“اليوم الصفر”.. عدّ تنازلي لخطر الماء المُحدق بالكوكب الأزرق

كثيرا ما يجد الشاعر في عشقه عطشا مهلكا، وما أبلغ ما وصف به جميل عشقه لبثينة، حين وظّف صورة النوق التي تقدم صاديات على الماء فتصد بالعصي، فقال:

وَما صادياتٌ حُمن يوما وليلة .. على الماءِ يُغشين العِصِيَّ حَوانِ

بِأَكثر منّي غُلَّةً وصبابة .. إِلَيكِ ولكنّ العدوَّ عَداني

لكن فيلم “اليوم الصفر” (Day Zero) الذي أخرجه “كيفن سيم” و”فيرجينا كين” يجرّد هذا الكلام من بُعده الاستعاري الجمالي، ويكشف لنا واقعا يتقاتل فيه البشر فيما بينهم طلبا لجرعة ماء، يطوقهم جفاف وعطش على أرض أخذت تفقد بالفعل مقومات الحياة فوقها، نظرا لغياب ما يجعل من الماء كل شيء حي.

 


عصب الحياة.. كوارث الزيادة وهواجس النقصان

يُستهل الفيلم بصورة فضائية لكوكب الأرض، فيبدو في شكل مساحات ترابية ضئيلة تغرق في زرقة الماء، وتكمن المفارقة هنا، فالمياه تغطي نسبة 70% من مساحة كوكب الأرض والمياه المحبوسة في طبقاته الجوفية المحجوبة بالصخور تفوق المياه الموجودة في البحيرات والأنهار بمئة مرة، وكل العلامات توحي بوفرة مائية هائلة.

ومع ذلك يظل العطش يُهدد مستقبل الحياة على سطحها، فقد باتت حاجة الإنسان اليوم إلى الماء أكبر، ففضلا عن استعماله للشرب أو في مجال الفلاحة لتأمين حاجته من الغذاء، وفضلا عن الحاجة الأكيدة إليه في مختلف مظاهر الحياة اليومية، وفي كل مناحي الحياة الاقتصادية كاستخراج الفوسفات وصناعة الفولاذ ومختلف الصناعات الكيميائية وصناعة الملابس؛ فقد أصبح يستعمل في الكماليات وصناعة الترفيه التي باتت عصَب الاقتصاد اليوم من ألعاب مائية ومسابح عامة وخاصة وملاعب للغولف ولكرة القدم وغيرهما.

المفارقة هنا أن حضوره بات يسبب الكوارث بقدر ما يسببها غيابه، فذوبان الثلوج على قمم الجبال يسهم في ارتفاع مستوى الماء على سطح الأرض، ويهدد مستقبلا بغمر المدن الساحلية، أما الأعاصير والفيضانات فقد تضاعفت قوتها التدميرية منذ أن ارتفعت حرارة الأرض وفقدت توازنها البيئي.

ساعة الصفر.. حشود تائهة بين الوهم والحقيقة

كأن المخرجين يقدران أن الإنسان اليوم يتابع أزمة المياه، وأن المتفرج يحتاج صدمة تخرجه من عدم مبالاته ومن حياده السلبي، فيعرضان مشاهد الحشود في الساحات العامة بسيدني وباريس ونيويورك، تتابع العد التنازلي وتنتظر اللحظة الصفر حتى تعلن بداية الاحتفال بسنة جديدة.

جفاف الأراضي بفعل الاحتباس الحراري في الكوكب

 

لكن هيهات، فسريعا ما يأخذنا المخرجان من هذا الاحتفال الساحر بالحياة إلى لحظة صفر مرتقبة ومختلفة تماما، وإلى حشود تتجمع لا للاحتفال في جو بهيج، وإنما لتتقاتل وهي تحاول الفوز بقدر ضئيل من الماء الصالح للشراب في كيب تاون بجنوب أفريقيا وفي مدينة مكسيكو وغيرهما.

