“صيادو الكمأ”.. شيخ وكلب يسبحان في عمق التقاليد الإيطالية

د. أحمد القاسمي

من لا يمنّي النفس بالمشاركة في رحلة صيد بريّ، تلك الرياضة التي تعلمنا الحكمة والصبر، وتجعلنا نلاعب الطبيعة التي تضن بخيراتها فننتزعها منها انتزاعا؟

وللمشاركة وجوه مختلفة يؤمّن أحدها الفيلم الوثائقي “صيادو الكمأ” (The Truffle Hunters) الذي أنتج عام 2020، فيستدرجنا إلى المغامرة، ويجعلنا نعيش قصة صيد الفطر المدهشة عبر شاشته، فقد كان المخرجان الأمريكيان “مايكل دويك” و”غريغوري كيرشو” يقضيان عطلتهما في قرية بيمون الواقعة شمال إيطاليا سنة 2017 لما انتهى إلى مسامعهما خبر هوس بعض القرويين بالبحث عن فطر كمأة ألبا البيضاء في الغابات المحيطة.

فقد كانوا من المسنين الذين يخرجون ليلا خاصة لصيد الكمأ، فيتحدون فعل الزمن والتضاريس الوعرة والثلوج المتراكمة بأجسادهم النحيلة، وكما يتصيّد هؤلاء الكمأ اللذيذ يتصيّد السينمائيون القصص العذبة لصناعة أفلامهم.

وكان الصيد فيلما متقنا يأخذنا إلى مغامرة خاصة يتماس فيها العالم البدائي بالعالم الراهن، وتتداخل فيها القيم، ويجعل من الأحداث العرضية العابرة مرآة نتأمل خلالها الحياة المعاصرة، ونرصد عبرها تآكل سلّم قيمها الأصيلة.

الكمأ.. نبات يعجز التكنولوجيا ويؤرق الصيادين

الكمأ هو نبات فطر برّي يشبه في شكله حبة البطاطا، ينمو عامة في المناطق الرطبة وعلى عمق يتراوح ما بين 5-15 سم تحت سطح الأرض، ففي الغابات ينتشر حول جذور أشجار السنديان الكبيرة والضخمة خاصة، كما ينمو في الصحراء بعد سقوط الأمطار، ويُصنف من الفطريات من فصيلة الترفزية.

 

ومما يضفي سحرا على هذ الفطر الفريد أنه لا أحد يعرف كيف ينمو، فقد تعذّر على العلوم الحديثة وعلى تقنيات الزراعة العصرية استنباته كما فعلت مع سائر أنواع الفطر، وانتشرت الأساطير حول نموّه، فيعتقد البعض أنه ينمو عند قاعدة الشجرة التي يصبها البرق، ويعتقد آخرون أنه يتفاعل مع انعكاس القمر ويرده غيرهم إلى عمل السحرة.

ومما يزيد من الشغف به أنّ البحث عنه أشبه بالبحث عن كنز حقيقي، فقد عجزت أحدث الأجهزة عن رصده، وقلة هم الرجال الذين يعرفون السبيل إليه، ويشيع بينهم أنّ الحفر ليلا يكون أكثر جدوى، ولا بدّ للمنقّب من كلاب صغيرة مدربة وذات حاسة شم استثنائية.

ولعلّ ما يضاعف من قيمة هذا النبات الفطريّ ويؤرق صياديه ما بات يتهدّده من الأخطار، ولعل من أشدها خطرا ظاهرة الاحتباس الحراري التي تضير بجودته وتوقف نموه في فصل الصيف وزحف العمران وتآكل الغابات تدريجيا، فهي موطن نموّه المثالي.

مغامرة البحث عن الكنز الثمين.. شغف الشيخ الطفل

لا يعتمد الفيلم وساطة صوت سارد يتولّى إخبارنا بالوقائع وتحليل أبعادها وإبراز خلفيتها، وإنما يزج بنا مباشرة في مغامرة البحث عن الكنز الثمين، فإذا شخصياتنا تضرب في الأرض وتواجه الصعوبات التي تجعل المغامرة محفوفة بالمخاطر.

