“المصفوفة”.. جزء رابع يخيب أمل عشاق سينما الخيال العلمي

إبراهيم إمام

من الصعب المبالغة في عرض دور وأهمية سلسلة أفلام “المصفوفة” (The Matrix)، فقد شكلت هذه الثلاثية عالم أفلام الخيال العلمي حتى اللحظة، والإعلان عن جزء رابع للثنائي الذي خفقت قلوب الملايين له من الشباب والمراهقين حول العالم بينما يشاهدون قصتهما؛ كفيل بإعادة هذا القلب المراهق إلى الحياة مرة أخرى، لكن قلبي المرهق لم يعد متفائلا بنفس القدر الذي كان عليه من عشرين عاما، وقد تعلم بعض الحذر أيضا.

الإنتاج السينمائي الأمريكي في السنوات العشر الأخيرة مليء بالحنين إلى الماضي وإعادة تدوير الأفلام والأفكار القديمة، وكتابة مقال عن كيف أن الجزء الرابع أتى مخيبا للآمال سيكون جزءا من هذه الحالة أيضا، إذ تعيد هوليود إنتاج فيلم قديم لأشاهده أنا، وتجمع هوليود المال، بينما أعود لأكتب المقال المكرر كي تقرأه أنت، وأحصل أنا على بعض المال، وتدور عجلة اقتصاد الفن إلى الأبد.

 

في محاولة لكسر هذه الدائرة المفرغة سأقوم بهيكلة هذا المقال بصورة مختلفة بعض الشيء، سأقدم لك عزيزي القارئ تعريفا مختصرا عن أحداث السلسلة وشخصياتها، يمكنك بالطبع تجاوز هذا التعريف إن كنت من متابعي السلسلة، ويلي هذا التعريف حديث سريع ومباشر عن موقع هذا الفيلم الرابع من السلسلة، ولمَ أتى على هذا الحال، وبعد الانتهاء من هذا الجزء نبدأ الحديث المثير، حيث نناقش الفيلم ذاته لا أحداثه، لن نقوم بنقد ما يدور داخل الفيلم، لكن نناقش الفيلم نفسه بوصفة فكرة في إطار عالمنا المعاصر. نناقش الأسئلة التي وعدنا الفيلم بمناقشتها ولم يفِ بوعده، نناقش الحقيقة وماهيتها، ولم يختار البشر الحياة المتخيلة بدلا من الحقيقية؟

السبب بالطبع هو أن الحقيقة مؤلمة، بينما الوهم أكثر راحة وسهولة. أراك تتساءل عزيزي القارئ لم أكشف الإجابة في مقدمة المقال؟ وإجابة هذا السؤال هي التي سأؤجل الكشف عنها حتى النهاية.

“نيو”.. المسيح المخلص للإنسان من سيطرة الآلة

بدأت السلسلة عام 1999 مع نهاية الألفية، وتميزت هذه الفترة بصعود صاروخي للشركات التي تعد بتقديم خدمات أقرب للخيال من الواقع، معتمدة على تكنولوجيا حديثة تسمى الإنترنت، وانتهت هذه الفترة المحدودة بطبيعة الحال بانهيار كبير في عالم الاقتصاد، أدى بمعظم دول العالم إلى مرحلة طويلة من الركود الاقتصادي فيما يسمى بـ”فقاعة الدوت كوم” (Dot Com Bubble). وفي هذا العالم قدم لنا “الأخوان واتشاوسكي” فيلم “المصفوفة”.

الممثل “كاينو ريفز” بدور “نيو” الذي سيقود المجموعة التي تحاول تحرير البشر من الآلات، فهم يرون فيه المُخلّص

 

يقدم الفيلم عالما مستقبليا تسيطر فيه الآلات على العالم، وتستخدم البشر كمصدر للطاقة، تقوم الآلات بوضع البشر تحت سيطرتها باستخدام تكنولوجيا محاكاة، فقد قامت الآلات بتصميم برنامج محاكاة يدعى المصفوفة، ويقوم هذا البرنامج بخداع عقول البشر لجعلهم يتصورون أنهم يعيشون في العالم بصورته الطبيعية الحالية التي نعيشها حتى تظل عقولهم حية، بينما هم في واقع الأمر مسجونون في وحدات تقوم على استخلاص الطاقة من أجسادهم النائمة.

