضري التي قامت بدور “نيلي” التي عملت في الصليب الأحمر كممرضة

 

ينقل الفصل الخاص بالحرب الأهوال التي تجلبها معها، فداخل وحدة الطبابة في الغابة ترى الشابة بأم عينيها ما تفعله الحروب بالبشر وكل ما يحيط بهم، فالموت والخراب في كل مكان.

المشاهد المنقولة عن المعارك تفيض ألما وقهرا، وهي التي متنت دواخل الممرضة وجعلتها تواقة لعيش الحياة مهما بلغت صعابها.

“روز”.. اسم سرّي في عالم شخصية مُنتحلة

في أثناء المعارك الدائرة تصل إلى الصليب الأحمر امرأة جريحة تدعى “روز جوليت” (الممثلة مواد ويلر)، حيث تنشأ علاقة صداقة بينها وبين الممرضة، تخبرها خلالها بقصة عبورها الحدود السويسرية، وحملها رسالة من والدها إلى سيدة فرنسية غنية يعرفها يمكن أن تؤمن لها مأوى آمن في زمن الحرب.

“نيلي” خلال انتحالها شخصية روز حاولت كسب ثقة الجميع في القصر، فأصبحت قارئة مُحببة لدى سيدته ا

 

أثناء ذلك تتعرض وحدة التمريض للقصف، وتُصاب المرأة بجروح بليغة تفقد على إثرها الحياة. هكذا تصوّرت الممرضة التي قررت وفي لحظة خاطفة أخذ الرسالة من حقيبتها، وأيضا القلادة التي تحمل اسمها.

بهذه الطريقة انتحلت “نيلي” شخصية “روز”، وستقدم نفسها لسيدة القصر “مدام لينجويل” (الممثلة سابين أزيما) بهذا الاسم. اسمها السري سيظل طويلا معها، وستظل هي الشخصية المحببة والقارئة الخاصة للسيدة في قصرها.

تحدي التكيف مع الحياة الأرستقراطية.. مواهب الفتاة الفقيرة

للحفاظ على هويتها الجديدة تعمل الشابة على كسب ثقة الجميع، وتبذل جهدا للتأقلم مع عيش القصور، فتتعلم العزف على البيانو وأصول التعامل الأرستقراطي، ويساهم في ذلك وجهها الجميل وشخصيتها الجذابة اللذان يبعدان أي شكوك حول أصولها.

تذهب الشابة يوميا إلى مكتبة القصر، فتقرأ كل ما يتعلق بسويسرا، لتتمكن من الإجابة على أسئلة ضيوف صاحبة القصر عن الحياة هناك. أسلوبها في القراءة مؤثر، وكان هذا يترك أثرا في نفوس المستمعين لها، أثناء أوقات قراءة القصص والروايات المكتوبة.

الممثلة سابين أزيما التي قامت بدور سيدة القصر “مدام لينجويل”، حيث كانت “روز” تعمل لديها كقارئة خاصة لها

 

في هذا الجزء من الفيلم تعمل المخرجة على تجسيد فكرة تفيد بأن الإنسان الفقير قادر على التعلم، واكتساب العادات الجيدة وعيش الحياة الراقية، فهي ليست حصرا على مجموعة من الناس تولد بالفطرة معهم، بل هي نتاج الظروف المحيطة بالكائن، وهي من تحدد مسار حياته.

تجربة الشابة الفقيرة في القصر تؤكدها، لكن الأقدار لا تكف عن معاندتها، فدائما ما يظهر على السطح شخص ما يشكك في أصولها، وفي كل مرة تستطيع التخلص منه ومن شكوكه بذكاء شديد، وفي كل مرة تلعب سيدة القصر التي أحبتها كثيرا دورا في تثبيت أصلها، وصحة قصة وصولها من سويسرا إلى فرنسا.

