اغتيال في سلوفاكيا.. الصحافة تحت خطر تهديد السلطة

عثر على جسد القتيلين بعد الاغتيال بأربعة أيام، لقد كان الصحفي “يان كوشياك” منكفئا على وجهه في وضع السجود، وآثار ثقب عيار ناري في صدره، بينما عُثر على جثمان خطيبته في المطبخ، حيث كانت ترقد ورأسها غارقة في بحيرة من الدماء.

قبل اغتياله كان الصحفي “يان كوشياك” قد كتب عدة تحقيقات استقصائية عن فساد رجال السلطة في سلوفاكيا، وكانت أصابع الاتهام تُشير إلى رئيس الشرطة وأولاده وبعض أقاربه، كما تضمن تحقيقا موسعا عن أحد أبرز رجال المافيا “ماريان كوشنير” الذي ظهر فجأة على الساحة السياسية، متناولا ملف احتياله الضريبي وشبهات حول غسيل الأموال.

إثر تلك التحقيقات المتواصلة الكاشفة للفساد تلقى “كوشياك” عدة تهديدات من رجل المافيا “كوشنير”، وقد استُعين بها صوتيا وبصريا ضمن الفيلم الوثائقي الاستقصائي “القتل لصحفي” (The Killing Of A Journalist)، وهو من إنتاج مشترك بين الدانمارك والولايات المتحدة وجمهورية التشيك، وأخرجه الأمريكي “مات سارنيكي”، وتبلغ مدته ساعة و42 دقيقة، وعُرض ضمن قسم آفاق بمهرجان كارلوفي فاري في دورته الـ56 التي عقدت في يوليو/تموز عام 2022.

في الخامس من مايو/أيار عام 2018 كان من المفترض أن يعقد “يان” وخطيبته قرانهما ويحتفلا بالزفاف، إلا أن الأهل كانوا مشغولين بكثير من الأشياء اللازمة لحفل الزفاف، وعوضا عن ذلك قاموا بإجراءات دفنهما. هكذا يتحدث والد وأصدقاء “يان كوتشياك” الصحفي الذي قتلته دولة المافيا في سلوفاكيا في فبراير/شباط عام 2018، وبسببه تفجرت أقوى حركة احتجاجات في البلاد بعد سقوط الشيوعية هناك.

اغتيال الصحفي “يان”.. ومؤتمر رئيس الشرطة

بعد عملية الاغتيال الفظيعة للصحفي “يان” وخطيبته والتنديد الصحفي بذلك، عقد رئيس الشرطة مؤتمرا صحفيا، فوقف بوجه الحمل البريء، وكان الحزن الشديد يغطي ملامحه، ثم بدأ يقدم تعازيه لأهالي الضحايا وللمجتمع الصحفي، مُؤكدا على حزنه وعلى إدانته للجريمة.

لكن عندما فُتح المجال أمام طرح الأسئلة تكشّف الوجه القمعي الناعم لرئيس الشرطة، وكانت ردوده المراوغة تشي بأن رجاله متورطون في تلك الجريمة، فقد رفض مناقشة أي حجج أو وقائع يسردها الصحفيون الغاضبون، ويختتمها أحد الصحفيون قائلا: سيدي الوزير نحن لا نثق فيك، هذا الأمر نفسه لم يحدث في التسعينيات رغم أنه كان هناك محاولات لتخويف الصحفيين، وكان هناك تخريب وعنف جسدي، فهل على الصحفيين أن يخشوا من عودة التسعينيات في نسخة أسوأ؟

صحفية استقصائىة زميلة الصحيفي “يان” حيث عملا على ملفات الفساد بين رئيس الوزراء ورجال المافيا الإيطالية

رغم تأكيدات رئيس الشرطة بأنهم لا يعيشون في دولة المافيا، فإن تفاصيل السرد الاستقصائي طوال الفيلم تُؤكد -بشكل موَّثق مثير للفزع- أنها بالفعل كانت دولة المافيا، لا يتضح ذلك فقط من خلال الأطراف المعارضة التي تكشف بعض الحقائق، لكن ما هو أخطر يتكشف حينما يدب النزاع بين حلفاء ومدبري تلك الجريمة.