استطاعت مجموعة محدودة من البشر التخلص من وهم هذه المحاكاة ورؤية العالم الحقيقي، ثم بدأت هذه المجموعة تحاول تحرير البشر من الآلات، وينضم لاحقا إلى هذه المجموعة “نيو” الذي يقوم بدوره الممثل “كيانو ريفز”، وتؤمن هذه المجموعة بأن “نيو” هو المخلص الذي سيقودهم إلى النصر والتحرر.

“أسطورة البطل”.. ثورة سينمائية في عالم التقنيات المتطورة

تمضي القصة متتبعة الهيكل المعتاد المعروف بـ”أسطورة البطل”، وتستحضر رموزها من الرموز المسيحية بشكل مباشر، حيث يوازي “نيو” السيد المسيح، بل إنه يمر بذات القصة التي تميز قصته في التراث المسيحي، حيث يموت ثم يعود إلى الحياة، بينما يقع “نيو” في حب فتاة تدعى “ترينيتي”، وذلك في إشارة إلى الثالوث المسيحي المقدس.

لم يكن هيكل القصة ولا الرمزية هي العوامل الأهم في الفيلم، بل الأفكار والتوقعات التي طرحها، حيث تعتمد قصة الفيلم على الاختيار بين حبة دواء زرقاء وأخرى حمراء، تساعد الزرقاء الإنسان على الاستمرار في الوهم الذي يعيشه، بينما تدفعه الحبة الحمراء على رؤية العالم الحقيقي والتخلص من المحاكاة التي أنتجتها الآلات. يختار “نيو” الحبة الحمراء، ويبدأ رحلته مع “ترينيتي” في مواجهة الآلات وتحرير البشر من سجن الوهم.

الاختيار بين حبة الدواء الزرقاء التي تساعد الإنسان على الاستمرار في الوهم الذي يعيشه، بينما تدفعه الحبة الحمراء على رؤية العالم الحقيقي

 

وتأتي أهمية الفيلم في تقديمه تقنيات تصوير متطورة، واستخدام تقنيات المحاكاة الرسومية على مستوى غير مسبوق، بالإضافة للتوقعات التي قدمها عن مستقبل التقنيات الرقمية وقدرتها على إنتاج محاكاة للواقع شديدة الدقة.

تشويش اللعبة على عقل البطل.. هشاشة الجزء الرابع

هناك زاويتان رئيستان يمكننا أن نفهم من خلالهما الأسباب التي جعلت الفيلم الرابع مخيبا للآمال، الأولى الأكثر وضوحا هي زاوية رؤية من داخل الفيلم، وهي ضعف القصة، أما الزاوية الثانية تقع خارج الفيلم وهي ملابسات إنتاجه. نبدأ بالزاوية الثانية، إذ تقدم مبررا للأولى.

يقدم الجزء الرابع “نيو” حيا بعد أن كنا قد ظننا أنه ضحى بحياته ثمنا لاتفاق يمنح الآلات والبشر القدرة على العيش سويا، لكن “نيو” الجزء الرابع مشتت، ويرى أن أحداث الأجزاء الأولى كانت أحداث لعبة فيديو قام بتصميمها بنفسه، لكن عقله أوهمه أنه يعيشها بالفعل.

أدى النجاح الساحق لهذه اللعبة إلى أن طلبت شركة الإنتاج من “نيو” تصميم جزء رابع لها، في إشارة إلى الجزء الرابع من الفيلم نفسه. تقول الإدارة لـ”نيو” إنهم سيقومون بإنتاج جزء رابع للعبة سواء صممه هو نفسه أم لا، في إشارة إلى أن شركة “وارنر بروس” قدمت هذا العرض إلى “لانا واتشاوسكي”، قائلين إنهم سيقومون بإنتاج فيلم رابع، سواء قامت هي بكتابته وإخراجه أم لا.

 

يلي ذلك جلسات العصف الذهني لفريق الإنتاج التي نعلم منها أن الشركة ترى أن الفيلم الأول نجح بسبب ما أسموه بـ”زمن الرصاصة” (Bullet Time)، في إشارة إلى مشهد قام فيه “نيو” بالتحرك لتفادي الرصاصات التي أطلقها عليه غريمه بسرعة تفوق سرعة هذه الرصاصات، بالإضافة إلى المشاهد القتالية بالطبع، إلى آخر هذه الأفكار السطحية.

“زمن الرصاصة”.. سحر بصري فقد جاذبيته

تقدم لنا “لانا واتشاوسكي” ساعة كاملة في بداية الفيلم بوصفها مبررا أو ربما اعتذارا لسوء الفيلم، هكذا نصل إلى الزاوية الثانية وهي ضعف القصة.

