“أثينا”.. هل تقع الحرب الأهلية في فرنسا؟

أمير العمري

هل يُمكن أن يتسع نطاق المواجهات بين الشباب الغاضب من أبناء الأقليات العربية والإفريقية في فرنسا -بسبب سوء المعاملة وسياسة التهميش والعنصرية والقمع الذين يتعرضون له من جانب الشرطة- إلى حرب أهلية في البلاد؟ هذا ما يتنبأ به فيلم فرنسي جديد.

انتقلت الاحتجاجات والتظاهرات التي شهدتها العاصمة الفرنسية في الفترة الأخيرة إلى أكثر من فيلم. من أهمها وأشهرها فيلم “البؤساء” (Les Misérables) (2019)، أول الأفلام الروائية الطويلة للمخرج الفرنسي لادج لي وهو من أصول إفريقية (من مالي). وكان الفيلم يبحث في أسباب أحداث العنف التي اجتاحت فرنسا وتكررت كثيرا، خاصة أحداث 2005 الشهيرة التي شملت حرق وتدمير الآلاف من السيارات، وشاركت فيها أعداد كبيرة من الشباب من أبناء المهاجرين.

 

البؤساء.. فيلم أول لسكان الأحياء الهامشية

صُور فيلم البؤساء في “بوسكيت”، أشهر أحياء الجريمة والعنف في العاصمة الفرنسية، وكان الفيلم يزخر بالمطاردات والمشاجرات والاشتباكات، ويصور أنماط الحياة داخل “الغيتو” الأفروفرنسي، وأجواء التشكك وغياب الثقة، والعنف المتبادل بين الشرطة وسكان الأحياء الهامشية من الملونين ذوي الأصول الأفريقية، خاصة أبناء “الجيل الثاني” من المراهقين والأطفال الذين ولدوا ونشؤوا في فرنسا، وينتهي بتحذيرٍ مما يمكن أن يأتي نتيجة لكل هذا.

 

المخرج لادج لي اشترك مع إلياس بوقادر، في كتابة سيناريو الفيلم الجديد للمخرج رومان غافراس، ابن المخرج كوستا غافراس صاحب فيلم “زد” الشهير، أي فيلم “أثينا” (Athena) الذي عرض في مسابقة مهرجان فينيسيا (البندقية) السينمائي الأخير.

ويعتبر فيلم أثينا امتدادا لفيلم “البؤساء”، لكنه يتناول أحداث العنف من زاوية مختلفة، ومن خلال أسلوب مختلف تماما.

صحيح أنه يعتمد أسلوب الفيلم البوليسي الذي يرتبط بالاشتباكات بين الشرطة والشباب الغاضب الثائر، لكنه يهتم أكثر بتصوير مظاهر الغضب بشكل أكثر حدة وقوة ومباشرة بحيث يبدو أحيانا كما لو كان يدعو إلى الحرق والتدمير ورفض الحلول الوسط، أي يتبنى ما يتردد على ألسنة الشباب الغاضب: كفانا ظلما وقهرا وبطشا.. نريد أن نشعر بأننا أحرار ولنا حقوق في وطننا الفرنسي.

عبد القادر يحاول إقناع شقيقه كريم بتهدئة الأمور

 

هذه المرة الشباب الغاضب هو مزيج من ذوي الأصول العربية والإفريقية. أما العامل المباشر الذي يشعل الأحداث العنيفة، فهو مقتل طفل جزائري في الثالثة عشرة من عمره، على أيدي رجال يُعتقد أنهم من قوات الشرطة السرية، والسبب غير معروف، والصور موثقة من خلال كاميرات المراقبة. أي أن القتل مباشر ودون استفزاز مسبق. والمعلومات تقول لنا إن جدّ هذا الصبي الجزائري كان جنديا مقاتلا خدم في صفوف الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الثانية.

“إدير”.. ثلاثة أشقاء للمقتول يمثلون الطيف المجتمعي

أما “أثينا” فهو عبارة عن حي سكني مكون من مجموعة من العمارات العالية المكتظة بالسكان الذين تم حشرهم داخل شقق ضيقة متراصة ومتجاورة، في ظروف غير إنسانية.

وهو بالطبع حي افتراضي في الفيلم ليس له وجود حقيقي في باريس، إلا أن الفيلم مصور في منطقة حقيقية في ضواحي باريس مع إعادة تصميم المكان وتطويعه كي يصبح ميدانا للاشتباكات العنيفة التي ستجري بين الشبان الثائرين والشرطة، بكل تداعياتها وما يقع خلالها من تخريب ودمار وتفجيرات وإطلاق للقذائف النارية.

لقطة من فيلم “البؤساء”: حوار بين الضابط وأطفال الحي

 

الطفل الذي قتل، ويدعى “إدير”، له ثلاثة أشقاء، لكل منهم موقفه وشخصيته:

الأول هو “عبد القادر”، وهو جندي مظلات في الجيش الفرنسي يُستدعى لتهدئة الموقف، وهو يتعاون بكل ثبات مع الشرطة رغم الألم الكبير الناتج عن مقتل شقيقه الأصغر، فهو يرفض تماما العنف، ويؤمن بضرورة احترم القانون، والحصول بشكل سلمي على العدالة.