كبش الفداء.. تساقط أوراق التوت يكشف عورة السلطة في سلوفاكيا

في أعقاب الاحتجاجات المتزايدة شعر رئيس الدولة بالخطر، وحاول إقناع رئيس الشرطة ووزير الداخلية بالاستقالة لتهدئة الوضع العام، وبدأت أوراق التوت تسقط تباعا لتكشف عن عوراتهم، إذ بدأوا يكشفون بعضهم.

فرغم أن وزير الداخلية رفض الاستقالة في البداية ورصد مليون يورو لمن يكشف دليل إدانة واحد أو ينجح في حل هذا اللغز، فحينما تزايد الخناق والحصار من حوله فجر -هو نفسه- تفاصيل حول لقاء كان قد وقع بين رئيس الدولة وبين إحدى الشخصيات الإجرامية المُعادية لدولة سلوفاكيا، مقدما تفاصيل دقيقة عن اللقاء الذي وقع في أمريكا قبيل مقتل الصحفي “يان”.

جرت تسوية الأمر مع وزير الداخلية الذي رضخ لتقديم استقالته، ثم جاء الدور على رئيس الشرطة الذي قاوم مؤكدا بأنه لن يستقيل، لكنه بعد أقل من ثلاث ساعات فقط قدم استقالته أيضا، وكأن هناك تسويات ومؤامرات تدبر خلف الستار، لأجل تهدئة الناس الغاضبة في الشوارع، ولإعطاء الانطباع بأنهم سيطيحون برموز الفساد، ولأجل استعادة ثقة الشارع.

الاغتيالات.. وأكذوبة الدولة الديمقراطية الحديثة

الحقيقة أن أحداث الفيلم وأسلوب السرد أشبه بالخط البياني للقلب في حالة ممارسة النشاط الرياضي، لا يكف عن النبض بقوة، فأحداث الفيلم تتطور باستمرار بشكل متلاهث في بناء درامي شديد التماسك، يروح ويجيء بين عدد من الشخصيات، مثلما يراوح بين لقطات الماضي والحاضر والمستقبل.

وزير الداخلية وهو يرصد مكافأة مليون يورور لمن يعثر على دليل إدانة ضد الحكومة في عملية اغتيال الصحفي “يان”

يتضمن الفيلم لقاءات مع العائلة لتحكي تفاصيل إنسانية مؤلمة عن “يان” وخطيبته وشخصيتها واستعدادهما لحياتهما المستقبلية، وإصرارهما على لعب دور إيجابي في بناء مجتمعهما. مثلما يمزج السرد بين الخاص والعام كاشفا التحول السريع في سلوفاكيا عقب الانخراط مع أوروبا نهاية التسعينيات، إذ بدت وكأنها قد صارت دولة أكثر تقدما، منخرطة في الطريق إلى الحداثة وإعادة بناء المجتمع.

لكن المشكلة أنه خلف الستار كان هناك كثير من الأشياء القذرة التي تحدث وفق تصريح الصحفيين الذين يشيرون إلى تفجر الأمور عام 2006، فقد جرى تجميل النظام السياسي بأكذوبة تعدد الأحزاب السياسية التي كانت أشبه بالعرائس المتحركة، لخلق الوهم بأن هناك ممارسات ديمقراطية تعم أرجاء البلاد، وظهرت على السطح شخصيات لم يكن لها وجود في عالم السياسة، بل كانوا في الأساس من رجال المافيا الذين أصبحوا يرتدون ملابس أنيقة بشكل جيد، ويستخدمون الشوكة والسكين مثل الناس المتحضرة، بينما كانوا يضخون الأموال القذرة في تمويل المرشحين السياسيين.

عندما اغتيل الصحفي “يان” وخطيبته أدرك زملاؤه أن الفساد كان بلا نهاية أو حدود، وتعترف زميلته بأنه كان يجب عليها هي والزملاء أن يفعلوا المزيد لأجل حمايته، وأن لا يكتفوا بالسخرية من تهديدات القتل التي لاحقته، إذ كانوا يرون أنها مجرد تهديدات ليتوقف عما يفعله، مشيرة إلى أن آخر عمل اشتركت فيه مع “يان” عندما كان يعملان على تحقيق استقصائي يكشف العلاقة التي تربط رئيس الوزراء بأكبر رجال المافيا الإيطالية.

