“كشكش”.. أمل وألم بين الحمام المحلق وبيروت المنهكة

من المهام التي يقوم بها أبو مصطفى الصياد اللبناني الذي يشرف على الخمسين؛ المساعدة في انتشال جثث المنتحرين الذي يلقون أنفسهم من صخرة الروشة الشهيرة في بيروت، لكن هذه المهمة ليست الوحيدة التي يقوم بها، فعمله الرئيسي هو صيد الأسماك وتنظيم الرحلات البحرية للسائحين، كما يربي أبو مصطفى الحمام منذ نعومة أظافره، ولعل تربية الحمام هو الانشغال الوحيد الذي يمنحه السعادة والسكينة، ويخرجه من دوّامة الوضع اللبناني المعقد والمسدود الأفق.

أبو مصطفى هو أحد شخصيات الفيلم التسجيلي “كشكش” (Kash Kash) للمخرجة اللبنانية ليا نجار، ويقوم على مراقبة ثلاثة لبنانيين يربون الحمام الزاجل، ويجمعهم الفقر والهامش الذي ينتمون إليه.

هذه الشخصيات الثلاث وجدت نفسها غارقة في متاعب البلد العربي التي لا تنتهي، وخاصة مع انهيار وضعه الاقتصادي، وانفجار المرفأ عام 2020، وما لذلك من تبعات نفسية واقتصادية مدمرة.

صراع المربين.. حرب مُشتعلة مع الحمام الخارج عن السرب

يبدأ الفيلم بمشاهد تعريفية لعالم مُربي الطيور في الفيلم، وهو العالم الذي يبقى خاصا، وتحيطه الصور النمطية السيئة في بعض البلدان، ومنها لبنان نفسه، كما يبين الفيلم عندما ينقل حوارا دار بين مجموعة لمربي الحمام، وشكوى بعضهم لما يتعرضون له من رفض مجتمعي.

يتنقل الفيلم في افتتاحيته بين مشاهد لفحص الحمام في مناطق تربيتها على سطوح البنايات، وفي حالة أبو مصطفى فهو في بيت قريب من البحر، حيث يعيش ويعمل. كما تنقل المشاهد تلك الطقوس اليومية لتطيير الحمام ومراقبته بعد ذلك، ثم انتظار عودته إلى بيوته، وهي طقوس تحمل الكثير من التوتر والقلق، وهذا ما يظهره الفيلم تدريجيا.

تأخذ مشاهد المراقبة التسجيلية وقتا طويلا من زمن الفيلم، وهي هنا لترسم ملامح العالم الذي تعيش فيه الشخصيات، والتي تبين شغفهم وتفاصيل حياتهم اليومية. فهناك مشاهد لوضع علامات خاصة على الحمام حتى تتميز عن مثيلاتها، فكل مالك محترف للحمام يجب أن يضع علامته الخاصة التي تسهل العثور على الحمام.

العلامات الخاصة التي توضع على أرجل الحمام هي جزء من الحرب المشتعلة المتواصلة بين مربي الحمام للظفر بحمام “غير مخلص” يترك المجموعة التي ينتمي إليها ولا يرجع إلى بيته، ويذهب مع سرب آخر من الحمام إلى بيت ومالك جديدين.

الحمام الذي يترك أسرابه هو قضية تشغل بال كثيرين من مربي الحمام، فإذا كان هناك صلح بين أصحاب الحمام المختلف عليه يعاد الحمام الذي يترك سربه إلى المالك الأصلي، وبغياب السلم والتصالح يؤخذ الحمام المصادر عليه، وأحيانا يقتل كما روى أحد المربين في شهادة صادمة.

ثلاثية الفيلم.. شخصيات مختلفة جمعتها تربية الحمام

أول شخصيات الفيلم هو حسن الذي ورث تربية الحمام من أبيه، أما الثاني فهو رضوان الحلّاق القليل الكلام، وهناك أبو مصطفى الأكبر عمرا والأكثر خبرات، وهو يوفر تجربة مختلفة لما عاشه وشهد عليه.

حسن بدأ بتربية الحمام عندما كان في التاسعة، وهو الآن يربي الحمام على سطح البناية التي يعيش فيها

بدأ حسن بتربية الحمام عندما كان في التاسعة، ربما بسبب تأثيرات الأب الذي نراه بشكل خاطف في الفيلم، وما زال يشرف إلى حد ما على نشاط الابن، رغم أنه لا يحتاج إلى تشجيع أبدا، فهو منغمس تماما في تربية الحمام، ولم تعد تربية الحمام مجرد هواية له، بل حياة كاملة يهرب منها من حياته اليومية الصعبة.

