“أبطال الطبقة العاملة”.. أفعى الرأسمالية تلتهم حقوق العمال في صربيا

يقترح المخرج الصربي “ميلوش بوشيك” في فيلمه الروائي الطويل “أبطال الطبقة العاملة” (Working Class Heroes) قراءة معمقة في أحوال بلده، والتغيرات الحاصلة في بنيته الاجتماعية عقب انتقاله إلى النمط الرأسمالي، وما يرافقه من تشوهات أخلاقية عبر نص سينمائي حاد النبرة، كاشفا لفساد هيكلي وانحطاط أخلاقي، يُعبِر عنه من خلال رسمه لشخصيات تعمل على استغلال مواقعها وعلاقاتها بالمؤسسات الحكومية المتواطئة معها، والمتسترة على مشاريعها المقامة على مساحات وهياكل بناء تركها النظام السابق نهبا لأصحاب المصالح الجدد الذين لا يكتفون بممارسة كل أشكال الخداع، واستغلال جهد الطبقة العاملة الصربية فحسب، بل ويقدمون على القتل إذا ما تهددت مصالحهم، أو انكشفت حقيقة مشاريعهم الغامضة.

 

“ميكي”.. رجل أعمال فاسد ذو علاقات حكومية

الإحاطة بعالم الفساد المستشري في صربيا، وبشكل خاص في حقل البناء والإعمار؛ يأتي عبر قصة مستمدة من الواقع -كما صرح مخرج الفيلم في مقابلات صحفية كثيرة- أبطالها عمال بناء يعملون ضمن مشروع إقامة مجمع سكني كبير يديره رجل أعمال فاسد يدعى “ميكي” (الممثل ألكسندر جوريكا)، ويستغل موقع بناء مهمل يبدو أن النظام الاشتراكي السابق قد تركه في مراحله الأولى من دون أن يكمله.

من خلال علاقاته بالمؤسسات الحكومية تمكن من أخذه، وراح يقيم عليه مشروعا جديدا في مدينة نوفي ساد الصربية. يدعي أمام وسائل الإعلام المحلية بأنه سيكون مطابقا لمواصفات واشتراطات الوحدة الأوروبية، وأنه سيسهم في تنشيط حركة الإعمار في البلد.

من بين أبرز مساعديه على إنجاز مشاريعه وإحاطتها بهالة من الشرعية امرأة اسمها “ليديا” (الممثلة ياسنا ديوريسيتش) التي أدت دور الأم في الفيلم البوسني الرائع “إلى أين تذهبين يا عايدة؟” (?Quo vadis, Aida)، ونالت عليه عددا من الجوائز السينمائية المهمة.

موقع العمل بتقلباته وصراعاته يعكس واقع صربيا اليوم

تمثل “ليديا” في الفيلم دور امرأة قاسية القلب تعمل رسميا بصفة “المسؤول الإعلامي” للشركة، لكن مهمتها الحقيقية هي التغطية على تلاعبات صاحب مشاريع البناء والتستر على خروقاته القانونية، وبشكل خاص تعيينه عمال بناء من دون عقود عمل وبلا حماية نقابية.

“ليديا”.. وسيطة الشيطان الداهية إلى العمال

للإحاطة بطبيعة شخصية “ليديا” ودورها كوسيط فاسد، تأخذ مشاهد سريعة على عاتقها تجسيدها بدقة، ففي مشهد تمهيدي تظهر فيه أمام باب شقة سكنية بصحبة رجال شرطة يجبرون العائلة المؤجرة لها على تركها، لأن صاحب الشركة يريد استبدال كل مؤجريها الفقراء بآخرين قادرين على دفع أجور شهرية أعلى منهم. لم تزعزع توسلات العائلة موقفها، ولم تحرك صرخاتهم أي مشاعر إنسانية داخلها.

يلي هذا مشهد ثانٍ تظهر فيه وهي تدفع رشاوي مالية لموظف حكومي يسهل معاملة لها، وفي آخر وهي تسهر في شقة صاحب الشركة الذي يقيم معها علاقة جنسية، ويغدق عليها وعودا بأن نصيبها من المشاريع القادمة سيكون كبيرا.

