“توطين أم هجرة؟”.. شتات المبدع الإيراني بين هوى الوطن وسحر الاغتراب

“صفقة عظيمة بالنسبة للمرأة، فجأة يتبدل العالم، فالحرية والثقافة وقوة الحكومة تضمن لها موقعها في المجتمع، ستجد وظيفة لنفسها بسهولة، مما يُقوِّض العلاقة التقليدية التي كانت مُشيدة بينها وبين الرجل في إيران. هذا حدث لي، لقد انفصلنا، في الحقيقة علاقتنا الزوجية دُمرت لأنني نشأت في مجتمع لا يعرف كيف يحترم المرأة، لكن إذا التقيت بامرأة منذ البداية هنا في فرنسا فستكون قصة مختلفة تماما عن ما إذا كنت قد التقيت بها في إيران وجئتما سويا إلى هنا، إنهما تجربتان مختلفتان تماما. هنا نتصرف كما يفعل المجتمع بشكل تلقائي، وهنا نتعلم ذلك”.

هذا اعتراف أحد أبطال الفيلم الوثائقي “توطين أم هجرة؟” (Placement or Displacement) للمخرجة الإيرانية “باريسا جورجن”، وهو من إنتاج عام 2021، وتبلغ مدته 67 دقيقة، ويُوثق شهادات حيَّة للشتات الإيراني الذي شهد تدفقا للمهاجرين إلى بلدان في جميع أنحاء العالم، إذ واصل بعضهم بناء حياة جديدة، بينما عاد البعض الآخر، لكنهم جميعا يتشاركون في شوق وحنين لبلدهم يصعب تفسيره رغم القهر الذي لاقوه هناك.

 

هجرات المخرجة.. حياة متذبذبة بين مغناطيس الوطن والمنفى

تبدأ المخرجة من منظور شخصي، فتستعرض الهجرات المتعددة التي قامت بها أسرتها بين الخروج من إيران إلى لندن، والعودة إليها قبل الخروج منها مجددا، لقد عاشت الأسرة في لندن أثناء فترة حمل الأم، وقرر الأب العودة إلى إيران لتولد طفلته وتنشأ هناك.

كان ذلك عام 1978، وعندما اندلعت الثورة الإيرانية شعر الأب بالاختناق جراء ضعف المردود من وظيفته، ومن المضايقات حوله، فبدأت رحلة الهجرة والعودة إلى لندن، وقد وجد وظيفة هناك وامتلك بيتا وعاشت العائلة أياما سعيدة، لكن فجأة وفي السنة التاسعة من عمر الطفلة قرر والدها مرة أخرى أن يبيع كل شيء ويعود إلى إيران.

لم تستطع “باريسا” فهم أو استيعاب قرار الأب، فقد ظل أمرا غامضا يطاردها لسنوات، لكنها لم تنس المشاجرات والمناقشات المحتدمة بين والديها عقب اتخاذ القرار، وعندما سألت أمها فيما بعد أخبرتها عن تبدل الأيام والأمور والحب، من دون أن تقدم إجابة شافية محددة، وفي مرحلة تالية من حياتها أتيحت أمام “باريسا” فرصة أخرى للهجرة مع عمها الذي قرر أن يهاجر بعائلته، وقد استقروا في بلجيكا، لكن إصابة والدها بأزمة قلبية منعتها من تنفيذ القرار.

صناع الفنون الجميلة.. مبدعو إيران تسرقهم خطاطيف الغربة

يُنقب الفيلم ويتأمل تجارب الآخرين على تنوع خبراتهم بين الهجرة الإجبارية نتيجة ضغوط المجتمع والعوامل الاقتصادية أو الأمنية أو حتى المكانة الاجتماعية، وبين تلك الهجرة الاختيارية الطواعية، وحتى من قرروا أن يضعوا حدا لاغترابهم بأن يعود إلى وطنهم، سواء عبر الصدفة القدرية أو باختيارهم.

