“أبي ونور وأنا”.. عائلة عراقية تعالج أثقال الهجرة والدمار الوراثي

يبدو وئام الزباري من الخارج وكأنه يعيش حياة راضية وسعيدة، فهو عراقي هارب من جحيم بلده وجد الأمان في هولندا، الدولة التي لجأ إليها والداه في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، وهو يعيش فيها اليوم مع زوجته الهولندية الشابة وابنه الصبي (12 عاما).

بيد أن هذه الصورة تُخفي تحتها تاريخا قاسيا يقترب من المأساة، وذكريات لا تكف عن مطاردة أصحابها، حتى بعد عقود من زمن وقوع الأحداث المأساوية في البلد الأمّ.

في الفيلم الوثائقي الهولندي “أبي ونور وأنا” (Mijn vader, Nour en ik) الذي أخرجه وئام الزباري بنفسه (2023)، يسعى المخرج إلى تفكيك تاريخ عائلته العراقية، والتقرب من الأماكن الموجعة للغاية في تاريخ العائلة، على أمل أن يوقف الأزمات النفسية التي تطارده وعائلته.

وقف قطار الصدمات النفسية.. ما وراء الفيلم

وضع المخرج هدفا مهما وضحه في بداية الفيلم، فقد أراد أن يوقف نقل أزمات ما بعد الصدمات النفسية إلى ابنه نور، وكان نور في وقت تصوير الفيلم بنفس عمر المخرج عندما وصل مع عائلته إلى هولندا.

بوستر الفيلم “أبي ونور وأنا”

سعى المخرج أن يبقى قريبا من الهدف الذي وضعه للفيلم، فكان في مجمله حديثا ذاتيا طويلا يتوجه فيه إلى ابنه الصبي، وكأنه أعد الفيلم لولده في المقام الأول، ليشاهده عندما يكبر قليلا.

كما أن هناك أهدافا أخرى، منها مساعدة المخرج لاستعادة الأمان في حياته، وقد اعترف في بداية الفيلم أنه يتلقى منذ مدة علاجا للتعامل مع الأزمات النفسيّة التي يحملها.

خيار التصوير الذاتي.. التقاط حميمية الأجواء العائلية

إلى جانب المناجاة للمخرج والحوار الطويل الذي بدأه مع ابنه، اختار المخرج أن يصور الفيلم بنفسه، ولا نعرف هل كان هذا الخيار بسبب إنتاجي، أو أنه كان اختيارا أسلوبيا لإضافة حميمية مضاعفة على الفيلم ومناخاته.

في كل الأحوال، كان التصوير بيدي المخرج نفسه صائبا جدا، بل كان بعيدا وغير واقعي أن تصور مشاهد معينة من الفيلم بعدسات فريق تصوير خارجي، فقد يؤثر ذلك على حميمية تلك المشاهد.

الفيلم ينقل حميمة العلاقة بين الأب وابنه

صُور كثير من مشاهد الفيلم في بيت المخرج وبيت أهله، حيث يعيش والداه، ولم تكن زوايا التصوير أو الإضاءة في أفضل حالاتها، لكن حميمية تلك المشاهد كانت لافتة ومؤثرة كثيرا، مثل تلك التي صورها المخرج مع ابنه في فراشه، وعندما كان يسرد له تاريخ العراق، وكان التأثر باديا على الطفل، فلربما لم يكن يعرف الكثير عن تاريخ عائلة والده.

والأمر ذاته ينطبق على المشاهد التي صورها المخرج في بيت والديه، وقد تضمنت مكاشفة ومواجهات صادمة أحيانا، وسيكون صعبا تصور حدوثها لو لم يكن المخرج وحده مع العائلة، يفتحان معا صندوق الماضي بأسراره الأليمة.

قصص الدموع.. لحظات من الضعف يقتنصها الفيلم

أبقى المخرج كثيرا من المشاهد التي ربما تبدو غير مكتملة أو ناقصة، ووظفها في سياقات الفيلم الوثائقي، لتضيف عفوية مضاعفة إلى الفيلم، فنراه قد قطع مثلا حديثه لابنه عن تاريخ العائلة، عندما لاحظ الحزن والتجهم على وجهه، فخاطبه بالتعليق الصوتي المسجل في الأستديو بأنه حزين، لأنه لم يقدر جيدا أن ابنه البريء المولود في هولندا لم يعتد على سماع هذه القصص.

وفي مناسبة أخرى كان يروي لابنه قصة حدثت له عندما كان ببغداد، حين سرق أطفال كبار كرته وهو يلعب في الشارع، فبدأ الطفل بالبكاء حزنا على الوالد، ثم أكمل القصة فقال إن صديقا له ساعده باسترجاع الكرة، وإن الصديق كان له تأثير كبير متواصل على حياته حتى اليوم.