على عكس حسن ذي الطبع الحاد واللغة الخشنة، يميل رضوان للهدوء، فهو شاب في نهاية العشرينيات يعمل حلّاقا في أحد أحياء بيروت الفقيرة، وتربية الطيور هي هوايته وانشغاله الأكبر. أما أبو مصطفى فهو يرى انهيار الوضع من حوله عبر مرآة الأزمات لأولاده الشباب الذين يواجهون ما يواجه أقرانهم من مصاعب جمة.

حروب أسراب الحمام.. معارك أسطورية في وضع اقتصادي مزرٍ

يروي حسن أسطورة عن ملكين كان يتقاتلان لسنوات، وذهب ضحية حربهما آلاف الضحايا، وبعد سنوات من القتال قرر الملكان أن حربهما لا طائل منها، لكن كرههما لبعضهما ما زال على حاله، عندها اقترح أحدهما أن يتحاربا عن طريق أسراب الحمام التي يملكانها، وهو ما يقع بدرجات متنوعة بين مربي الحمام في أمكنة كثيرة من العالم.

يبدأ الفيلم في نصفه الثاني برصد أثر الأحداث الخارجية على شخصياته، فيبدأ بالأزمة الاقتصادية التي ضربت لبنان وعملته، وانعكست على ارتفاع أسعار الكثير من البضائع ومنها أكل الطيور.

يرافق الفيلم رضوان وهو يشتري حبوب الذرة التي يأكلها الحمام، فنرى الشاب اللبناني يصدم بالأسعار الجديدة، بينما يخبره البائع بأنها سترتفع بالمستقبل.

“الحمام أفضل من البشر”.. وضع مقلق لحسن المدمن

لا يبدو أن ارتفاع الأسعار يقلق حسن، إذ يكشف للكاميرا بعناد كبير بأنه لا يهتم بأي زيادة، وأنه سيشتري غذاء حمامه، حتى لو وصل إلى مئة دولار للكيلو، فالحمام مهم لديه، مثله مثل أفراد عائلته.

عيون حسن تراقب سرب حمامه في سماء بيروت

لا تأتي الأموال سهلة لحسن، فالكاميرا تراقبه في عمله اليومي الذي ينقل فيه عبوات الغاز إلى الشقق العالية، وهو يتنقل على دراجته النارية مع عبوات الغاز، ثم ينقلها بعد ذلك على كتفيه إلى الذين طلبوها من السكان.

يتحدث حسن لكاميرا الفيلم قائلا إن “الحمام أفضل من البشر”، بل إنه يذهب بعيدا في وصف حُبّه لتربية الحمام بأنها مثل “المخدرات” في درجات إدمانها، لكنه يختلف عن مدمني المخدرات بأنه لا يضر أحدا، ولا يؤذي المجتمع من حوله.

يظهر حسن الحاد الطباع في مشهد يُثير القلق على وضعه النفسي، إذ نراه قريبا من صخرة الروشة، وفي المكان الذي يقفز منه في العادة من ينوون الانتحار، بينما تدور شهادته الصوتية عن الأفق الذي بدأ يضيق عليه وعلى أقرانه في لبنان.

“هل تريدين أن ننشر غسيلنا على الناس؟”

حال حسن لا يختلف عن حال أقرانه في الفيلم، فأبو مصطفى يعاني من الظروف الاقتصادية الصعبة ذاتها، فهو يعتمد على ما يجنيه من مداخيل صيد الأسماك القليلة والمتغيرة، ويضطر إلى الاستعانة بأولاده لمساعدته في العمل.

يشير أبو مصطفى بحزن كبير لولديه الشابين قائلا: انظر إليهما، إنهما طالبان جامعيان، كان يجب أن يكونا الآن في الجامعة يدرسان، بدل العمل الذي يقومان به الآن من تنظيف الأسماك.

تلتقط الكاميرا في مشهد سينمائي مؤثر الفروقات الاقتصادية بين سكان العاصمة اللبنانية بيروت، فهي تظهر في لقطة واحدة البيت المتواضع الذي تعيش فيه عائلة أبو مصطفى على شاطئ البحر، وفي الخلفية عمارات فخمة للغاية للبنانيين من طبقات اجتماعية مختلفة، وربما هي مسألة وقت فقط، قبل أن يضطر أبو مصطفى وجيرانه لترك منطقتهم القديمة التي يعيشون فيها منذ عقود عدة، لإفساح المجال لأحياء الأغنياء.