أغلب الشخصيات من أهل الفن والموسيقى وتصميم المناظر السينمائية أو الإخراج أو التصوير أو هندسة الصوت، لكنهم لم يجدوا فرصة لممارسة مهنتهم، فعملوا في مجال الطب والموجات الصوتية، وإن كان أغلبهم عمل في المجال الذي اختاره وحقق نجاحا ومكانة جيدة، وإن اختلفت ردود فعلهم فيما يخص رغبتهم في العودة إلى إيران، فبعضهم اعتبر محل إقامته الحالي بفرنسا هو وطنه، وإن كان لا ينفي جذوره الإيرانية، والبعض الآخر تمنى لو كان باستطاعته أن يعيش في إيران ويسافر فقط لإحياء الحفلات والمناسبات الفنية والثقافية.

حوارات الضيوف.. بحث عن الذات في حكايات الاخرين

رغم أن هذا الفيلم يعتمد على الحوارات المطولة، وكأنه يقترب أكثر إلى عالم التقرير أو الفيلم التلفزيوني، فإن ما يميزه حقيقة هو مضمونه، فتعدد الشخصيات التي تحكي تجاربها ضمن هذا الوثائقي يمنح العمل مزيدا من الثراء والعمق، كما لو كان دراسة أنثروبولوجية للمهاجرين الإيرانيين.

إحدى بطلات الفيلم تحكي عن قصتها بوجه مخفي

ومع ذلك يبدو وكأن المخرجة كانت تبحث عن نفسها بين هؤلاء البشر، بحثا عن إجابة لأسئلتها الحائرة؛ هل كان قراراها بعدم الهجرة صائبا؟ هل فعلا كان بسبب الأزمة الصحية لوالدها، أم أن المرض كان تكئة علقت عليه قرار الانسحاب؟ وكأنها عندما تسأل الآخرين عن مكاسبهم وخسائرهم تريد أن تعرف هل هي التي خسرت عندما رفضت الهجرة، وما الذي خسرته، وما الذي كان من المحتمل أن تكسبه لو كانت أحرقت كل أشرعتها في إيران وهاجرت مع عمها وعائلته؟ هل كان من المحتمل أن تصبح المخرجة التي أصبحتها الآن، أم ماذا سيكون مصيرها؟

كل تلك التساؤلات سنجدها حاضرة دوما بين السطور، وهي تتعمق في تجارب ضيوفها المتنوعين، سواء داخل إيران أو خارجها، ومنهم الذين تركوا إيران وشعروا بالندم فعادوا إليها، خصوصا في أعقاب اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979.

أثناء ذلك يحكي كل منهم عن عمله الحالي، ومنه يتطرق للحديث عن عائلته، ومنه نتعرف على محطات من تاريخ إيران وشعورهم الدفين حيال الهجرة.

رغبة الانتماء.. حنين الموطن أقوى من جنة الغربة

تبدأ المخرجة مع الشخصيات التي اختارت البقاء منقبة في الأعماق الدفينة عن سر العودة، ومن بين هؤلاء ثنائي من الأزواج، أبرزهم امرأة عملت في المحاماة، وكانت ناجحة في إيران، لكن عندما سافرت إلى أمريكا اكتشفت أنها لا تساوي شيئا هناك وكأنها نكرة، كاشفة بحديثها عن أهمية الأثر النفسي المتحقق نتيجة الرضا بالوضع والمكانة الاجتماعية، وهذا كان أمرا جوهريا جعلها تتفق هي وزوجها مدير التصوير أن يعودا إلى بلدهم.

ملصق الفيلم المخصص للمشاركة في مهرجان زيوريخ للسينما الإيرانية

أما الثنائي الآخر فأحدهما فنان مسرحي سعيد ببقائه في إيران، وسعيد بأن لديه خبرة وتجارب يريد أن يقدمها لأبناء وبنات بلده، متحدثا عن الجذور وضرورة عدم الانفصال عنها، ومؤكدا على شيء لاحظه في الهجرات التي حدثت على مدار الـ15 عاما الماضية، وهو الانفصال عن الجذور، بل وإنكارها بدلا من العودة لإفادة البلد بالتجارب والخبرات المكتسبة أثناء سنوات الهجرة.