كان “زمن الرصاصة” والمشاهد القتالية من عناصر نجاح الجزء الأول بالطبع، ولا يمكن تجاهل هذا أبدا، لكن زمن الرصاصة كان يمثل نقلة نوعية في التصوير وتقنيات المحاكاة ثلاثية الأبعاد، شيء لم نر مثله من قبل، لكنه في حالة الجزء الرابع أصبح مجرد مشهد آخر شاهدنا مثله عشرات المرات، بالإضافة إلى العامل الأهم، وهو أن زمن الرصاصة في الفيلم الأول كان مرتبطا بإدراك “نيو” لأول مرة أن بإمكانه أن يفعل هذا في هذا العالم غير الحقيقي.

كان هذا المشهد هو لحظة إدراك لنا كمشاهدين أننا يمكننا أن ننتج أفلاما كهذه، ولحظة إدراك لـ”نيو”، حيث أصبح واعيا بقدراته في العالم الرقمي، أي أن الصورة المبهرة تضافرت مع القصة ذاتها، ولم يكن من الممكن فصلها عنها. وهو الأمر الذي ينطبق على كل المشاهد القتالية الأخرى التي كان “نيو” يختبر فيها قدراته في العالم الرقمي، على النقيض من هذا كله لم يكن هناك أي دور في قصة الجزء الرابع لكل هذه المشاهد، كانت هذه المشاهد مجرد مشاهد استعراضية دون أي مضمون.

“لانا واتشاوسكي”.. حين اختارت صانعة الفيلم الحبة الزرقاء

لماذا إذا جاء الفيلم بهذا السوء؟

لأن شركة “وارنر بروس” ترغب في دفع المشاهدين المرتبطين بالفيلم إلى الاشتراك في منصة “إتش بي أوه ماكس” (HBO max) التابعة لها، لذا قررت إنتاج فيلم رابع دون أي اهتمام بمضمون الفيلم، ومن ثم وجدت “لانا” نفسها مضطرة إلى العمل على الفيلم. ما الذي يجب أن نشعر به تجاه هذه القصة؟

مخرجة فيلم “المصفوفة” لانا واتشاوسكي التي اختارت الحبة الزرقاء التي تمثل المحاكاة بينما تجاهلت الحقيقة

 

وفقا للعلاقة التعاقدية بيننا كمستهلكين وبين “لانا واتشاوسكي” فالاعتذار أو التبرير الذي يتضمنه الفيلم لا يعني أي شيء، ربما يعني هذا شيئا فيه أمور تراحمية بين الأصدقاء أو أفراد العائلة، لكن في هذه الحالة فرغبة شركة الإنتاج في إنتاج فيلم لا يعني بالضرورة أن يقوم صانع الفيلم بكتابة فيلم ضعيف، لقد اختارت “لانا” تناول الحبة الزرقاء، بينما تجاهلت حقي كمستهلك في الحصول على مقابل ما أدفعه من مال في صورة فيلم قيم.

“المصطنع والاصطناع”.. حين تُهيمن النسخة ويغيب الأصل

في الجزء المؤسس لسلسلة “المصفوفة” نشاهد كتابا في مكتبة “نيو”، وهو كتاب للفيلسوف الفرنسي “جان بودريار” بعنوان “المصطنع والاصطناع” (Simulacra and Simulation). ولم يظهر هذا الكتاب بالصدفة قطعا، بل إن “الأخوان واتشاوسكي” دفعا الممثلين إلى قراءته قبل العمل على الفيلم.

يمكننا تلخيص أفكار “بودريار” عن المحاكاة بكثير من الاختزال بالطبع إلى التالي؛ يرى “بودريار” أن العالم ما بعد الحديث أو العالم المعاصر الذي نعيشه حاليا يتسم بهيمنة النسخة وغياب الأصل، ويرى “بودريار” أن هناك عدة مستويات من المحاكاة، على سبيل المثال يعتبر الإنسان أصلا بينما تعتبر صورته في البطاقة الشخصية محاكاة دقيقة لهذا الأصل، لكن العالم المعاصر لا يتوقف عن الفارق بين الأصل والصورة، بل يمتد ذلك إلى صنع صورة من الصورة، وهو ما يمكن فهمه بالصور التي تنشرها على تطبيقات “إنستغرام” بعد تعديل ألوانها وإضافة الـ”فلاتر” المختلفة.