يمهد بناء الشخصية لفهم دورها اللاحق في المشروع السكني الجديد الذي يأخذ أكبر مساحة من مسار فيلم يجعل من موقعه كناية عن واقع صربيا اليوم، وحال طبقتها العاملة المستلبة حقوقها، والمعرضة لاستغلال بشع من قبل رأسماليين فاسدين يحظون برعاية رجال الدولة ومباركة مؤسساتها الدينية.

ليديا الوسيط الفاسد التي تعيث فسادا في المقرات الحكومية بالرشاوي

 

يظهر هذا في حفل الإعلان عن بدء العمل في المشروع الذي يباركه قس من الكنيسة، ويحضره رجال أعمال وسياسيون يظهرون أمام وسائل الإعلام وكأنهم بناة المجتمع الصربي الجديد. تلك الصورة لا تخلو من سخرية معبر عنها بموسيقى مصاحبة للحفل تصدح بأناشيد قديمة تبجل دور الطبقة العاملة، أناشيد تُذكّر بنظام سابق لم يُبقِ منه أصحاب المصالح الجدد إلا بضع شعارات فضفاضة وأناشيد جوفاء لم يعد لها الكثير من المعنى في ظل فساد مستشرٍ، واستغلال جشع للطبقة العاملة وكل مؤسسات الدولة.

“المُعلم”.. ممثل العمال الطيب في وجه العاصفة

تشغل الأحداث الجارية في موقع العمل الحيز الأكبر من زمن الفيلم، وتبرز خلالها الصراعات الطبقية، وأيضا يظهر حجم الاستهتار بأرواح العمال الذين تجبرهم الظروف للقبول بشروط عمل مجحفة تعرض حياتهم للخطر، إلى جانب فقدانهم لأي ضمانات نقابية.

إلى جانب وسيطة الفساد “ليديا” يظهر “المُعلم” (الممثل بوريس إيساكوفيتش)، ولخبرته في مجال عمله ولعلاقاته الطيبة مع بقية العمال يصبح ممثلا لهم أمام مراقب العمل السيئ الطباع “براكو” (الممثل بريدراغ مومسيلوفيتش) الذي ينفذ تعليمات مرؤوسيه، ويتصل بـ”ليديا” كلما احتاج إلى تدخلاتها للتستر على واقعة ما تحدث في الموقع، ولا يستطيع حسمها بنفسه.

لإكمال أي جزء من بناء المشروع يكون على “المُعلم” التفاوض مع رئيس العمال على صفقة آنية، يحصل بموجبها على وعد بدفع أجور العمال مقابل إنجازها. تجلي المفاوضات حقيقة أن العمال لم يستلموا أجورهم منذ شهور، مما ينسحب سلبا على حياتهم وعلى معيشة عوائلهم.

قطع الأصابع.. حيلة مؤلمة للفت انتباه الصحافة قبل الافتتاح

تحيل حالة القلق والإقامة الدائمة في الموقع حياة العمال إلى بؤس، ويظهر ذلك في إفراطهم شرب الكحول، وتعرضهم بسببها لحوادث خطيرة، أما أوقات فراغهم فيقضونها في بيئة غير صحية خالية من متع تدفع بعضهم لإحداث أضرار جسمانية متعمدة بأنفسهم من أجل لفت الانتباه إليهم وإلى مطالبهم التي غالبا ما يسفهها أصحاب العمل ويجري تأجيلها.

 

في مشهد مؤثر يقدم عامل عجوز على قطع أحد أصابع يديه قبل افتتاح المشروع احتجاجا على الأوضاع التي يعيشونها، وأيضا ليُلفت بفعلته المؤلمة انتباه وسائل الإعلام إلى ما يجري فعلا داخل مشروع بناء كل تفاصيل إقامته تشي بخداع العاملين فيه، واستغلال أصحابه لمؤسسات حكومية يتستر كبار موظفيها على عيوبه التي يعرفونها جيدا، كما يعرفها العمال أنفسهم، وبسببها يتعرضون لحوادث خطيرة. حوادث تعمل “ليديا” على اعتبارها خارج نطاق العمل، وتدعي على الدوام بأنها جراء إفراط العمال في تناول المشروبات الكحولية.

من داخل ذلك الجو الخانق في موقع العمل تظهر قصة رومانسية بطلها العامل اليافع “ميلي” (الممثل ستيفان بيرونا) الذي يقع في حب مطربة شعبية شابة أحيت لهم ذات يوم حفلة بسيطة داخل المبنى.

