مهرجان سالونيك السينمائي الدولي.. سينما فلسطين في دائرة الضوء والجوائز

تقع كثير من التغيرات في العالم، وكثير من الأخطار والحروب، ويتطلب ذلك أفلاما تقول شيئا عن المحيط وعن الموقف مما يحصل، سينما تلعب دورا حيويا في التعبير عن التحولات والمنعطفات، التي تتزايد وتضع الإنسان في مواجهات لم يكن مستعدا لها ربما.

لا تستطيع السينما أن تغيّر العالم، لكنها قد تغير النظرة إليه، وطريقة التفكير به، والتفاعل مع أحداثه.

هذا ما ترك أثرا على اختيارات مهرجان سالونيك الدولي في دورته الـ65، التي أُجريت من 31 أكتوبر/ تشرين الأول إلى 10 نوفمبر/ تشرين الثاني، بمدينة سالونيك اليونانية.

ملصق فيلم “شكرا لأنك تحلم معنا”

إن قرأت برنامج المهرجان على الموقع أو كتيّبه، فإنك ستتساءل: كم فيلما عربيا هنا ضمن 252 فيلما روائيا طويلا وقصيرا ستُعرض؟ وماذا عن فلسطين وهي الحاضرة الآن في كثير من مهرجانات العالم؟ ليس فقط تعاطفا، بل لأنها إنتاجات يستحق كثير منها العرض عالميا.

هنا في سالونيك حضرَتْ، وحضورها في مسابقات مهمة رئيسية له معنى كبير.

“ينعاد عليكم”.. فيلم فلسطيني يحصد جائزة الإسكندر الذهبي

تضمنت المسابقة الدولية 12 فيلما، وقد شارك فيها فيلم “ينعاد عليكم” (Happy Holidays) للمخرج الفلسطيني إسكندر قبطي، وهو فيلم مثير ينسج ببراعة ودقة علاقات معقدة وحساسة، بين أبطاله متعددي الهويات والآراء والمواقف.

إنها علاقات يحكمها توتر وصراعات تتعلق بالانتماء والجغرافيا والثقافة، ويبين الفيلم وجهات نظر مختلفة، عبر تسليطه الضوء على عائلة فلسطينية من عرب 48، تواجه أزمات في الاقتصاد والهوية والسلوك.

لقطة من فيلم “ينعاد عليكم” الفلسطيني

يدعو الفيلم للتأمل في حياة فلسطينيي الداخل، وما يخضعون له من تعقيدات يفرضها وجود محتل. فكيف يمكن تفادي نتائج هذا الاحتكاك المتوتر؟

كان الفيلم قد مُنح جائزة أفضل سيناريو في قسم آفاق بمهرجان البندقية 2024، وها هو ذا اليوم يفوز باستحقاق في “سالونيك” بجائزة الإسكندر الذهبي “ثيو أنجيلوبولس” المعنوية والمادية (عشرة آلاف يورو).

“أرض مجهولة”.. قصة من التيه تحصد جائزة الجمهور

يشارك فيلم “أرض مجهولة” (To a Land Unknown) في المسابقة الدولية، وهو فيلم فلسطيني آخر للمخرج مهدي فليفل، ويدور حول ابني عمّ فلسطينيين يائسين في أثينا، يبحثان عن وسيلة للهروب من حالة عدم اليقين والبؤس.

يحلم أحد البطلين بالوصول إلى ألمانيا، وافتتاح مقهى صغير هناك، أما الثاني فهو غارق في إدمانه، وفي مشقة الوصول إلى حياة أفضل.

فيلم “إلى أرض مجهولة” الفائز بجائزة الجمهور، وجائزة أفضل ممثل لمحمود بكري

إنها قصة واقعية بنى فيها فليفل عالما ملموسا، تتأرجح فيه شخصيتان بين أمل ويأس، وبين سعي وكفاح ضد واقع لا يرحم، في عالم يبدو أن لا مكان لهما فيه.

وقد فاز الممثل الفلسطيني محمود بكري بجائزة أفضل ممثل، عن دوره في هذا الفيلم . أما الفيلم فقد منحه الجمهور إعجابه وتقديره، ففاز بجائزته المخصصة لأفلام المسابقة الرسمية.