في هذه الحالة لم تعد صورة الشخص تحيل إليه مباشرة، بل تحيل إلى صورته الأصلية التي تحيل بالتبعية إلى شخصه الحقيقي، وهذا هو المستوى الثالث من المحاكاة بعد الأصل والصورة. لكن العالم المعاصر لا يتوقف عند هذا، بل يستمر في المحاكاة حتى يموت الأصل أو يختفي الفارق بين الأصل والمحاكاة.

تخيل معي عزيزي القارئ الموقف التالي: بعد أن قمت بالتقاط صورتك الشخصية باستخدام الهاتف الذي يحتوي على إعدادات تزيد من وسامتك، ثم قمت بعد ذلك بإضافة “فلتر” إلى الصورة كي تعطي انطباعا بكونك شخصا مرحا، ثم قمت بنشر الصورة، ولسبب ما أعجب أهلك وأصدقائك بهذه الصورة على الرغم من علمهم أنك لست بهذ القدر من المرح ولا الوسامة اللذين يظهران في الصورة، لكن أحد أطفال العائلة الذين لا يعرفونك بشكل شخصي شاهد الصورة، وشعر بالإعجاب تجاه ما تخيله عن شخصك، ثم قام بمحاكاة أسلوبك.

لاحظ عزيزي القارئ أن ما يحاكيه هذا الطفل هو بدوره محاكاة، لكنها في واقع الأمر ليست محاكاة لشخصك، فأنت لا تتسم بهذه الوسامة ولا هذا المرح، المحاكاة في هذه الحالة هي محاكاة للعدم، محاكاة يغيب عنها الأصل تماما. تشاهد هذا في نفسك أيضا، حيث يمكن أن تنتشر هذه الصورة بدرجة كبيرة وتقع أنت شخصيا في غرام شخصك المتخيل، ثم تحاول تغيير أسلوبك كي يصبح مناسبا للصورة، حتى يغيب الفارق بين الصورة والأصل، وتصبح الحياة سلسلة طويلة من محاولات المحاكاة دون وجود أصل حقيقي.

عالم الظلال.. نظرية أفلاطون تخطف مسار السيناريو

من الواضح أن سلسلة أفلام “المصفوفة” حاولت التعبير عن هذه الفكرة واستخدامها في خلق عالم الفيلم الذي يتحرك فيه “نيو” بين الحقيقة والمحاكاة، لكن هذه بالضبط هي مشكلة الفيلم، ففلسفة “بودريار” تعتمد على غياب هذه الثنائية.

يعرض الفيلم “نيو” وهو يختار بين الحبة الزرقاء أو الحمراء، إذ تمثل الزرقاء المحاكاة وتمثل الحمراء الحقيقة، وبينما يتحدث “بودريار” عن غياب القدرة على معرفة الحقيقة، بل وغياب الحقيقة نفسها، فإن الفيلم يقدم فارقا واضحا بين العالمين، وهو في هذه الحالة أقرب إلى قصة الكهف التي يقدمها أفلاطون لنا كتفسير للعالم الذي نعيشه.

رسم توضيحي لمثال الكهف الذي استخدمه أفلاطون لإثبات نظريته الخاصة بعلم الظلال

 

تتحدث القصة عن مجموعة من البشر يعيشون في كهف لا يعلمون ما بخارجه، يسقط الضوء على الأشياء خارج الكهف متسببا في تكوّن ظلال على الحائط داخل الكهف، يظن هؤلاء الأشخاص أن الدجاجة هي شكل أسود على الحائط، وكذلك الكلاب أيضا، شكل أسود على الحائط مختلف عن شكل الدجاجة بطبيعة الحال.

يقول أفلاطون إن هذا العالم المادي الذي نعيش فيه هو عالم الظلال، عالم لا نرى فيه سوى هذه الظلال، لكن هذه الظلال ليست سوى محاكاة للأصل الذي يقع خارج هذا الكهف، ويرى أفلاطون أن عالم الظلال هو عالم سهل مريح يميل إليه البشر، لكن الفيلسوف فقط هو من يستطيع أن يخرج عن هذا العالم المريح ويصل إلى الحقيقة.

هكذا وقع فيلم المصفوفة في هذا الفخ، فقد قدم محاكاة سينمائية لنظرية أفلاطون، بينما كان يسعى إلى محاكاة نظرية “بودريار”.