وكما هو حال الفيلم التخييلي تماما، فإن هذا الفيلم لا يغفل الأثر عن ماضي أبطاله وعن عمقها النفسي والذهني، فـ”كارلو كونيلا” ابن السابعة والثمانين مثلا يظل عاجزا عن مقاومة هواه في الأماكن الجبلية الوعرة التي يتعذر الوصول إليها بصحبة كلبته “تيتينا” المدربة على التقاط رائحة الفطر تحت الأرض تدريبا جيّدا.

القس يبارك “كارلو كونيلا” ابن السابعة والثمانين وكلبته “تيتينا” حتى يحفظ الرّب صحته

 

والأمر بالنسبة إليه جدّ لا هزل فيه، فهو أكثر من مصدر لدخل إضافي يؤمن له تقاعدا مريحا، إنه أسلوب حياة ومبرر وجود، فعندما لا يذهب على التنقيب عن الكمإ تفقد الحياة بريقها في ناظريه، ولذلك نراه يخاطر بحياته، فينزلق في الوحل ويُصاب بجذع شجرة إصابة تفرض عليه زيارة الطبيب، وتحاول زوجته إثناءه عن ارتياد الغابة، وحين يضيق صدرها توبّخه بشدّة، فما حاجته إلى هذا السلوك المتهوّر ومعاشه يكفل لهما حياة مريحة؟

يتظاهر شيخنا بالامتثال إلى الزوجة الصّارمة، لكنه كطفل مشاغب يظلّ يتحين الفرصة لمغامرة جديدة ولتوبيخ جديد ووعد بأن لا يعود إلى صنيعه، يعلم كلاهما مسبقا أنه لن يفي به، ويجد دعما من القسّ الذي يباركه ويصلي حتى يحفظ الرّب صحته، وحتى ينال النعمة الإلهية، ويتمكن من مواصلة وظيفته الاستثنائية بصفته صيادا للكمإ، وجالبا للسعادة التي تغمر مستهلكيه.

وليواسي “كارلو” الهرم الذي يخشى أن يباعد الموت بينه وبين شغفه، يعلمه القسّ أنه سيواصل جمع الكمأ في الحياة الآخرة بلا ريب. على هذا النحو ينساب السّرد بمرونة، فإذا بنا أمام مغامرات مشوقة تستدرجنا عبر إيهام القصّ إلى عالم الصيّادين المدهش، فنقاسمهم متعة المغامرة وطرافة القصص، ونشاركهم هواجسهم أيضا.

ما وراء الحكاية.. جشع العصر يفسد أخلاق الفرسان

للفيلم واجهة سطحية وخلفية عميقة، فعلى سطحه ندرك حكايات فردية لشيوخ متمسكين بممارسات قديمة كرّستها التقاليد الإيطالية القديمة، أما عمقه فتدبّر للحياة الاجتماعية من زاوية مختلفة طريفة، فلطالما ارتبطت هذه المهنة بسلم قيم ينظّمها، وقوامه احترام الصيادين لبعضهم، فلا يتطفّل أحدهم على منطقة تعود إلى غيره، ويجود من يحصل على نصيب وافر منه على من لم يحالفه الحظ حتّى لا يعود إلى دياره خالي الوفاض، فصيد الكمإ بطولة تقتضي أخلاق الفرسان.

أحد السماسرة والتجار الذين يقومون بسرقة كنز الصيادين البسطاء

 

لكن هذا كله بات من الماضي الجميل، فقد تدهورت القيم وفقدت أصالتها، وحل محلها الجشع والحسد. ذلك ما أصاب الصياد الشاعر بالإحباط والاكتئاب، فقرر هجر هذه المهنة بعد أن أفسدها الدّخلاء، وأضحى يقتات من الذاكرة ويعيش على أطلال الماضي، وقد فقَدَ اليوم كل شيء أصالته وغدا هجينا.

