“أنديكو”.. صراع في عوالم الطفلة المغربية ذات القدرة الروحية الخارقة

المصطفى الصوفي

أحيانا يتصرف الأطفال بشكل عفوي وتلقائي، فيثيرون من حولهم كثيرا من الأسئلة داخل الأسرة الواحدة، منهم من يرى أنهم مجانين، ومنهم من يراهم أصحاب حدس وفنانين. عالم الأطفال هو عالم تنعدم فيه المسؤولية، لكنه عالم يفصح عن كثير من الإشراقات التي قد تبشر بخير في المستقبل، وهو ما ينطبق على كثير من الأطفال النوابغ والأذكياء.

في الواجهة الأخرى أطفال نشأوا في بيئة اجتماعية قاسية بلا تربية ولا رعاية، وداخل أسر متفككة اجتماعيا، وغالبا ما يكون مصيرهم الشارع والانحراف.

تحكي إحدى الجدات في فيلم عابر بإحدى القنوات الإفريقية، أن الطفل صاحب الرأس الأسود والأنف الأفطس في تلك القبيلة الإفريقية، هو طفل منطوٍ على نفسه، صامت، ومحب لقطيعه الذي يرعاه في الغابة.

هذا الطفل كان له شأن عظيم، بالرغم من الطبيعة القاسية التي يعيشها، لكنه تلقى تربية حسنة من والديه، فقد علماه تحمل المسؤولية والاعتماد على النفس والصبر والقناعة والتحدي.

“أنديكو”.. نظرة فلسفية في عالم الطفلة المتمردة المشاغبة

تحدي صاحب الأنف الأفطس الذي تنبأت له الجدة الهرمة الحنون، بمستقبل وافر خارج السافانا، يختلف عن تحدي الطفلة الجميلة نورا صاحبة الوجه الصبوح والطلعة البهية والحدس والبركات.

 

“أنديكو” طفلة مشاغبة وغير طبيعية، تكبر في بيئة غير بيئة طفل السافانا الذي روت قصته الجدة صاحبة الرأس المشتعل شيبا، فوالدها مقيم في أستراليا بملء حضارتها وتقدمها العلمي، وهذه المتمردة التي تمتلك قدرات خارقة، ستكون محط سخرية من قبل أفراد عائلتها، وهو ما يجعلها تتعرض لكثير من المعاملة السيئة والتعنيف الذي يعاقب عليه الدين والقانون.

وجدت المخرجة سلمى بركاش صاحبة فيلم “الوتر الخامس” في صاحبة الوجه الطفولي البريء، مادة سينمائية سلسة، لاعتمادها كفرجة فنية لطرح كثير من الأسئلة الوجدانية والاجتماعية والفلسفية، ففلسفتها في فيلمها الجديد -الذي بدأ عرضه في القاعات السينمائية المغربية منذ الخامس من شهر يناير الجاري- تنبني على الاشتغال على نفسية الأطفال وتصرفاتهم وأحلامهم ومعتقداتهم في بيئة منفتحة على حضارة متقدمة.

ليس من السهل طرح مثل هذه الإشكالية في السينما المغربية، فقلة من المخرجين وكتاب السيناريو اشتغلوا على هذا المحتوى، باعتباره مجالا صعبا ومعقدا، لكنه في العمق يكشف كثيرا من العادات والمعتقدات والتقاليد التي تعشش في المجتمع.

عالم الأسرة المستبدة.. صورة مصغرة لحالة من الواقع

يعالج فيلم “أنديكو” قصة طفلة تعيش وسط أسرة مستبدة لا تقدر أحلامها وإحساسها بالواقع والعالم، وهو ما جعلها محط سخرية ومضايقة من قبلها، خاصة أخاها الذي يمارس عليها ساديته بالضرب والسوط والترهيب.

عرض هذا العمل في عدة مهرجانات وطنية ودولية، وقام بتشخيصه ريم الكتاني وخلود البطيوي والممثلة المقتدرة عائشة ماه ماه، فضلا عن مالك اخميس ومحمد وهيب ابكاري وكريم سعيدي ومروة خليل.