والثاني “كريم” الذي لا يرى أي فائدة من الالتزام بالقانون، بل ضرورة استخدام العنف في معركة نهائية فاصلة مع الشرطة، وهو اتجاه فوضوي ليس له من هدف سوى الانتقام مهما كان الثمن النهائي.

أما الثالث أو الأخ الأكبر فهو “مختار” الذي لا يبدو أنه مهتم كثيرا بالأمر، فهو مهتم أكثر بتأمين ما يقوم به من تجارة سرية، سواء في المخدرات أو غيرها. إنه في الحقيقة زعيم لعصابة صغيرة. لكن هل سيبقى موقفه على هذا النحو؟

خلال المؤتمر الصحفي الذي تعقده الشرطة في مقرها المحلي للتأكيد على أنها ستبذل قصارى جهدها للقبض على مرتكبي الجريمة، يلقي “عبد القادر” كلمة يبدي فيها غضبه الشديد مما حدث، لكنه يحاول نزع فتيل التوتر خصوصا بعد حضور جماعة من شباب “أثينا” يتزعمهم شقيقه “كريم” الذي يرفض هذا الموقف “المهادن”.

الشباب الغاضب حولوا منطقة أثينا السكنية إلى قلعة محصنة

 

وفجأة يلقي “كريم” قنبلة مولوتوف في صدر القاعة، فتكون الشرارة التي ينتظرها أنصاره ليهجموا على الشرطة ويقتحموا مقرها وينهبوا أسلحتها ويستولوا على إحدى سياراتها ويفروا بها ويتحصنوا وراء متاريس وأسوار منطقة “أثينا” ويحولوها إلى ثكنة عسكرية استعدادا لمجابهة قوات فض الشغب التي تسقط في الكثير من التخبط والارتباك في البداية، وتعجز عن وقف الاعتداء المفاجئ على مقر الشرطة وسرقة الأسلحة. لكنها سرعان ما تستعيد قوتها وتنظم صفوفها وتبدأ الإغارة على المنطقة.

أسلوب فريد.. مشاهد حرة في حركة مستمرة

أكثر ما يميز الفيلم ليس موضوعه، بل أسلوب تصويره. يتابع المخرج ومصوره البارع ماتياس بوكار، تفاصيل المشهد الأول الذي يستغرق أكثر من 12 دقيقة، بكاميرا متحركة حرة تلتوي وتنتقل من الداخل إلى الخارج وتقفز وتهبط في حركة مستمرة طويلة تتابع التفاصيل من جميع الجوانب، لتعكس أجواء التوتر والغضب.

هذا الأسلوب يقتضي بالطبع استعدادا جيدا للتصوير، وتوزيع الضوء، والتدرب على الحركة وسط جموع الممثلين الثانويين، والتعامل مع تضاريس المكان بكل دقة. وهذا النوع من المشاهد الطويلة هو ما يصبغ غالبية مشاهد الفيلم الرئيسية ويمنحه طابعه الذي يجعله قريبا من أفلام الجريدة السينمائية (الوثائقية) التي تتابع الحدث وقت وقوعه.

إلا أن الأفلام الروائية لا تقوم على الأسلوب فقط، بل تقوم أساسا على المادة الدرامية وتداعياتها، مع تفكيك الحدث الأولي ورصد أصدائه وتداعياته من دون أن يبدو الفيلم كما لو كان يدعو إلى العنف أو يروج للخروج على القانون، منحازا إلى طرف واحد، رغم أنه في بعض الأحيان يبدو كذلك بالفعل.

 

ترتبط هذه الحيوية الشديدة في التصوير، بالإيقاع السريع، واللقطات القصيرة السريعة، والتقاط التفاصيل الدقيقة من داخل المكان، وتعبيرات الوجوه، مع توزيع للممثلين في نطاق المكان بحيث تصبح الكاميرا جزءا من الحدث، تتحرك معهم، وتتابعهم، وتهتز مع اهتزازاتهم، فهي ليست كاميرا محايدة تراقب عن بعد من خارج المشهد، بل هي جزء من كل مشهد. إننا نكاد نسمع أنفاس المصور اللاهثة.

ومن ناحية الإخراج يسيطر المخرج رومان غافراس سيطرة مدهشة على مشاهد الفيلم التي تفيض بالعنف والحركة والتوتر، مع سيطرة على الممثلين الثانويين من غير المحترفين ومزجهم بالممثلين المحترفين. ويستخدم شريط الصوت دقات الطبول المنذرة، والموسيقى الدرامية العالية التي تنقل الشعور بالترقب والمواجهة والخطر. ولا شك في أن غافراس استفاد كثيرا من خبرته كمخرج لأفلام “الفيديو ميوزيك” في صنع شريط صوت يوازي قوة الصورة.

عبد القادر.. قلة الحيلة في كبح جماع الغاضبين

الآن أصبحت كفة “عبد القادر” هي الأضعف، فهو لم ينجح في كبح جماح شقيقه الأصغر العنيف “كريم” الذي أصبح بشعره الطويل الذي ينسدل على كتفيه، يشبه بطلا تراجيديا يسير نحو نهايته، غير عابئ بما يحدث، وكأنه شمشون الذي لا يمانع أن يهدم المعبد فوق رؤوس الجميع.