وتواجه في سبيل ذلك الشرطة بعنف ما يشبه العصيان المدني، فتستولي على صهاريج المياه المحملة على الشاحنات العملاقة. ومن خلال التباين بين الحشدين يجسد الفيلم عمق المسافة الفاصلة بين الوهم الذي يعيشه الإنسان وحقيقته القاتلة.

تناظر الصور.. لقطات بانورامية تعكس قحط الأرض بعد نضارتها

يحرص الفيلم على بناء صوره على التناظر بين ما كانت عليه الأرض من البهاء وما وهبتها الطبيعة من النضارة والجمال والغابات الباسقة، وبين ما أضحت عليه من قحط، وما يخلفه الإنسان المفسد الذي يستغل عجزها ليدمرها.

كانت الكاميرا في نزولها نحو الأرض تلتقط صور غاباتها المحروقة وبحيراتها الجافة، فينوب اللون البني للتراب المشقق بفعل الجفاف عن اخضرار الغطاء النباتي، ويوحي هذا كله بتقابل صورة الماضي المفعمة بالحياة التي كانت تعيشها الأرض في مرحلة ما قبل الصناعات الملوثة، والموت الذي يهدد كل ما عليها حاضرا.

وعادة ما تعتمد اللقطات البانورامية الواسعة في السينما لتأمل الطبيعة والتغني بمظاهر عظمتها عامة وضآلة الإنسان أمامها، أما في الفيلم فأضحت تعتمد بدلالة معاكسة تماما، فقد كانت هذه اللقطات تحضر باستمرار لتصوّر الأراضي المنبسطة من الأعلى والمدن النائمة العاجزة عن الدفاع عن نفسها.  وتسهم زوايا الغطس في رفع النبرة التفجعية التي ترثي الطبيعة، وتبكي زوال مظاهر الحياة على سطحها.

ولعل مدينة كيب تاون تمثل نموذجا لأسلوب التصوير هذا، فيعرض الفيلم صورها البديعة زمانا، أما اليوم فتختزلها صورة أشجار الكروم اليابسة المنغرسة في الوحل حين جفت مياه السد الذي كان يغمرها، وبعد أن كانت هذه المدينة توصف بعاصمة شهر العسل لجمالها، فها هي تصبح مدينة الطوابير الطويلة بحثا عن دنان من المياه.

مدينة كيب تاون كانت توصف بعاصمة شهر العسل لجمالها، إلا أنها اليوم أصبحت مدينة الطوابير الطويلة بحثا عن دنان من المياه

 

تدعم المواد البصرية التي يجمعها الفيلم لكوارث مختلفة هذه النبرة الرثائية، فيؤلف بين مشاهد حرائق أستراليا والحرائق الشبيهة بها في كاليفورنيا وألاسكا وسيبيريا نفسها، كاشفا أن هذه الكوارث الطبيعية قد تسببت في هلاك نحو 3 مليارات من الحيوانات البرية، وأن بعض هذه الحيوانات يوشك على الانقراض.

ما وراء المشهد.. عبث الإنسان بالبيئة يجهد الكوكب

رغم هذه المؤثرات الدرامية ذات الخطاب الانفعالي، لم يخلُ الفيلم من لغة تحليلية رصينة، فيأخذنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أخذت منابعها في الوسط تنضب، وإلى مزارع العلف التي فقدت خصوبتها، وإلى حظائر البقر التي تُخلى دوابها لينبهنا إلى أن الجوع قادم رغم ما يوحي به التقدم الصناعي، فالأرض تئن، الأرض مُجهدة.

أما معدلات ثاني أكسيد الكربون فتشهد زيادة كبيرة، والغازات المنبعثة من الفضلات المنزلية المتراكمة، أو من فضلات الحيوانات المربية ما فتئت تلوّث الهواء شأنها شأن الأسمدة الكيميائية، أو المبيدات الحشرية المعتمدة في المجال الفلاحي.