الممثلة خلود البطيوي التي قامت بدور والدة نورا وهي في حديث صارم وعنيف مع ابنتها

 

هنا نطرح السؤال: هل يمكن اعتبار فيلم سلمى بركاش صورة مصغرة لحالة من الواقع المغربي والعربي، سواء لصنف من العائلات التي تعيش داخل الوطن، أو المغتربين في بلدان أخرى كأستراليا؟

وهل يمكن اعتبار الفيلم خطابا مزدوجا يقدم جانبا من ظاهرة اجتماعية منتشرة ويؤمن بها الكثير، ألا وهي الشعوذة وطلاسم السحر، ومحاولة إعادة طرحها، وإعادة تصديرها إلى مجتمع متحضر بصيغة مغربية؟

إن بنية هذا الفيلم التي تحمل كثيرا من التجانس على مستوى الكتابة والتشخيص والتقنية في التصوير وتناول الموضوع؛ هي بنية قوية لها ما يميزها على مستوى الخطاب السينمائي، وأيضا على مستوى المرجعية التي تشتغل عليها المخرجة ضمن مشروعها السينمائي.

حبل الطفولة بين طرفين متجاذبين.. نظرة الفيلم العميقة

بهذا الطرح الذي ذكرنا آنفا نؤكد أن سلمى بركاش تحاول أن تقدم من خلال تجربتها السينمائية، وأيضا من خلال هذا الفيلم؛ رؤيتها الأكاديمية والجمالية التي تجمع بين عالم الطفولة وعلم النفس والأنثروبولوجيا والعلوم الإنسانية والسينما.

إننا هنا أمام طرح سينمائي جديد لا يمكن قراءته سطحيا، باعتباره قصة أطفال وتعنيف وقضية اجتماعية مركبة، بحثا عن فرجة ماتعة وسطحية، بل قراءته كعمل فني له قوالب بنيوية وفكرية عميقة وإسقاطات متنوعة.

الممثل كريم سعيدي الذي قام بدور مهدي شقيق نورا في لحظة مرح طفولية رغم العداء الذي بينهما, ورغم تعنيفه لها

 

فالحاسة السادسة التي تتوفر عليها نورا أمر غريب ومريب في نفس الوقت، وظاهرة عجائبية قسمت العائلة إلى طرفين، طرف يمثل والدتها الواقعية التي لا تؤمن بهذه الخرافات والتصرفات الصبيانية غير الحقيقية، وشقيقها مهدي الذي يعنفنها بشكل خطير، لثنيها عن تصرفاتها.

أما الطرف الآخر فيتمثل في أمينة خالة نورا، فهي تتعاطف معها، وتؤمن بقدراتها الخارقة وتنبؤاتها بكل ما يقع، ولمعرفة صحة ذلك ترافقها عند المشعوذين والعرافين الذين يؤكدون أنها فعلا تحمل في يدها خطوط البركة، وفي عيونها الكثير من الضوء والسحر والإبهار.

تكذب والدة الطفلة نورا كل ما تفعله ابنتها المشاغبة من تصرفات، لكن الخوف يصيبها، لما يحدث من ظواهر غير مفهومة، وترتبط بحادثة السير مثلا أو الوفاة وما إلى ذلك، وهو ما يجعلها تتشكك وتحتار وتستنجد بالطب النفسي.

فليلى والدة نورا التي تريد الالتحاق بزوجها في أستراليا، ترى أن ما تقوم به ابنتها هو تصرفات طفولية، لثنيها عن مرافقتها إلى أبيها في أستراليا، لكونها بلدا متقدما لا يؤمن بما له علاقة بالشعوذة والسحر والتنجيم ومن يدعي البركات وقراءة الكف ومعرفة ما يقع في المستقبل.

عالم الشعوذة.. معادل اجتماعي لتكريس المصالحة

الفيلم في عمقه الفني، هو طرح لكثير من الأسئلة والقضايا الاجتماعية التي ترتبط بعالم الطفولة، وتعامل الأمهات والإخوان مع البنات، وأيضا بعالم الشعوذة والسحر والخرافات والروحانيات.