“جولي تحافظ على هدوئها”.. سرد نفسي عميق يخطف الإسكندر الفضي

إلى جانب الفيلمين الفلسطينيين، مُنحت جائزة الإسكندر الفضي عن فئة أفضل إخراج لفيلم “جولي تحافظ على هدوئها” (Julie Keeps Quiet)، للمخرج “ليوناردو فان ديغل”، وهو مرشح بلجيكا لجائزة أفضل فيلم روائي دولي في الأوسكار.

يتميز الفيلم ببناء نفسي عميق للشخصية، وتصوير جميل يسرد حياة “جولي” التي كرست نفسها لرياضة التنس منذ طفولتها، وصُنفت موهبة واعدة فيها.

لكن كل شيء يتغير بعد انتحار رياضي شاب في النادي، وقد شارك الجميع في التحقيقات، وأدلوا بشهاداتهم حول الحادث والمدرب، أما “جولي” فقد التزمت الصمت.

عُرض الفيلم في مهرجان كان الماضي، وهو يلتقط مشاعر ما بعد الصدمات وعمق الندوبات الداخلية.

كما نالت “جوانا سانتوس” عن دورها في فيلم “في السقوط” (On Falling) للمخرجة البرتغالية “لورا كاريرا” جائزة أفضل ممثلة، وكان الفيلم فاز بأفضل إخراج في مهرجان “سان سيبستيان” الإسباني الماضي.

وقد عرضت هذه الأفلام جميعا في المسابقة الدولية، إلى جانب ثلاثة أفلام يونانية، وأفلام أخرى من تركيا وتايوان وأيرلندا وبولندا ونيوزلندا.

“فيتوريا”.. قصة حول هوس إنجاب البنات تفاجئ لجنة التحكيم

تتشابه مسابقة “لقاء الجيران” مع المسابقة الدولية، من حيث جوائزها وعدد أفلامها، فقد بلغت 12 فيلما أيضا، من ضمنها ثلاثة يونانية.

تتنافس هذه الأفلام على جائزة الإسكندر الذهبي “ميشيل ديموبولوس”، مصحوبة بجائزة نقدية قدرها 10 آلاف يورو، وقد فاز بها فيلم “فيتوريا” (Vittoria) للمخرجين الايطاليين “أليساندرو كاسيغولي” و”كاسي كوفمان”.

يدور الفيلم حول قصة اجتماعية لأمّ ذات أولاد ثلاثة ذكور، وعائلة سعيدة في الحب والعمل، تعيش في مدينة نابولي النابضة، لكنها تعاني من رغبة عارمة في إنجاب بنت!

تطارد الفكرة أحلامها، وتهيمن على حياتها اليومية، بل إنها تصبح هوسا يُزعج من حولها، فيحتارون في إدراك رغبتها وإصرارها على تحقيقها.

يستند الفيلم على قصة حقيقية، ويتعامل معها بحنان ترك أثره على لجنة التحكيم، فمنحته الجائزة بفضل “نهجه المفاجئ والمؤثر والمبتكر، لموضوع التبني الحساس للغاية، ويبدو أنه فاجأ لجنة التحكيم وأبكاهم كما أبكى الجمهور”.

“شكرا لأنك تحلم معنا”.. أختان تسعيان لقسم الميراث على وصية الأب

شارك فيلم “شكرا لأنك تحلم معنا” (Thank You for Banking with Us) للمخرجة الفلسطينية ليلى عباس في مسابقة “لقاء الجيران”، وقد مُنح جائزة الإسكندر الفضي لأفضل إخراج، مصحوبة بجائزة نقدية قدرها 5 آلاف يورو.

يستمتع المشاهد في كل لحظة من هذه القصة الاجتماعية، التي تدور حول أختين تريدان العدل في اقتسام ميراث أبيهما.

يتابعهما الفيلم خلال يوم بعد وفاة والدهما، وسعيهما لتقسيم الإرث كما تمنى الأب قبل موته، أي بحصة مماثلة لحصة أخيهما الغائب، الذي لم يهتم يوما بهما ولا بأبيه.

في لمحات وإشارت ذكية، يتناول الفيلم قضية حساسة، ويمر مرورا عابرا وفعالا على وضع الفلسطيين في إسرائيل والفساد في الضفة، ويبدي الضغوط التي تخضع لها المرأة، لكن بدون إقحام أو ثقل، بل بخفة محببة وحنان وطرافة، توصل كلها معا إلى تعاطف تام مع المرأتين.

