“الجنة تحت أقدامي”.. كفاح المرأة الشيعية في لبنان لحضانة أبنائها

ندى الأزهري

حين ترتّب لينا في الحقيبة ثيابا وألعابا اشترتها لطفلها، يتبدى مزيجٌ من أحاسيس متناقضة يختلط فيها الحب مع الخيبة والإحباط مع الإصرار. حب أمّ لا خلاص منه، وخيبة من طفل لا يرغب برؤيتها، لكنها تصرّ على اللقاء به، بينما هو مخطوف من والده بعيدا عنها.

مشاعر موجعة لأم تشعر تجاه صغيرها ذي الأعوام الخمسة، تصاحبها في الوقت ذاته مشاعر حبّ جارف وألم عميق، بل عتب كبير على من لا يدرك تماما مدى ما يسببه لها من أذى.

هذا المشهد من الفيلم الوثائقي “الجنة تحت أقدامي” (2020) للمخرجة الفلسطينية الأردنية ساندرا ماضي ينطق بكل شيء، ويتوغل عميقا في مشاعر أمّ عبر نظراتها، وعبر ضحكتها الساخرة والحزينة، وعبر جلستها وحركاتها في توضيب الأغراض.

 

عوالم الشيعة.. انطلاقة الفيلم في مأساة المرأة العربية

كان الفيلم يعج بمظاهر التعبير المختلفة، لكن الكلام كان يمثل رافدا تعبيريا من أهم روافد الرسالة السينمائية، فقد كان واضحا وكثيرا وقد يكون أكثر من اللازم، ربما لأن في الفيلم رسالة تتطلب وضع اليد مباشرة على الجرح والإصرار على إبرازه، فالبعض قد لا يدرك الفكرة بلغة الصورة أو لا يكتفي بها، لا سيما في قضية أساسية لم تأخذ اهتماما أكبر من حيزها، ولم تتجاوز مكانها.

ورغم أن القضية في فيلم ساندرا ماضي تخصّ معاناة أمهات من الطائفة الشيعية فقط في لبنان، فهي يمكن أن تنطبق على كل أم تعاني من حرمانها من مولودها، لا سيما في عالم عربي عامة تسوده قوانين أحوال شخصية لا تصب في مصلحة النساء غالبا.

تخصيص الحديث عن نساء طائفة بعينها ومحاكم شرعية خاصة بهذه الطائفة لا يعني أن المشكلة تتعلق بهن فقط، وأنها لا تمس طوائف أخرى، وإنما كانت المخرجة قد صادفت الموضوع من خلال صديقتها الشيعية منتجة الفيلم عبير هاشم، وبدا من البديهي أن تتابع في نفس البيئة، ليكون تناولها للأمر أعمق وأكثر إحاطة. “الجنة تحت أقدامي”، لكن ماذا عن ما قبل الذهاب إلى الجنة، عن الآن؟

عبير التي حصلت على الطلاق بعد 12 عاما من المطالبة به، وكان هذا بسبب رفض الزوج ودفعه للرشاوي لنفوذه لتعطيل الإجراءات

 

عبير هاشم.. ثمرة 12 عاما من الكفاح

يطرح الفيلم قصة ثلاث نساء شيعيات لبنانيات يناضلن للحفاظ على حقّهن في حضانة أولادهن، وهن لينا عرار وفاطمة حمزة وزينب زعيتر، فهن بطلات الفيلم، وهن أيضا بطلات بمعنى البطولة، فالحصول على أبسط حقوقهن وممارسة أمومتهن يتطلب منهن التحلي بروح النضال.

يستهلّ الفيلم قصصه بحكاية عبير هاشم صديقة المخرجة والمنتجة وصاحبة فكرة الفيلم، فقصتها كانت المنطلق، لتكتشف ساندرا ماضي من خلالها قصص نساء أخريات مع الألم.

حصلت عبير على الطلاق بعد 12 عاما من المطالبة به، وكان هذا بسبب رفض الزوج ودفعه للرشاوي وممارسته لنفوذه لتعطيل الإجراءات.

الطلاق هو سمة مشتركة للنساء الأربع، لكن ما يهمّ السرد ليس قصص طلاقهن، وإنما أمومتهن، وهو توثيق لواقع النساء ومشاكلهن مع القانون والزوج من أجل حضانة أطفالهن.

لينا عرار هي الأكثر حضورا في الفيلم، تنظر إلى صورة تجمعها مع ابنها المخطوف من قبل زوجها

 

لينا عرار.. أم مغتربة في سبيل ابن يرفضها

تعيش لينا عرار في بلدة باومهولد الريفية في ألمانيا، وكانت قد جاءتها خصيصا لتلحق بابنها المخطوف من قبل زوجها، تقضي أيامها في انتظار قرار المسؤولين الألمان بشأن تصريح إقامتها في البلد، لتعرف ما إذا كان سيُسمح لها بلقاء صغيرها الذي لم تره منذ أن أبعده والده عنها باستخدامه أوراقا مزيفة لم يدخل السرد في تفاصيلها.

لينا هي الأكثر حضورا في الفيلم، فالكاميرا تتطفل عليها في لحظات حميمية ومؤلمة في بكائها وسخريتها، في غضبها وإصرارها، ترافقها أحيانا في إجراءاتها الإدارية، وتأمل عبر القانون الأجنبي الذي يدلل الأمهات في رؤية ابنها بقرار من المحكمة، بينما ابنها لا يريد رؤيتها بعد تخويفه منها، أما هي فتشتري له الثياب وتراكمها انتظارا للقاء ما.

تتهم لينا الجميع وتصبّ غضبها على المحاكم والقضاة، فحرمانها جعلها تغضب من كل شيء، وتشكو من كل شيء، حتى من غرفتها الضيقة التي أعطتها إياها الحكومة الألمانية.