ينفجر الأب نفسه باكيا بلحظة فاجأته هو نفسه، فبينما كان يجلس على طاولة الطعام في بيت والديه، سمع قصة من العراق، فبدأ في البكاء، وهو مشهد مؤثر جدا، ثم بدأ هو بالتعليق الصوتي، ولام نفسه على لحظة الضعف تلك، وأن هذا كان يجب أن لا يحدث.

فتى ذكي طامح يفلت من الريف.. تاريخ الجد

يضع الفيلم على عاتقه سرد تاريخ عائلة المخرج، ويتوزع ذلك عبر زمن الفيلم، ولا يتوجه دائما إلى ابن المخرج، أي ضمن البناء السردي الذي اختاره الفيلم، بل إن المخرج يقطع هذا البناء، ويعيدنا إلى العراق، عبر التعليق الصوتي والصور الأرشيفية القليلة التي حفظتها العائلة من تاريخها.

ينتمي الجد لعائلة ريفية تعيش في غرب العراق، وكان ممكنا أن يعيش حياة عادية تشبه حياة أقرانه، لولا طموحه الكبير الذي قاده إلى الجامعة، وبعدها نال مناصب رفيعة في الدولة العراقية، كان آخرها في السفارة العراقية في فرنسا، قبل أن ينهار عالم العائلة في عام 1991.

حب المخرج لولده كان وراء إنجاز الفيلم

وفي مناسبة أخرى كان يروي لابنه قصة حدثت له عندما كان ببغداد، حين سرق أطفال كبار كرته وهو يلعب في الشارع، فبدأ الطفل بالبكاء حزنا على الوالد، ثم أكمل القصة فقال إن صديقا له ساعده باسترجاع الكرة، وإن الصديق كان له تأثير كبير متواصل على حياته حتى اليوم.

ينفجر الأب نفسه باكيا بلحظة فاجأته هو نفسه، فبينما كان يجلس على طاولة الطعام في بيت والديه، سمع قصة من العراق، فبدأ في البكاء، وهو مشهد مؤثر جدا، ثم بدأ هو بالتعليق الصوتي، ولام نفسه على لحظة الضعف تلك، وأن هذا كان يجب أن لا يحدث.

فتى ذكي طامح يفلت من الريف.. تاريخ الجد

يضع الفيلم على عاتقه سرد تاريخ عائلة المخرج، ويتوزع ذلك عبر زمن الفيلم، ولا يتوجه دائما إلى ابن المخرج، أي ضمن البناء السردي الذي اختاره الفيلم، بل إن المخرج يقطع هذا البناء، ويعيدنا إلى العراق، عبر التعليق الصوتي والصور الأرشيفية القليلة التي حفظتها العائلة من تاريخها.

ينتمي الجد لعائلة ريفية تعيش في غرب العراق، وكان ممكنا أن يعيش حياة عادية تشبه حياة أقرانه، لولا طموحه الكبير الذي قاده إلى الجامعة، وبعدها نال مناصب رفيعة في الدولة العراقية، كان آخرها في السفارة العراقية في فرنسا، قبل أن ينهار عالم العائلة في عام 1991.

الأب يشير لابنه إلى مدينة بغداد التي ولد فيها

يعرض الفيلم صورا فوتوغرافية للقرية الصغيرة التي ولد فيها الجد، ثم صورا من جامعته، ولقطات من السنوات السعيدة في بغداد، بعد أن انتقلت إليها العائلة، لتعيش في بيت واسع، قارنه المخرج ببيوت غالية جدا في هولندا.

ولم يكن الجد وحده الذي كان يقود دفة العائلة، فقد لعبت زوجته -وهي سيدة أعمال- دورا مهما في تشذيب مسارات حياة العائلة، ومساعدتها للانتقال من الطبقة الاجتماعية التي كانت تنتمي إليها، والتقدم إلى علية المجتمع.

حرب العراق.. مطبات قلبت حياة العائلة رأسا على عقب

يلفت ذكاء الجد الدولة العراقية، فاختارته لمنصب رفيع بالسفارة العراقية في فرنسا، وكانت إحدى السفارات المهمة لدى الدولة العراقية آنذاك، لكن ربيع العائلة كان قصيرا، فقد قلب حياتها دخول القوات العراقية للكويت عام 1990، كما فعل مع معظم العراقيين وقتها.

يحاول الأب أن يهب ابنه حياة غير التي عاشها

تروي الجدة ذكريات من تلك السنة القاسية، فقد طلبت الحكومة العراقية من زوجها ترك عمله في السفارة العراقية والعودة إلى بغداد، وهو قرار بقي غامضا قليلا، ولم يمنحه الفيلم الاهتمام الكافي.