التكنولوجيا الرقمية.. صورة متفائلة لعالم تقني حر

حاول الأخوان “واتشاوسكي” الاتفاق مع “بودريار” كي يقوم بالإشراف على إنتاج الجزئين التاليين، لكنه رفض، لهذا حاول “واتشاوسكي” تطوير قصة الفيلم في الجزئين التاليين كي تناسب أفكار “بودريار”، لكنهما لم يكونا موفقين في إنتاج أجزاء بنفس القدر من الجودة التي احتوى عليها الجزء الأول، وعلى الرغم من كونهما أضعف نقديا من الأول، فإن السلسلة كثلاثية متكاملة قدمت أرضا خصبة لأفلام الخيال العلمي لسنوات تالية، بل إن كثيرا من المحاولات التي أتت بعدها لم تستطع أن تقدم أفكارا ثورية بنفس القدر الذي قدمته السلسلة.

قدمت الأجزاء الأولى صورة متفائلة بعض الشيء عن التكنولوجيا الرقمية، إذ تصورت العالم الرقمي بوصفه عالما مفتوحا بلا قيود، يستطيع فيه “نيو” الخروج على قوانين الفيزياء واكتساب قدرات خارقة، فالعالم الرقمي المرتقب في زمن الفيلم الأول هو عالم من القدرات المفتوحة التي ستمكننا من الوصول إلى الحقيقة ومكافحة قوى الدكتاتورية، وهي نفس الأفكار التي دارت في عقول كثيرين إبان مرحلة ثورات الربيع العربي، وهي الفكرة التي أصبحنا نعلم جميعا أنها فكرة ساذجة، وأن العالم الرقمي ليس عالما حرا، بل هو عالم يحكمه عدد محدود من الشركات العملاقة، مثل “جوجل” و”ميتا” و”أمازون”، وليس ببعيد منا أخبار مساهمة شركة “ميتا” المالكة لموقع فيسبوك في تأجيج الاضطهاد العرقي الذي يعاني منه أبناء دولة ميانمار من المسلمين.

لقد أصبحت الفكرة التي بنيت عليها الأجزاء الأولى من سلسلة “المصفوفة” فكرة قديمة جرى تجاوزها، لكن من الطريف أن الجزء الرابع قدّم العالم الرقمي بوصفه عالما من الحرية والقدرات المفتوحة، وهو ما يجعل الفيلم وفقا لـ”بورديار” محاكاة من المستوى الرابع. فالفيلم يقدم محاكاة جديدة للفيلم القديم الذي قدم محاكاة سينمائية لفكرة لم تعد موجودة. الفيلم الرابع من أفلام المصفوفة هو محاكاة دون أصل.

سلعة الفن.. إبداع تحت مقصلة النجاح المادي

إذا كنت قد وصلت إلى هذا الجزء من المقال فهذا قد يعني أنك ما زلت تذكر أنني وعدتك بالإجابة عن سؤال لماذا أفصح عن الإجابة قبل البدء في المقال؟

والإجابة هي أن الفيلسوف الألماني “تيودور أدورنو” يرى أنه في هذا العالم يجري اختزال الإنتاج الثقافي والفني في صورة سلعة، ما يعنيه هذا هو أننا لا يمكننا أن نختبر حالات إبداع جذري حقيقي، لأننا دائما تحت ضغط النجاح المادي لهذه السلعة.

وكنتيجة لذلك يجب أن لا تخرج الأعمال الفنية والثقافية عن أنماط معينة توافق التوقعات، حتى تضمن حدا أدنى من النجاح. وهذا السؤال مهمته هو استكمال المحاكاة، حيث كان هيكل هذا المقال محاكاة للهيكل المفترض والمتوقع للمقالات، تتكون المقالات من مقدمة وجسد وخاتمة، ومن المهم أن تكون المقدمة مشوقة كي تدفعك إلى استكمال قراءة المقال، لكن التشويق ليس من الأمور التي تجد طريقها إلي بسهولة، إذ أميل أكثر إلى التحليل، لهذا السبب تميل كتاباتي وحتى تصميماتي في عملي الأصلي كمصمم معماري إلى الجمود بعض الشيء، ربما تنطوي على أفكار جيدة وربما عميقة، لكن الإثارة والتشويق ليسا أهم ما يميزها بالتأكيد.

وانطلاقا من ذلك كان من المهم أن أقدم تحليلي للفيلم الرابع من المصفوفة داخل محاكاة لهيكل مقال يتضمن وعدا بنهاية شيقة.