إنها أمّ مجروحة بعمق، فليس سهلا على أي أم أن يرفض ابنها رؤيتها. الفيلم يبدي تماما هذا الجرح، ويتابعها أكثر ربما لأنها الأكثر غنى، كونها تشمل كل القصص الأخرى وما تثيره من مشاعر.

ابن الثائرة فاطمة البالغ من العمر أربع سنوات، والذي يعيش مع والدته في الضاحية الجنوبية لبيروت

 

فاطمة حمزة.. ثورة تتحدى السلطات الدينية الشيعية

فاطمة حمزة هي امرأة ثائرة هزّت قضيتها لبنان في 2016، فهي تسكن مع أهلها في الضاحية الجنوبية لبيروت، وترفض باستمرار التخلي عن ولدها البالغ من العمر أربع سنوات، وبعد تمرّدها على السلطات الدينية في المحكمة الجعفرية (الشيعية)؛ فضّلت أن تُسجن على أن تمتثل للقانون.

تتركز مشاعر فاطمة في الرعب، خاصة وأنها تعيش في حالة خوف من خطف ابنها منها بعد أن رفضت إرساله إلى والده بعد بلوغه السنتين، وهي نهاية سن الحضانة للأم.

تبدو فاطمة حذرة وعلى وعي بوسائل خداع قد يتخذها طليقها، حيث تقول “سيأخذونه للزيارة، وسيحتفظون به”، لا تبالي بالسجن وقد دخلته أسبوعا بسبب ابنها، وهي مصممة بقوة على الاحتفاظ به قائلة: ما من قوة في الدنيا تقدر على أن تتحكم بي وبابني، أو تقرر عني كيف علي أن أمارس أمومتي، أو تحدد علاقتي بابني.

فاطمة جاهزة لكل التغيرات، وتخطط حتى لنقل مكان عملها إلى مدرسة ابنها حتى لا يغدروا بها يوما ويأتوا لاصطحابه مع نية خطفه. ثورة فاطمة وقوتها كانتا محطّ اهتمام الفيلم، وقضيتها تسيطر على وجودها كله، ومشاعرها كلها متركزة في هذا، ولا شيء في حياتها يحيدها عنه.

زينب التي فقدت ابنها الوحيد بعد طلاقها، وهي اليوم تعيش على أمل رؤيته

 

زينب زعيتر.. بصيص أمل بعد معارك المحاكم الخاسرة

تبدو فاطمة حمزة في مشاعرها أكثر اهتياجا من زينب زعيتر الآتية من سهل البقاع، التي فقدت ابنها بعد طلاقها، ولم تربح أي معركة قانونية في المحاكم لرؤيته، وتعيش أيامها بانتظار بصيص أمل.

أنجبت زينب وليدها في ألمانيا، وبقيت معه في المستشفى شهورا، وبعد شفائه عادت معه إلى لبنان في عطلة، لكن في حقيقة الأمر كان الزوج يخطط ليتركها هناك وقد فعل، وقد فقدت كل اتصال لها مع وحيدها، لذلك تحاول تنفيذ قرارات قضائية تجيز لها رؤيته، لكنها لن تتمكن من ذلك بسبب عوائق يضعها زوجها.

تتنقل الكاميرا بين البطلات في بوحهن والعلاقة بينهن، لتستعرض حياتهن اليومية وكفاحهن ومشاركتهن في مظاهرات مع أخريات في لبنان أمام المحكمة الشرعية.

 

ميزان المخرجة.. ميل صريح إلى كفة البطلات

تحضر المخرجة أحيانا بصوتها وهي توجه دفة الحديث وتطرح سؤالا مباشرا، فربما كان مفضلا -والفيلم يسمح بهذا- الاعتماد أكثر على الصبغة الروائية للفيلم، وترك الأمهات على سجيتهن دون التدخل مهما كان طفيفا.

وكما هو متوقع فقد كان موقف المخرجة من بطلاتها دائما يميل لمصلحتهن، فهي لم تسع لأخذ رأي قاض أو زوج، بل إن القضية بالنسبة لها واضحة وبديهية والحق كلّه دائما مع الأم.

وهي أيضا تدين مع بطلاتها تحكّم رجال الدين والسياسة في حياة الأسرة، ولا تغفلُ في هذا الإطار إدانة المجتمع وقوانينه المجحفة بحق النساء، ودور المرأة في التحريض ضد المرأة كما حصل في حالة لينا وفاطمة وزينب.

تظاهرة في لبنان لأمهات يحلمن برؤية أبنائهن، حيث كتبت إحداهن على اليافطة “14 عاما وما زلت أنتظر”

 

“14 عاما ما زلت أنتظر”.. جراح المأساة المفتوحة

فيلم “الجنة تحت أقدامي” هو توثيق لواقع نسائي بطلاته أمهات مرهقات لكنهن مقاومات، محرومات لكنهم مصممات، ترسم حياتهن عناوين مستقرة هي الانتظار، وانتظار حصول اللقاء مع الابن، وانتظار ما لن يأتي.

“14 عاما ما زلت أنتظر”، هذا ما كتبته أم بائسة على لافتة خلال تظاهرة، ويعكس الرعب المستقر من الحرمان من طفل كان يوما هنا.

تشتعل الذكريات عند كل ليلة حينما يبتعد ضجيج النهار ويحلّ ليل يذكر بمن كان جزءا من الجسد وبات نائيا، لكن الضمائر لا تستيقظ على ما يبدو، وما تطالب به هذه الأمهات هو الحصول على الحضانة بتشريع ثابت، وليس على نحو مؤقت بناء على حكم وقتي من قبل القاضي، وكأنه هبة تمنح للأم.