أكثر من 3 مليارات من الحيوانات البرية تهلك بسبب حرائق الغابات

 

ومسؤولية الإنسان في هذه العناصر الملوثة للبيئة جسيمة، فالمصانع اليوم لا تزال تعتمد الطاقات الملوثة وتدمير الغابات المطيرة في البرازيل ينفّذ بشكل منهجي، وقد أُتلف خمسها تقريبا بعد. والغطاء النباتي في المناطق المختلفة ينهار بدوره، فأفضى هذا كله ارتفاع حرارة الغلاف الجوي المحيط بالأرض بما يتجاوز النصف درجة، وإلى الاحتباس الحراري الذي يخلّف تغييرات مناخية باتت تهدد السلام العالمي بحروب الماء، وقد بدأت بوادرها تظهر بعد.

نضوب الطبقات الجوفية.. حالة من الإفلاس المائي تهدد المدن الكبرى

كي لا يستمر الفيلم في هذا الخطاب المحبط، يتتبع خطوات أولئك الذين اختاروا التقدم إلى الخطوط الأمامية لحماية الماء من النفاذ، ولإنقاذ الحياة على الأرض، أو على الأقل لتأجيل اليوم الصفر ما أمكن، فربما يبتكر العقل البشري سبلا للتصدي لهذه المعضلة.

في بحيرات فلوريدا تحاول الغطاسة “جيل هاينرث” أن تكتشف ما يحدث للمياه العذبة في طبقة فلوريدان الجوفية، حيث خزان المياه العملاق، وأكبر تجمع لينابيع المياه على الأرض، لكن المياه الصافية لا تعني بالضرورة المياه النظيفة، فهذا المخزون الهائل معرّض للتلوث باستمرار بالمواد الكيميائية التي تتسرب إلى جوف الأرض، أما الغطاء النباتي في المنطقة فيتراجع بفعلها.

يؤكد الصوت السارد من خارج الإطار تماثل ما يقع في هذه البحيرة مع ما يحدث في لوس أنجلوس، تلك المدينة العالقة بين الصحراء والمحيط، فأزمة المياه قائمة في الحمض النووي لمدينة العطش هذه، وخلف صورة الحلم الأمريكي وأستوديوهات هوليوود يتقاتل الناس من أجل الماء.

وفي كاليفورنيا يؤكد “جاي فاميجيليتي” عالِم المياه الذي كان في مهمة فضائية من أعمال ناسا لتتبع حركة المياه على الأرض أن ما يحدث لإمدادات المياه على الكوكب بأسره، هو عدم إدراك الرأي العام الدولي لحقيقة المعضلة، مبرزا أن السنوات ما بين 2012-2014 كانت الأكثر جفافا منذ ألف سنة.

الاحتباس الحراري وخطر الحرائق المستمر في كافة أنحاء المعمورة

 

ويحاول أن يتقاسم مع المتفرج حقيقة أن ربع سكان العالم يعتمدون المياه المستخرجة من الطبقات الجوفية التي تفقد مخزونها بسرعة أكثر بكثير مما نظن، والمعضلة هنا أن بعضها غير قادر على التجدد، وأن بعضها الآخر يستخرج منه الماء بنسب أكبر بكثير من قدرته على التجدد. لينتهي إلى المعادلة البسيطة الخطيرة في آن واحد، ومدارها على أنّ عدد البشر اليوم يتزايد، وأن حاجتهم إلى الماء تتطور بنسق أكبر بكثير من طاقة الطبيعة على منحه، وهذا ما يعني أن حالة الإفلاس المائي قادمة حتما.

أفلام الكوارث.. مقارنة بين الأمس واليوم تدق ناقوس الخطر

يقوم الفيلم على فكرة العدّ التنازلي نحو اليوم الصفر الذي ستزول فيه مظاهر حياة بزوال الماء، ولا شك أن أسلوبه مثير يسهم في التوعية بضرورة أن يراجع الإنسان سلوكه إزاء الطبيعة، وقد يصل هذا الأسلوب حد الفظاظة أحيانا، فيركز على الوظيفة التأثيرية التي تستهدف إزعاج المتفرج وإثارة عدوى القلق لديه.