يكتب هذا الشاعر مذكرة يشرح فيها خلفيات قراره، فقد هيمن الجشع على هذه المهنة، وبات المنقبون لا يضربون في الأرض حُبا في الطبيعة وبحثا عن متعة التنقيب في ذاته، وعن تقاسمها مع الكلاب المدرّبة، والأدهى أن المنقبين قد دفعهم التنافس على جمع المال والحسد إلى إضرار بعضهم ببعض، فيحطمون أسوار أراضي لا يمتلكونها لاقتحامها، ويثقبون إطارات سيارات منافسيهم، ويسرقون معدّاتهم، ويسممون كلابهم ليجرّدوهم من العناصر التي تساعدهم في عملهم.

وإجمالا لم تكن مذكّراته رثاء لمهنة تفقد ثوابتها التي كانت عليها قبل خمسين سنة خلت، بقدر ما كانت تشخيصا لفساد أصاب سلّم القيم الجماعية بأسرها، بعد أن غدا المال البوصلة الوحيدة التي توجّهه.

“ثق بكلبك دائما”.. قلب الصياد الممزق بين الكمإ والكلاب

قدر قلب الصياد أن ينشطر بين حبين؛ حب الكمأة وحب الكلابِ. ولا عجب، فلا كمأ بدون مساعدة الكلاب، والقاعدة الذهبية لتحصيل نصيب منه هي قولهم “ثق بكلبك دائما”، فرفقة الصياد له في أدغال الغابات توثّق الروابط بينهما، وتحوّلها إلى علاقة روحية عميقة، فالعجوز “كارلو” يأخذ “تيتينا” معه للقس ليباركها، ويتضرّع للرب حتى يحفظ لها حاسة الشمّ ويزيدها توقدا.

ولشيخ ثان قصة لا تقلّ إثارة عن قصة “كارلو”، فهو يعيش هاجس الموت بعد أن تثاقلت خطواته ووهن جسده، وأدرك سنته الرابعة بعد الثمانين، وأضحى بقاء كلبته “بيربا” وحيدة بعد رحيله يقضّ مضجعه، ويتقمص دور الأب، فيناديها أن “تعالي إلى أبيك”، ويكنّي عنها بغاليته أو صغيرته، ويشعل لها شموع عيد الميلاد، ويقص لها الحكايات العذبة التي ندرك من خلالها مغامرات حياته، ويبحث عن عائلة صالحة تعتني بها جيّدا، ولا يزعجه أن يقدّم منزله نظير ذلك، لكنه يتمالك أمره، ويحاول أن يطمئنها قائلا: لا تقلقي سيجد أبوك شخصا مّا.

الكلبة “بيربا” تطفئ شمعتها الخامسة

 

وبعد أشهر من التجارب غير الناجحة اهتدى المبدعان إلى صانع أحذية في القرية صمّم لهما حوامل كاميراهات صغيرة يمكن ربطها برؤوس الكلاب دون أن تعيق طريقها، فتنقل ما ترى، ثم وضعا أدوات تسجيل على أحزمتها لالتقاط أصوات تنفسها وشمها وحفرها، وأصداء تواصلها مع الصيادين. وكانا يهدفان من هذه التجربة الفريدة إلى أن يقدّما مغامرة البحث عن الكمإ من منظور الكلاب نفسها، لنرى ما ترى ونسمع ما تسمع، وهي تبذل الوسع من الجهد لترضي أصحابها وتقودها إلى الحصول على الكنز المنشود.

مسار الكمأة إلى الطبق.. تراث أصيل يعصف به جور التجارة

ظلت تجارة الكمإ عملا يوازي التنقيب عنه، وهذا طبيعي، فقدر هذا الفطر أن ينتهي به الأمر طبقا شهيا في مطعم فاخر، لكن المتاجرة به فيما مضى لم تكن تختلف عن جمعه، فكانت تحترم الأعراف التي تنظّمها جيّدا، وتظل الغاية القصوى ضمان تقاسم متعته بين الجميع.