عادت العائلة من دون الأب إلى العراق، البلد الذي كانت تنتظره حرب كونية، أما الأب فقد ماطل القرار، ثم هرب إلى تونس، وتوجه منها مرة أخرى إلى أوروبا، وطلب اللجوء السياسي في هولندا في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي.

بقايا الأب المحطم.. آثار سنوات الغياب عن العائلة

يدور الفيلم الوثائقي في فلك الجد، وهو رجل صامت كثيرا، نراه في مشاهد عدة يجلس وحده محدقا بالفراغ البعيد، وقد سلط الفيلم ضوءه كثيرا على خلفية هذا الجد تاريخيا واجتماعيا، وذلك بالحوارات التي أجراها المخرج (ابنه) مع والدته وأخيه وأخته الصغيرة، وبشهادة المخرج نفسه عن أبيه، وهي الشهادة الأكثر حساسية وكشفا عن الأثر النفسي لما حصل في حياة العائلة.

ثلاثة أجيال من العراقيين في المهجر

وقد أجمعت العائلة أن الجد بعد وصوله إلى هولندا، ليس ذاته الجد الذي تركوه في فرنسا قبل عودتهم إلى بغداد، فتلك السنوات التي عاشها قد كسرت روحه، وهذا ما أثّر على حياته حتى اليوم.

يروي المخرج اللقاء الأول للعائلة مع الجد في هولندا بعد جمع شملهم، ويقول إنه أحس أنه بصمته يختلف عن صورة الأب الحنون التي كان يحملها في خياله في السنوات التي عاشت العائلة وحيدة من دونه.

“هل تعرف ماذا فعل سلوكك بي شخصيا؟”

يصل الفيلم إلى ذروة نفسية، عندما يقرر المخرج مواجهة أبيه في مشهد طويل صُوّر بكاميرا ثابتة، وهو المشهد الوحيد الذي نرى فيه المخرج يتحدث بالعربية، فقد لازم الهولندية طوال زمن الفيلم.

يكاشف المخرج أباه بصوت متهدج من التأثر، ويسأله عما حدث، ويعترف له بأن جرحه المفتوح أصبح أزمة نفسية للعائلة، ومنهم المخرج نفسه، فقد عانوا كثيرا من غياب الأب النفسي عن حياتهم.

المخرج وأبوه في استعداد للمصارحة بعد غياب طويل

ويعترف الجد بأن سنوات الغربة وما حدث له في مركز اللجوء في هولندا حطم شيئا ما في روحه، فيقول بغضب لم يفارقه حتى بعد 30 عاما من وقوع الأحداث: “لقد فتشوا مناطقي الحساسة، عرّوني تماما وفتشوا جسدي”، وينصت المخرج إلى والده، ويعيد الجملة ذاتها: “هل تعرف ماذا فعل سلوكك بي شخصيا؟”.

ولعل مشهد المواجهة القاتم بين المخرج ووالده يختصر مناخات الفيلم، كما أن تلك المواجهة لم تقد إلى تغييرات كبيرة واضحة، وبدت العائلة في الموقع نفسه لجهة تعاملها مع الماضي والمستقبل. فينتهي الفيلم بتسجيل صوتي للمخرج يتمنى فيه أن تنكسر دائرة العنف التي تعيش فيها العائلة، وأن لا تنتقل إلى ابنه الصغير في المستقبل.

جلسات العلاج النفسي.. مكاشفات سينمائية تحرك المياه الراكدة

يأخذ المخرج المكاشفة في الفيلم إلى حدود غير معتادة كثيرا في السينما الوثائقية العربية، حين يفتح خزائن الذاكرة، ولا يتردد في سبر أغوار تاريخ حياة عائلته، بما يحمله من تركة نفسية عميقة.

يفعل المخرج ذلك بسلاسة وصدق كبيرين، حتى يكاد ما يفعله في الفيلم يشبه جلسات العلاج النفسي، ولا سيما في الجزء الخاص بصديقه الأثير في بغداد، وقد قُتل في غارة أمريكية في عام 1991، وكان المخرج أول الواصلين إلى بيت صديقه بعد القصف.

عُرض الفيلم أول مرة في مهرجان “أفلام لها قيمة” (Movies that Matter) الهولندي الخاص بالسينما التي لها علاقة بحقوق الانسان، وحظي بجائزة مهمة في المهرجان، كما أنه وصل إلى العرض التلفزيوني في هولندا، وعُرض على منصة “دوك2” لعرض الأفلام الوثائقية على التلفزيون الهولندي، وهي من منصات العروض الأوروبية المهمة لعرض الأفلام الوثائقية.