وكل ذلك بأسلوب سردي محكم، وشخصيات واقعية في توجهها وسلوكها.

جوائز المسابقة

ذهبت جائزة أفضل ممثل في مسابقة “لقاء الجيران” إلى الأوكراني “فلوديمير كرافشك”، عن دوره في “أنت العالمي” (U Are the Universe) للمخرج “بافلو أستريكوف”.

كما فازت “أنتونيا سيخيرس” بجائزة أفضل ممثلة عن “المنفيون” (Los Tortuga) للمخرجة الإسبانية “بيلين فونيس”.

وشاركت هذه الأفلام إلى جانب أفلام من جورجيا ورومانيا وتركيا وأوكرانيا وإيطاليا وفرنسا، وشاركت أيضا تونس بفيلم “الذراري الحمر” للمخرج لطفي عاشور، وكان قد شارك أيضا في مهرجان “لوكارنو” السويسري.

أحداث الفيلم مستوحاة من قصة حقيقية مروّعة، وتدور في منطقة جبلية فقيرة ونائية عام 2015، حيث هاجم إرهابيون اثنين من الرعاة الصغار، وقطعوا رأس أحدهم، فوجد الآخر نفسه مجبرا على حمل رأس ابن عمه نزار المقطوع إلى العائلة.

طهران ومونتريال وألمانيا واليونان

في القسم التنافسي الثالث “أفلام إلى الأمام”، شارك 12 فيلما أيضا، منها ثلاثة أفلام يونانية. وقد فاز “لغة عالمية” (Global Language) للمخرج الكندي “ماتيو رانكان” بالجائزة الذهبية.

يدور الفيلم حول “ماتيو” الذي يغادر مونتريال، ليعمل ويقيم في طهران، من أجل رؤية والدته المريضة مرة أخرى.

يبدو الزمان والمكان مقلوبين في الفيلم، فالجميع يتحدث الفارسية في مدينته. إنه فيلم يمزج بين الأوقات والأماكن والثقافات، مع روح دعابة ولغة سينمائية فريدة للغاية، أهّلته للجائزة.

أما جائزة الإخراج فكانت من نصيب “نواز ديش” عن الفيلم الألماني “كسوفتكس” (Xoftex)، ويدور حول مجموعة من طالبي اللجوء، يصورون مشاهد ساخرة، أثناء انتظارهم في مخيم للاجئين. وقد فاز الفيلم للغته السينمائية القوية والمبتكرة.

“آركاديا” أفضل فيلم يوناني

دعم السينما اليونانية

سعيا من المهرجان لدعم السينما اليونانية، تشارك في كل الأقسام التنافسية ثلاثة أفلام يونانية، كما أن هناك قسما تنافسيا مخصصا لها.

وقد فاز فيلم “أركاديا” (Arcadia) للمخرج “يورغس زويس” بجائزة أفضل فيلم يوناني، وجائزة اتحاد النقاد، وهو قصة مؤلمة عن الحب والخسارة والقبول والتخلي.

أما جمعية نقاد السينما اليونانية، فقد منحت جائزة أفضل فيلم يوناني لفيلم “لحم” (Meat) للمخرج “ديميتريس ناكوس”، بفضل أسلوبه الإخراجي، وكتابة السيناريو الهادئ في التعامل مع موضوع المناطق النائية اليونانية المعاصرة في إحدى قرى الريف.

يدور الفيلم حول جريمة قتل، كان سببها المطالبة بأرض بُني عليها محل جزارة، مما يضع صاحب المحل أمام معضلة أخلاقية.

“رالف فاينس” و”جولييت بينوش”.. تكريم لمسيرة متميزة

يكرم المهرجان بالإسكندر الذهبي نجوما لمسيرتهم في عالم السينما، فيدعوهم ليُمنحوا التكريم، ويلتقوا بالجمهور، ويعلقوا على أفلامهم المشاركة في المهرجان.

ويترقب الجمهور المتحمس حضور النجم إلى قاعة “الأولمبيون” العريقة، ذات التصميم الجميل، الذي يمنح مشاهدة الفيلم متعة إضافية.

وهذه مناسبة للقول إن دور العرض تمتلئ يوميا بالمشاهدين، سواء أكان هناك نجوم أم لا، فهناك حب جلي للسينما.