سماء بيروت المليئة بأسراب الحمام

يمنح أبو مصطفى الفيلم التسجيلي واحدا من أكثر مشاهده فكاهة، فعندما تسأله المخرجة وهي في قاربه عن رأيه في بيروت وما يدور فيها وحولها، يبدأ بخطاب تقريري تلفزيوني عن بيروت المدينة التي تتعايش فيها الأديان جميعها، وتصلح مثالا لكل المدن الأخرى.

حينها تسأله المخرجة ضاحكة: هل أنت جاد؟ فيحرج ويرد عليها: هل تريدين أن ننشر غسيلنا على الناس؟ وبعدها يفتح قلبه ويوجه نقده لجميع الذين أوصلوا بلده لما هو عليه اليوم من حال صعب.

“14 ألف دولار ستوصلك إلى فرنسا، ومن هناك إلى ألمانيا”

يستمر الفيلم بنقل أثر التحولات والأحداث الكبيرة على شخصياته، فينقل في مشاهد صوّرها حسن الدمار الذي لحق ببيته أثر انفجار الميناء غير المسبوق، والذي كان ضربة قاضية لكل الآمال الشعبية حينها لتغيير الوضع السياسي القائم.

كما يصور مشاهد لرضوان وبعض أصدقائه وهم يناقشون الطرق المستجدة للوصول غير الشرعي لأوروبا، فينقل أحدهم آخر أخبار التهريب غير الشرعي قائلا: 14 ألف دولار ستوصلك إلى فرنسا، ومن هناك إلى ألمانيا.

لن يترك رضوان لبنان -على الأقل حتى إنجاز الفيلم-، بل إنه يقرر أن يضع المزيد من جذوره في بلده، فيتزوج في حفل ينقل الفيلم أجواء منه.

رضوان الحلاق اللبناني ينتظر عودة حمامه

أما أبو مصطفى فيبدو أن الوقت قد فاته لتغيير حياته أو الهجرة، وجُلّ ما يأمله هو مستقبل مختلف لأولاده، وحيّز من الأرض يمارس فيه هوايته في تربية الطيور، وقد قضى أكثر من أربعين سنة فيها.

عوالم المهمشين.. مساحات جديدة على الوثائقي العربي

ما يميز هذا الفيلم، بالإضافة إلى موضوعه الجديد على السينما الوثائقية العربية هو أنه يصور وينقل ما تتركه الأحداث السياسية العاصفة على المهمشين من المجتمع، ممن يضعنا الفيلم في عالمهم، وينقل لنا هواجسهم وخوفهم.

يُعدّ الفيلم من الأفلام القليلة التي تعين المشاهد على رؤية الحياة في مدينة عربية عبر عيون مهمشيها، وقد كان ذلك ضمن انتقالات سلسة لحد كبير، وربط موفق بين العام والخاص، وتوثيق حساس ليوميات الشخصيات الثلاث في الفيلم.

يجرب الفيلم مساحات جديدة على صعيد الرؤية البصرية التي ينقلها لعالم شخصيات الفيلم من المهمشين، فهناك سلسلة من اللقطات المعبرة لبناية سكنية متواضعة في بيروت، حيث كانت الكاميرا تتنقل من الخارج من شقة إلى شقة، وكان يظهر عبر نوافذها وشرفاتها أناس مشغولون بطقوسهم الخاصة، واستعداداتهم للمساء القادم.

هناك أيضا المشاهد الجميلة لأبو مصطفى في قاربه في البحر القريب من صخرة الروشة، لقد تميزت تلك المشاهد بتجريبها الجديد على صعيد الصورة، وبحثها عن مشهديات مبتكرة، وتحدي الصور التقليدية الشائعة كثيرا عن ذلك الجزء من المدينة.

ينتهي الفيلم بمجموعة متنوعة من المشاهد لحمام يطير فوق بيروت، بعضها صور من الجو. بدت تلك المشاهد كأنها تكمل الرحلة التسجيلية التي بدأها الفيلم، وتفسح المجال للحمام هذه المرة ليستحوذ على الوقت والاهتمام، ويطير فوق المدينة ومتاعبها، وليحلق في آفاق جديدة، وكأنه يكون عينا جديدة لأصحاب هذا الحمام الغائصين في وحل الظروف الخارجية والداخلية العسيرة.