وأما زوجته مصممة المناظر والديكور فقد عادت لتقضي بعض الوقت في إيران، فرُشحت لعمل سينمائي، ومنه رشحت لعمل آخر وثالث، فبقيت لأجل العمل الذي نجحت في إنجازه وصنع لها اسما لامعا.

وارث الفلوت.. هجرة تحت سياط التنمر والرقابة

من الشخصيات التي لا تزال مهاجرة أو توطنت ثلاثة من الموسيقيين المحترفين الناجحين، من أبرز حكاياتهم قصة ذلك الموسيقار الذي أُرغم على الهجرة بسبب المضايقات المجتمعية والأمنية، وعدم احترام المجتمع لعازف الفلوت، بينما تتبدل النظرة إذا أمسك نفس العازف بآلة الطبلة، فقد ولد في عائلة غير فنية، لكن والده كان يعزف على الفلوت في طقوس الحداد، وتعلم هذا الموسيقي منذ صباه العزف على الفلوت تأثرا بوالده، لكنه في شبابه انجذب لآلة الطبلة.

هنا تنمر المجتمع عليه، وصار يسخر من والده، فبدأت إشكالية في أعماق هذا المبدع الذي كان يتمنى أن يجعل والده فخورا به، ولا يسبب له ألما أو جرحا، ثم جاء الحل الإجباري عندما ظهر بفيلم فرنسي أذيع عدة مرات وأغضب السلطات الإيرانية عليه، فمنعوه من ممارسه شغفه، حتى أن الرقابة أوقفت له حفلا بعد أن دخل الجمهور إلى قاعة المسرح، ورغم أنه أخذ يرجو المسؤولين بأن يكون هذا حفل الوداع، فقد كان ذلك دون فائدة، وخرج فريقه الموسيقي إلى خشبة المسرح بدون آلاتهم الموسيقية ليعتذروا للجمهور.

غربة الجيل الأول.. عذاب نفسي في سبيل فلذات الأكباد

من كندا تنقل إلينا المخرجة مشاعر وحكاية أحد مهندسي الصوت السينمائي، فقد اتخذ فجأة قرار الهجرة عندما أنجب طفلته الأولى، بعد أن أصابه حظ اليانصيب، لكنه في كندا لم يجد فرصة للعمل فيما يُحب، فاضطر أن يصبح أخصائي علاج طبيعي حتى يستطيع كسب قوت يومه ويوفر حياة كريمة لعائلته.

مخرجة الفيلم الإيرانية باريسا جورجين

كان مهندس الصوت طوال لقائه بالفيلم يتحدث عن عدم الرضا النفسي، وعدم الشعور بالاندماج في المجتمع الجديد، وعدم وجود أصدقاء، وبأنه لو أُعيد الزمن للوراء لاختار أن يظل في بلده، مع ذلك يتحدث عن المزايا التي حظيت بها ابنته بوجودها في هذا المجتمع المتعدد الثقافات، عن تمتعها بالحرية ونيل فرصة التعليم كما تريد، والمساواة مع الرجل، وهي أمور لم تكن لتحظى بها لو نشأت في إيران.

مثلما استهلت المخرجة فيلمها من منظور شخصي -بالحديث عن نفسها وتجربة والديها- تعود لتختتم فيلمها الوثائقي بلقطات مغمورة بالبوح من أفراد عائلة عمها المهندس الميكانيكي الذي هاجر إلى هولندا ومنها إلى بلجيكا، لتُؤكد لنا الجانب السابق بالغ التأثير والأهمية، وهي أن هذه الهجرة وإن كانت فرصة كبيرة وثمينة للأجيال الثانية فإن الجيل الأول -أو الأكبر- أغلبهم يُعاني شعورا جارفا بالاغتراب والحنين للوطن، وافتقاد تكوين علاقات صداقة جديدة.

إنها معضلة أبدية أن يُضحي الوالدان بسعادتهما، لأجل توفير فرص لمستقبل أفضل لفلذات الأكباد.