إنه يصر ويتشبث بضرورة أن تُحضر الشرطة فورا أولئك الذين قتلوا شقيقه الأصغر، رافضا الوعود بتحري الأمر، ومصرا على أنهم يعرفون القتلة ويتسترون عليهم.

أما الشرطة فهي تنفي رسميا أن يكون القتلة من رجالها، في حين تشير كل الدلائل إلى تورطها. وهذا ما كانت تثبته دائما الحوادث الحقيقية العديدة التي وقعت في العاصمة الفرنسية وضواحيها منذ أحداث ديسمبر 1986 التي صورها المخرج الفرنسي الجزائري رشيد بوشارب في فيلمه الأحدث “أشقاؤنا” (سبق تناوله في هذا الموقع).

كريم يقود التمرد والغضب والعنف

 

أما في فيلمنا هذا فيقول إن السبب في كل ذلك الغضب المشتعل يأتي من حقيقة أن مقتل “إدير” هو ثالث حادث من نوعه يقع خلال الأشهر الأخيرة.

وبغرض تحقيق قدر من التوازن الدرامي، يتابع الفيلم شخصية جندي فرنسي شاب من جنود قوات مكافحة الشغب، مطلوب منه خوض أول مواجهة حقيقية على أرض الواقع، فهو ذو وجه طفولي، يبدو عديم الخبرة تماما في هذا النوع من اشتباكات الشوارع. وعندما يجد الجد يقع هذا العسكري الشاب (جيروم) في قبضة الشباب الثائر بقيادة “كريم” الذي يستخدمه للمقايضة؛ فإذا أرادت الشرطة استعادته يتعين عليها تقديم قتلة “إدير” كي يصفي الحساب معهم.

ويصبح “جيروم” عنصرا إضافيا من عناصر التوتر رغم أنه يصبح أيضا، تدريجيا، أكثر تفهما لقضية الشباب الرافض لعنصرية الشرطة بعد أن عايشهم عن قرب.

سباستيان.. يحتجزه الغاضبون للمقايضة

ويبتكر السيناريو شخصية أخرى لشاب فرنسي أبيض يدعى “سباستيان”، صامت، لا يتكلم، تبحث الشرطة عنه، لكن الشباب ذوي الأصول العربية والإفريقية يحتجزونه، ويرغبون في استخدامه للمقايضة، ثم مع زيادة حدة التوتر والمواجهة العنيفة مع قوات الأمن، يستعينون به في القيام بعمل إرهابي كبير للترويع، فهو يجمع عددا كبيرا من أنابيب الغاز من داخل الشقق السكنية التي تم إخلاؤها من سكانها في إحدى البنايات السكنية من مباني المنطقة، ويقوم بتفجيرها فتحدث انفجارا مروعا، حيث تتصاعد النيران إلى عنان السماء. وهذه هي ذروة العنف في الفيلم.

هناك لقطات تتداعى سريعا على شاشة التلفزيون لنشرات الأخبار التي تبث صورا تصور اتساع نطاق الاحتجاجات وامتدادها إلى أحياء ومدن فرنسية أخرى، وفي الوقت نفسه وقوع هجمات يشنها جماعات من أقصى اليمين على مساكن المهاجرين وذوي الأصول العربية والإفريقية، بما في ذلك حرق المساجد.

النار وسيلة المحتجين للتعبير عن غضبهم

 

المشكلة أننا بعد التقديم والوصف القوي، تظل هذه الشخصيات بعيدة عنا، أي دون عمق كاف خصوصا شخصية “مختار” التي تظهر لتغيب، كما تظل الحبكة نفسها تراوح مكانها، أي لا يقع تطور حقيقي خارج السياق الوصفي، بحيث بدت الأحداث في النصف الثاني من الفيلم كما لو كانت صورا نمطية، وبدا بعضها مقحَما أيضا، مثل الإشارة إلى وجود نفوذ لجماعة الاخوان المسلمين في الحي، وكيف تصر والدة الشباب الجزائريين الثلاثة على الالتحاق بهم في المسجد لأداء الصلاة على ابنها القتيل “إدير”.

ورغم عدم قدرة السيناريو على تطوير الموضوع، يظل الفيلم بيانا سينمائيا قويا، يحذر من شيوع الاعتداءات ذات الطبيعة العنصرية على أبناء الأقليات الملونة، مما يهدد بانقسام اجتماعي خطير وما ينتج عنه من تداعيات تشبه حروب الشوارع.

ومما يجعل الفيلم كله يبدو مقنعا رغم ميل الحبكة إلى الهبوط في الثلث الأخير من الفيلم مع عدم تطور الأحداث؛ الأداء التمثيلي القوي الذي يعتمد أساسا على مواهب عالية المستوى من جانب كل من دالي بن صلاح (في دور عبده)، وواسيني مبارك (في دور مختار)، والممثل الجديد الصاعد سامي سليمان (في دور كريم).