نورا مدعوة إلى المصالحة مع والدتها التي تتصرف معها بشكل مجحف، وكذلك مع ذاتها ومحيطها الذي أجبرها على الاستمرار في حلمها واعتقاداتها

 

إنه محاولة لعلاج وتسوية كثير من المعتقدات السائدة، بناء على قصة خيالية محبوكة كتبتها سلمى بركاش، وهي ذات بعد خيالي سوريالي يعيد من جديد موضوع الشعوذة في المجتمع كظاهرة اجتماعية ما تزال أسر كثيرة تؤمن بها وتساعد على انتشارها.

فيلم “أنديكو” عمل سينمائي تخييلي، يحاول البحث عن معادل اجتماعي لتكريس المصالحة مع الذات والعائلة وخاصة الأم، وأيضا مع العالم الذي تعيش فيه نورا، فنورا يمكن اعتبارها ضحية الإهمال والتفكك العائلي، وأيضا ضحية الاغتراب في أرض المهجر، كما أنها -في الفيلم- مدعوة إلى المصالحة مع والدتها التي تتصرف معها بشكل مجحف، وكذلك مع ذاتها ومحيطها الذي أجبرها على الاستمرار في حلمها واعتقاداتها.

“الوتر الخامس”.. اقتباس الإلهام من الأعمال السابقة

ترى ما الذي يجمع بين فيلم سلمى بركاش السابق “الوتر الخامس”، وفيلها الجديد “أنديكو”، هل هو موضوع الحلم والإبداع والإلهام، أم البحث عن صفاء الذات والمجتمع ونقاء العالم الذي يميز البطلين؟

في “الوتر الخامس” كان البطل فنانا يعشق الموسيقى إلى أبعد الحدود، ويبحث عن إيقاع خامس ونبرة أخرى، لتحقيق حلمه والوصول إلى سماء الحلم، أما بطلة فيلمنا هذا، فهي تحاول تحقيق نوع من الحلم عبر حدسها وتنبؤاتها لما قد يقع.

 

إن اشتغال سلمى بركاش على عالم الإلهام والمعتقدات والروحانيات -وهو أمر محبب لديها في نظري- يجعل سينماها سينما للتشويق، وشد انتباه الجمهور، وطرح السؤال الفلسفي، وفهم الرؤية السينمائية ذات البعد الشعري والخيالي الموحي.

فهل يمكن اعتبار فيلم “أنديكو” فيلما مقتبسا من أطياف أعمال سينمائية سابقة، خاصة أعمال “ألفريد هيتشكوك” مثلا التي كانت تقدم السينما كلعبة فرجوية فيها كثير من الفلسفة والغرائبية والخيال، عبر أفلام سريالية مشبعة برهاب وخوف الصورة، حين ينعق غراب في الجوار أو على شرفة الحديقة.

جامعة السوربون.. دكتوراه حول موضوع المرأة في السينما

مرجعية سلمى بركاش السينمائية متجانسة ومتكاملة مع تجارب سابقة، وهو ما يجعلها تستلهم نبضها السينمائي من أعمال مخرجين عالميين، لعل من أبرزهم المخرج السويدي “إرنست إنغمار برغمان”، والمخرج الروسي “أندري تاركوفسكي” وغيرهما.

سلمى بركاش هي ابنة مدينة الدار البيضاء، وقد درست الفنون والسينما في جامعة السوربون الفرنسية، وحصلت على شهادة الدكتوراه حول موضوع المرأة في السينما، وهي من خلال فيلمها تحاول فهم سر وكينونة المرأة، سواء كطفلة أو كأم أو خالة.

إن الطفلة نورا علامة، والخالة أمينة والوالدة بتصرفاتها المتناقضة في علاقتها بالطفلة ذات الحدس الخارق علامة أيضا، تريد من خلالها المخرجة تمرير كثير من الخطابات والأفكار، ولعل أبرزها علاقة المرأة بالذات والمجتمع والآخر الذي يصبح في بعض الأحيان هو الجحيم.