“ماريان كوشنير”.. حاكم البلاد الفعلي يوجه رجال الشرطة

فجأة تتخذ قضية اغتيال “يان” وخطيبته منعطفا غير متوقع، ربما بسبب الانتخابات والمنافسات السياسية والخوف من إتلاف أدلة الإدانة، إذ قام مصدر مجهول بتسريب ملف قضية الشرطة، ليكشف عن تلك الشبكة التي تربط المجموعة الفاسدة من القضاة ومسؤولي القانون بأحد أبرز رجال المافيا، مما سمح باستكشاف الأحداث والملابسات المحيطة بالقتل الوحشي للصحفي الاستقصائي السلوفاكي “يان كوتشياك” وخطيبته “مارتينا” في منزلهما بأسلوب المافيا، وكأنهما ينفذ حكم الإعدام فيهما.

تكشف التفاصيل البصرية المستمدة من كاميرات مختلفة للمراقبة كيف كانا يراقبان لعدة شهور لمعرفة أدق تفاصيل حياتهما والممارسات اليومية لهما، وصولا لاتفاقات القتل التي تورطت فيها خمس شخصيات، القاتل ومساعده، وهما من رجال الشرطة، والشخص الوسيط بين القتلة وبين “ماريان كوشنير”، ومساعدته المرأة الوفيَّة له التي كانت بمثابة ذراعه الأيمن.

كان ملف قضية “كوشنير” وفساد الشرطة والقضاء يتضمن بالأساس كافة الأدلة والأشرطة والهواتف والأسلحة الخاصة بشخصية رجل المافيا “ماريان كوشنير”، تلك الأدلة لا تكشف فقط تورطه في عملية الاغتيال هذه، لكنها أيضا تكشف أدق تفاصيل علاقته برجال القضاء ورجال الأمن والدوائر الحاكمة في سلوفاكيا، وكيف كان هو الذي يُدير الأمور من وراء الستار، حتى أن هناك رسائل نصية متبادلة بينه وبين بعض أبرز رجال القضاء ورجال الشرطة، تسجل اقتراحاته للتعامل مع الكثير من القضايا والملفات، إذ كان يُعطيهم الأوامر وتعليماته بشأن الملفات التي يجب أن تغلق، وكيف يتعامل معها.

“مكتبة كوشنير”.. تسريبات تسقط رجال المافيا والسلطة

تعترف زميلة الصحفي المقتول “يان” بأنها للوهلة الأولى فكرت في نشر ما لديها من وثائق الفساد المُسرَّبة من المصدر المجهول لتحقق ضربة صحفية، لكنها بعد قليل قررت أن تُكَّون فريقا متكاملا من زملائها الصحفيين للعمل على هذا الملف وإتاحته لأكبر عدد من الصحف ووسائل الإعلام، فكوَّنوا خلية عمل سرية، ثم أطلقوا على هذا المكان السري الذي يحتوي “ملفات فساد الشرطة” اسم “مكتبة كوشنير”، وبدأوا في دراسة الملف بتأنٍ، ونشره تباعا على أوسع نطاق، مما ساهم في تأجيج حركة الاحتجاجات التي عمت أرجاء البلاد، ووصل صداها لبعض الدول المجاورة، ومنها جمهورية التشيك.

صحيح أنه “كوشنير” لم يكن مدانا في واقعة قتل الصحفي “يان” وخطيبته بسبب بعض الثغرات القانونية، لكنه نال حكما بالسجن 19 عاما لتورطه في قضايا الفساد والتهرب الضريبي، وحكم على مساعدته بالسجن 21 عاما، كذلك سُجن عدد من المتورطين معه من رجال القضاء والشرطة.

وما زالت القضية مفتوحة ويُعاد النظر فيها بالمحاكم حتى عام 2022، حتى أنه لم يعد الأمر مجرد واقعة اغتيال صحفي بسبب كتاباته الجريئة في كشف الفساد، بل إن موته بصحبة خطيبته صار يحمل رمزية أكبر، فقد منح أبناء الشعب في سلوفاكيا الأمل بأن هناك محاولة جادة لاستعادة البلاد من رجال المافيا.