لكن زيف القيم اليوم يصيب القطاع في كلّ مساراته، فجشع الوسطاء والسماسرة يدفعهم إلى احتكار السوق وتوجيهها بما يخدم مصالحهم، فيبتزّون الصيّادين البسطاء ويحطّون من قيمته عند مفاوضتهم حول ثمنه، ويشترون الكيلوغرام الواحد منه بسعر يقل عن الألف يورو، ثم يرفعون من سعره عند البيع عبر أساليب التسويق المبتكرة والمضاربة في السوق السوداء وتنظيم المزادات العلنية، والبحث عن العملاء في الأسواق البعيدة في روسيا وأمريكا وفرنسا، ليتراوح بين 4000-4500 يورو للكيلوغرام الواحد.

 

ولعّل تتبّع مسار الكمأة الواحدة منذ خروج صيّاد هرم ليلا للبحث عنها رفقة كلبه بين الأحراش، حتى وصولها إلى طبق أحد الأثرياء اليوم، مرورا بجيش من الوسطاء وصالات العرض؛ أن يبيّن بجلاء أن المال في الليبرالية المتوحشة ماء مالح، لا يزيد الظمآن إلا عطشا ويصيب بالعقم كلّ ما يقع عليه.

صراع السماسرة.. سارقو المال يعجزون عن سرقة السعادة

يجعل المخرجان من البداية والنهاية مفتاحين يفكّان ألغاز الفيلم ويختزلان مسار صيد الكمإ، فيستهلان الأثر بكاميرا فوقية وزوايا غطس تعرض مغامرة الصياد الخطيرة في الأدغال، وبين الأحراش وسط الطبيعة التي تمارس سلطانها على من يرتادها، ثم يدرجان اللحظة السعيدة والصياد وكلبه يتنافسان لمعرفة من سيظفر بالكمأة أولا.

ثم يأخذاننا إلى المفاوضات الشاقة في المحل الراقي لبيع فطر الكمأة، وهناك تفقد الصورة توهّجها وعمقها لترد مسطحة، تظل على هذا الإيقاع، فتعرض لنا امتداد الطبيعة وعظمتها والصياد الضئيل يصارع أدغالها، فتكاد تلهج بصوت المتنبي مادحا سيف الدّولة:

وقفت وما في الموت شكّ لواقف            كأنك في جفن الرّدى وهو نائم

وتفقد امتدادها وعمقها في المطاعم الفخمة، حيث تعقد الصفقات بلا مشاعر، وحيث لا صوت يعلو على صوت المال.

 

وفي النهاية يظل الصيّادون يجولون في الغابات بكل حرية، أما التاجر الجشع فيشكو شقاءه لابنته في لحظة صفاء، فلا وقت لديه لأكل الكمإ الذي يملأ برّاداته، فهو منشغل بالعمل، وأكله يستوجب طقوسا لا يسمح بها جدوله المكتظّ دائما، لقد أمكن لهؤلاء السماسرة أن يسرقوا من الصيّادين كمأهم، لكنهم يظلون عاجزين عن النيل من سعادتهم، أو من شعورهم بالحرية بين أحضان الطبيعة.

أغاني الصيادين.. سحر عوالم الماضي الجميل

يعمل الفيلم بقصد على رسم عالم صيّادي الكمإ المنفلت عن الزّمن الحاضر، فهم يعيشون بالأسلوب نفسه الذي كانوا يعيشونه في شبابهم، إذ يستمعون إلى نفس الموسيقى، ويعملون في نفس الأرض التي نشأوا عليها، فيصطادون الكمأ بالطريقة نفسها.

وكأن الزمن قد توقف عند ستينيات القرن الماضي بما يميّز هذه الفترة من ملابس وأثاث وأغان، كما أن نمط العيش يميل إلى حياة الزهد، ويعقد من الطبيعة علاقة روحية، وكأن في صيد الكمإ حركة مضادة للمعاصرة، وموقفا رافضا لما شابها من قيم مادية جرّدت الإنسان من إنسانيته، فخلف رفاهيتها وإبهارها وفخامتها تقبع كائنات شقية تعيش حياة باردة لا توهج فيها.