ثنائيات الفيلم.. تقابلات تصنع الحركية والمتعة

هكذا ترتكز البنية الفيلمية لـ”أنديكو” على ثنائيات ضدية ومتناقضات تقسم العائلة إلى نصفين، وهي عملية اختارتها المخرجة، لإعطاء الفيلم نوعا من التوزن على مستوى المعنى في قالب درامي شيق للغاية.

نورا يمكن اعتبارها ضحية الإهمال والتفكك العائلي، وأيضا ضحية الاغتراب في أرض المهجر

 

ونستشف هذا الطرح المتناقض من خلال ثنائيات كثيرة، فالأم الواقعية تلجأ إلى الطب النفسي الحديث، عكس الخالة المؤمنة بالمعتقدات التي تلجأ إلى عالم العرافين والمشعوذين والدجالين.

نجد أيضا الطفلة المغلوبة على أمرها المتمردة على الأسرة بخيالها في مقابل الأخ مهدي العنيف، فهو يستفزها ويقسو عليها بالضرب، وهذا ما يجعلها أحيانا تختبئ تحت الطاولة خوفا من السياط، كما نجد أيضا الأب المقيم في أستراليا البعيد، في مقابل الزوجة التي تقيم في أرض الوطن.

هذه الثنائيات الضدية التي اعتمدتها سلمى بركاش كأسلوب فني غير بريئ في السينما، تجعل الفيلم صورة ممتعة وغير جامدة، فهو ينبض بكثير من الحركية على مستوى إنتاج الفرجة، ليكون محطة اهتمام وإعجاب الجمهور.

إلى هنا يمكن اعتبار فيلم “أنديكو” مغامرة سينمائية جديدة لسلمى بركاش التي كسبت رهان الاشتغال مع الأطفال، وهو أمر صعب ومسل في نفس الوقت، اذ ليس من السهل تحبيب السينما والتمثيل الى الطفل، وجعله يعطي كل ما لديه من تشخيص جميل وصادق، ليكون الفيلم أجمل وأكثر صدقا.

انتصار الجمال.. سفر سينمائي على أجنحة الخيال

إن الفيلم في عمقه الفني والجمالي محاولة فنية ممتعة، لسبر أغوار الذات، ومساءلة الروح، وتكريم القيم الإنسانية، ونبذ الأنانية، ومراجعة العلاقات الإنسانية، بعيدا عن كل ما هو سائد واستهلاكي من مواضيع في السينما.

هكذا تصنع سلمى بركاش فيلمها الجديد بطريقة فنية فيها كثير من الإلهام والخيال وخلخلة الذاكرة المتحرجة، وتضعه في أيدي الجمهور كأمانة، ورسالة، تنفتح على فيض من القراءات والمفاجآت.

المخرجة سلمى بركاش ابنة مدينة الدار البيضاء، وقد درست الفنون والسينما في جامعة السوربون الفرنسية

 

“أنديكو” في نهاية الحلم مع نورا العفريتة هو سفر عبر الزمان، بطريقة بديعة لا تخلو من لغة سينمائية شاعرية، على أجنحة خيال مجنح يفسح المجال للمتلقي للتحليق في سماء السينما بحثا عن المتعة البصرية الراقية.

إنه نوع من السينما المجددة والمعاصرة بنفس أنثوي رقيق، يحاول بكل لطف الصورة أن يلامس في ثناياه قضايا عدة تتناقض مع هذا العالم، وتنتصر لقيم الجمال، رغم تداعيات الجنون والصدمة ولعنة العرافين.

في هذا العالم وجدت سلمى بركاش ضالتها، لتعزف للجمهور على وتر سينمائي سادس، وخماسية فرجوية راقية، ترتكز على مضمون شفاف، وشكل له بناء سينمائي قوي بتقنية عالية، وأيضا على الحلم، وصفاء الروح، وسفر سينمائي في الزمان والمكان والذاكرة وغرائبية الانسان.