ولا شك أن ذاكرة المتفرج تستحضر بشكل ما أفلام الكوارث التي يحاول فيها البطل إنقاذ الأرض من كارثة طبيعية تحيط بها، تماما كما فعل “بوريس ويليس” في “أرمغدون” (Armageddon) عام 1998 و”جان هاكمان” في “المدّ القرمزي” (Crimson Tide) عام 1995، و”جوليا روبرتس” في “إيرن بروكوفيتش” (Erin Brockovich Seule Contre Tous) عام 1999.

وقد تستدعي ذاكرته فيلم “الحقيقة المزعجة” (An Inconvenient Truth)، ذلك الفيلم الوثائقي الشهير الذي أخرجه “ديفيد غيغنهام” عام 2006، وتولى نائب الرئيس الأمريكي السابق ومرشح الديمقراطيين للانتخابات الرئاسية سنة 2000 “آل غور” بطولته.

فقد كان عرضا لأخطار الاحتباس الحراري، وتصويرا للمصير الكارثي الذي ينتظر الكون بسبب ارتفاع غازات ثاني أوكسيد الكربون، ومنه ذوبان طبقات الثلج في القطبين، وما ينجر عنه من ارتفاع لمستوى البحر بــ6 أمتار مسببا لفيضانات جارفة.

 

وكما يفعل “آل غور” عندما كان يعود في دراسة الظاهرة إلى 650 ألف سنة خلت، وما طرأ على الكون من تحولات مناخيّة، رادا إعصار “كاترينا” الذي دمر نحو مليون منزل على ضفاف نهر الميسيسيبي إلى ارتفاع نسبة الغازات هذه؛ كان فيلم “اليوم الصفر” يقارن بين حالة الأرض بالأمس البعيد واليوم، ويراهن على إرباك المتفرج بالفرضيات المتشائمة المحبطة، أملا في نجاح جماهيري ومالي شبيه بنجاح “الحقيقة المزعجة”، فكان هذا التشابه في البناء والصور والمضامين حقيقة مزعجة تحدّ من طرافة “اليوم الصفر”.

صدمة المتفرج.. مبالغات توعوية لإيصال الرسالة

يجتهد الفيلم في تنبيهنا إلى الأرض التي تتألم تحت أقدامنا بسبب أنانيتنا وعدم مبالاتنا، وكان سبيله العمل على خلق الصدمة لدى المتفرج، وهو أسلوب توعوي مهم له وقعه، ويعتمد في التوعية بأخطاره العالية.

لكن الفيلم التوعوي ليس الفيلم الوثائقي بالضرورة، فهو يعمل عبر المبالغات على دفع المرء لتغيير سلوكه بطريقة مباشرة لا إيحاء فيها، وضمن هذه الخلفية عمل “اليوم الصفر” على إرباك المتقبل باستدعاء حالة الرعب التي انتابت العالم بسبب الفيروس التاجي بعد الاحتفالات بدخول سنة 2020، وجعلته يرى الهلاك على مرمى حجر، ليجعله أكثر قابلية لفكرة الهلاك بسبب غياب الماء.

بيد أن استمرار المؤثر الانفعالي في الزمن محدود جدا، لأنه لا يصدر عن قناعة فكرية بقدر ما ينشأ عن تعاطف وعن حالة وجدانية عابرة. أما الفيلم الوثائقي فسبيله مختلف، فهو مقاربة للوقائع أو الوضعيات من وجهة نظر جمالية فكرية تخاطب العقل وتعمل على الإقناع خاصة، ومن وجهة النظر هذه نقدر أن ما تخلّله من المبالغات والتّهويل والعمل المجاني على خلق الرعب في نفس المتقبّل يحد من نبل رسالته بكل تأكيد.