دوي السقوط على الأرض.. قصة رومانسية تنتهي بفاجعة

يبارك “المُعلم” -الذي يعامل الشاب العاشق كأب له- وبقية العمال العلاقة الإنسانية، ويحيطونها بالتشجيع والرعاية، لكن مآلاتها الموعودة لن تدوم، والسبب مقتل الشاب على يد صاحب المشروع.

تُصعد حادثة سقوطه من علو التوتر الدرامي، وتمهد لانتقام العمال من مستغليهم. كان الشاب على موعد مع صديقته، وقبل الذهاب إليه وحتى يحصل على جزء من أجره لينفقه على رحلة بالقطار إلى العاصمة؛ خطط لها مع صديقته المغنية، يقبل بإنجاز عمل لا يخلو من خطورة. يسمع مراقب العمل دوي سقوط الشاب على الأرض، وحتى لا يتعرض للمساءلة بسبب الحادث، يعمل على إبقائه في مكانه نازفا.

رجل أعمال فاسد لا يتردد في قتل عمال أبرياء واضطهاد حقوقهم

إكمالا لنذالته يأخذ بوضع قناني مشروبات كحولية فارغة إلى جانب جسده المرمي على الأرض، ثم يتصل بـ”ليديا” التي تحضر إلى المكان لتمنع الإعلان عنه للجهات الصحية، لكن بسبب تهديدات “المُعلم” بتحميلها مسؤولية ما سيحدث للمصاب تضطر لطلب سيارة إسعاف. ليست تهديداته هي وحدها ما دفعها لطلب المساعدة، بل لأنها اكتشفت أكاذيب وعود عشيقها لها، ومعاملته لها كمومس رخيصة لا يتردد في عرضها على أصحابه.

رصاصة في موقع الجريمة.. مصرع القاتل

التصعيد الحاصل يمهد لمشهد تراجيدي مؤلم يجسد اللحظة التي وصل فيها صاحب المشروع بنفسه لموقع العمل حرصا على منع نقل المصاب إلى المشفى. إصرار رفاقه على نقل المريض للمشفى يقابله رد فعل إجرامي يقوم به “ميكي”، وذلك عندما يشهر مسدسه، ويطلق النار منه على العامل المصاب، ليرديه قتيلا.

هذا الفعل الإجرامي المُنفذ بدم بارد يقابله فعل آخر كان على المشاهد انتظار نتائجه قليلا ريثما يحل زمن الاحتفال الرسمي بافتتاح المشروع، وخلاله ينضج تحالف جديد بين “ليديا” و”المُعلم” وبقية رفاقه.

يخطف العامل دقائق راحة معدودة للاستراحة ولو بوسائل بدائية

في اللحظة التي يهم بها القاتل للخروج من الموقع بسيارته تومئ الوسيطة لسائق الرافعة لتنفيذ ما اتفقا عليه، فيقوم بإسقاط كتلة خرسانية ثقيلة فوق سيارته، وتسجيل واقعة موته فيها كحادث عمل عرضي، كما ظل على الدوام يدعي هو ومساعدوه عند حدوث كل فاجعة تصيب عاملا داخل الموقع.

قلق الكاميرا المحمولة.. روائي بروح وثائقية

الاشتغال السينمائي للفيلم لافت في جودته، وبشكل خاص تصوير “ألكسندر رمضانوفيتش” المعتمد كثيرا على كاميرا محمولة تهتز طيلة وقت تصوير المشاهد المتوترة داخل موقع البناء.

هذا النوع من التصوير يرضي طموح مخرج يريد لفيلمه أن يكون قريبا من الواقع، ولا بأس من أن تكون روحه وثائقية، وحتى ممثلوه ليس بالضرورة أن يكونوا كلهم محترفين، لهذا أعطى لبعض العمال الحقيقيين أدوارا نجحوا في تجسيدها بعفوية مقاربة لعفويتهم ومعبرة عن شخصياتهم التي تعكس شخصيات واقعية تعاني من ظروف عمل سيئة، يتعرضون خلالها لحوادث عمل غير معلن عنها.

كما أكد المخرج بنفسه في مقابلات صحفية أن المحفز لإنجازه هذا الفيلم هو كثرة الحوادث التي يسمع عنها، ولم تسجل كحوادث عمل حتى لا يدفع أصحاب العمل تعويضات للمتضررين بسببها.