ظهور الشخصية الحقيقية.. صفقة فاشلة في المصحة النفسية

يلازم التوتر والخوف مسار الحكاية، ويحيل جزءا من الفيلم إلى إثارة وشدّ، وأيضا فيه الكثير من الحميمية وطيب العلاقة بين العجوز سيدة القصر والوافدة الجديدة التي أضفت بهجة وسعادة على المكان.

إدارة الشرطة تعتقل “روز” الحقيقية التي اقتحمت القصر وتزج بها في مشفى للأمراض العقلية

 

كان هذا قبل ظهور “روز” ثانية إلى الوجود، وادعائها أمام الجميع أنها الشخصية الحقيقية، وأن الشابة قد انتحلت شخصيتها زورا، لكن لم يصدقها أحد، واعتبرها الجميع امرأة مجنونة تدّعي ما ليس لها فيه، فالوحيد الذي يعرف أن ما تعلنه الغريبة صحيح هي “نيلي”، ومع ذلك كذبتها خوفا من كشف أمرها.

منذ تلك اللحظة والشابة الفقيرة لا تشعر بارتياح تام في القصر، حيث تراقب كل همسة وكلام يُقال في الغرف، وتسبق كل توقع بفعل احترازي.

يصل التصاعد الدرامي إلى ذروته يوم تقرر إدارة الشرطة اعتقال المرأة المقتحمة للقصر والزج بها في مشفى للأمراض العقلية. إنه فِعل آلم “نيلي” وأربك دواخلها، لذا قررت عقد صفقة معها، فعرضت عليها كل ما حصلت عليه من مال مقابل الرحيل والكف عن المطالبة بحقها، لكن المرأة لم تقبل العرض، وفضّلت السجن والمكوث في المصحة.

صحوة الضمير.. مفاجأة صاعقة تفسد بهجة القصر

يطرح فيلم “اسم سرّي” في سياق تطور أحداثه الدراماتيكية أسئلة أخلاقية حول مفهوم العدل والاضطرار لفعل غير مقبول أخلاقيا، فالسياق يبرر الفعل، لكونه يعتبر حاجة أكثر من كونه فعلا متعمدا ينشد إيذاء كائن آخر، وهذا ما لم يتحمله ضميرها، مما دفعها للاعتراف أمام الجميع بفعلتها.

الممثلة مواد ويلر التي قامت بدور “روز جوليت”، والتي لم يصدق أحد أنها الشخصية الحقيقية لروز، واعتبروها مجنونة تدّعي ما ليس لها فيه

 

رغم المفاجأة الصاعقة لم تشعر سيدة القصر بالسعادة لرحيل من اعتادت وجودها قربها، غير أن الفتاة أصرّت على المغادرة، لأنه لم يعد لها مكان في البيت الذي أحبت، وتغيرت حياتها فيه.

وفق السرد الكلاسيكي التصاعدي، فالنهاية المتوقعة هي عودة الفتاة إلى نفس العالم الذي هربت منه، غير أن صانعة الفيلم تقترح نهاية فيها الكثير من ما يستوجب التفكير به، إذ قررت الرحيل من فرنسا، وبدء حياة جديدة في مكان آخر بعيد لا يعرف أحد فيه شيئا عن ماضيها.

تبني سيدة القصر.. خاتمة تبقي التساؤلات الإنسانية عالقة

عند الخروج من النزل تجد صاحبة القصر في انتظارها، فتطلب منها الصعود إلى سيارتها، وفي داخلها تقترح عليها العودة، لكن كابنة لها تحمل اسمها.

المشهد الختامي ملتبس لا يتضح فيه بدقة موقف “نيلي” من الفكرة، لكنه يُحيل إلى التفكير في موضوع التفرد والخصوصية، وغلبة العواطف الإنسانية على بقية الاعتبارات الطبقية، فالإنسانية في النهاية هي الثابت، أما الفوارق الطبقية والاجتماعية فقابلة للتغيير والتحول، كما انقلبت حياة الشابة الفقيرة رأسا على عقب من دون سابق تخطيط. فهل الأقدار هي من يحدد مصير الكائن؟

الإجابة على هذا السؤال يتركها الفيلم الجميل لمُشاهده.