وحين يدخل النجم مع مدير المهرجان الفني، فإنه يُستقبل بتصفيق حار، ثم تُلقى كلمات قصيرة ومكثفة حول الفيلم وسعادة الجميع به إن كان حديثا، أو بضع ذكريات عنه إن كان قديما.

وفي هذا العام، استقبل المهرجان اثنين من ألمع النجوم في عالم السينما، وهما البريطاني “رالف فاينس” والفرنسية “جولييت بينوش”، وكانا قد اجتمعا في فيلمين بريطانيين هما:

  • “مرتفعات ويذرنغ” (Wuthering Heights) للمخرج “بيتر كوزمنسكي” (1992).
  • “المريض الإنجليزي” (The English Patient) للمخرج “أنتوني منغيلا” (1996).

وها هما ذان يجتمعان للمرة الثالثة في تاريخهما في الفيلم الملحمي “العودة” (The Return)، للمخرج الإيطالي “أوبرتو بازوليني”، وقد عُرض في المهرجان.

استوحي الفيلم من قصيدة الأوديسة الشهيرة، لـ”هوميروس”، فنرى رحلة عودة “أوليس” إلى مملكته “إيتاكا”، بعد 20 سنة من الحروب في طروادة، وكمّ من التغيرات والأطماع في حكم الغائب.

وقد قالت “جولييت بينوش” في مؤتمر صحفي عن اللحظة الأكثر خصوصية في هذا التعاون، إنها تشارك في بطولة الفيلم مع “رالف فاينس” للمرة الأخيرة على الأرجح.

ثم قالت: نحن نقترب من عصر بدأنا نرى فيه أن هذا قد يكون آخر فيلم لنا معا، لا يمكنني اختيار لحظة واحدة فقط، ففي النهاية، كل لحظة مهمة لدي في السينما، أنا لا أصنع أفلاما لنفسي، بل أصنعها لكم جميعا وللإنسانية، ولنيل فرصة أن أكون جزءا من شيء ما. من المهم أن تكون محاطا بشركاء عظماء، يمكنهم تمييز ما يمكنك تقديمه، وهو شيء غير قابل للتمييز في كثير من الأحيان.

من ناحية أخرى، شعر “رالف فاينس” أنه لا جدوى من اختيار لحظة محددة في مسار حياته المهنية، وإنما قال: شعرت بأننا سنخوض تجربة عميقة (مع بينوش). بعض الأدوار يستحيل وصفها حرفيا.

“مات ديلون”.. عطاء يحصد جائزة الإسكندر الذهبي الفخرية

كانت جائزة الإسكندر الذهبي الفخرية تنتظر الممثل الأمريكي “مات ديلون”، وهو من أشهر الشخصيات في السينما الأمريكية المعاصرة، ويعد “أفضل ممثل في جيله”.

تعاون “ديلون” مع عدد من المخرجين المشهورين، منهم “فرانسيس فورد كوبولا”، و”لارس فون ترير”، و”يورغوس لانثيموس”، وصنع معهم أفلاما تركت بصماتها في تاريخ السينما.

من فيلم “التانغو الأخير في باريس”

وقد عُرضت له في المهرجان 3 أفلام، أحدثها فيلم “ماريا” (Maria) الذي أخرجته الفرنسية “جيسيكا بالو” (2024).

إنه فيلم داخل فيلم، يستعيد حياة الممثلة الفرنسية “ماريا شنايدر”، والصدمة التي حطمت نفسيتها بعد بطولتها فيلم “التانغو الأخير في باريس” (Last Tango in Paris) عام 1972 مع “مارلون براندو”، وما كان له من أثر مدمر على حياتها الشخصية والعامة.

وقد أدّى “مات ديلون” بتميز دور “مارلون براندو” في الفيلم، ووصف الفيلم بأنه تحفة، وأنه جزء من قصة حياة “ماريا شنايدر”، وليس انتقاما لها، وإنما أعطاها صوتا لم تكن قادرة يومئذ على إعطائه لنفسها.

“باسبورت”.. جائزة لمشروع فيلم فلسطيني

فاز في مرحلة تطوير السيناريو مشروع “باسبورت” للمخرج راكان مياسي والمنتجة الفلسطينية مي عودة بجائزتين، والجائزة المالية منحت للمشروع والفريق “الذي يترجم عبثية تجربة حياتهم الخاصة إلى رحلة لاذعة وشاعرية ومرحة”.


إعلان