“بيت في القدس”.. رحلة للتعافي في منزل مخيف يهمس بأسرار المهجّرين

خلال السنوات الماضية، تنوّعت سياقات الأفكار في السينما الفلسطينية، فظهرت محاولات لتغيير بنية الزمان والمكان والإشارات البصرية في السرد السينمائي، وتلك محاولة لإيجاد لغة بديلة للواقعية المباشرة في تناول الشأن الفلسطيني العام، الذي يفرض نفسه قضيةً إنسانية حاكمة، منوطة بالتحرر وانتزاع الاعتراف بالوجود عالميا.

وقد جعل ذلك التناولَ السينمائي ضروريا في واقعيته ومباشرته، نظرا لأن الدفاع عن حقوق بهذه الأولوية -حينما يتجاهلها العالم- يفرض نفسه على السينما ومختلف الوسائط الفنّية، لما تمثّله من قدرة على المراوغة وسعة في القدرة على التعبير.

ولا يعني ذلك أن الواقعية في السينما الفلسطينية باتت بالجملة مادة للتكرار وإعادة الإنتاج، أو استحالت أعمالها العتيقة إلى فئة القديم المهمّش، فلدينا مثلا مشروع المخرج ميشيل خليفي ومشروعه السينمائي، الذي يعد وثيقة تاريخية لذاكرة المجتمع الفلسطيني. فقد جاءت جميع أفلامه عن رؤية سياسية للمسألة الفلسطينية، وعن تشرّب واقعي نافذ لدواخل الحاضر والتراثي عند الفلسطينيين.

وهناك مثال آخر يوضّح المقصد من ضرورة التجديد، فأفلام المخرج إيليا سليمان تمثّل تجاوزا للنوع السينمائي، بل تشكّل تجديدا على مستوى مركزية السخرية النافذة إلى تشريح مآسٍ شديدة الجديّة، وتقديم بنية صورية وسردية مبتكرة، تستنطق جماليتها من التجريد والتداخل الحكائي.

ريبيكا تعثر في البئر على دمية متسخة بلباس فلسطيني

ففي مهرجان روتردام السينمائي نسخة 2023، عُرض الفيلم الفلسطيني “بيت في القدس” (A House in Jerusalem)، الذي أخرجه مؤيد عليان، واشترك في كتابته مع أخيه رامي موسى عليان، ويحاول الفيلم بشكل متحفّظ ومشوّش قليلا، أن يعبّر عن إجبار الفلسطينيين على مغادرة أرضهم، ولا سيما من مدينة القدس خلال نكبة 1948.

يتبنى الفيلم آلية مخاطبة تستقطب مساحة أوسع من المشاهد العربي، وتحاول ببنية تقليدية في النصف الأول من الفيلم، أن تضع له فرصة ليحظى بمشاهدة جماهيرية واسعة، تروق للمشاهد الاستهلاكي الذي يبحث عن فيلم مسلٍّ.

بيت الجد في القدس.. رحلة للتعافي من حادث مأساوي

تدور أحداث “بيت في القدس” حول الطفلة “ريبيكا” (الممثلة مايلي لوك)، حين تنتقل من لندن مع والدها “مايكل” (الممثل جوني هاريس) ليقيما في بيت جميل في القدس، كان والد “مايكل” قد اشتراه خلال حملة إسرائيل لبيع منازل المهجّرين من الفلسطينيين.

تتجسد الدمية فتاة فلسطينية تسكن البيت التي جاءت تستوطنه ريبيكا ووالدها فتلتقيان

ينتقل “مايكل” وابنته إلى مدينة القدس، بحثا عن بداية جديدة، حتى يتجاوزا موت والدة “ريبيكا” في حادث سيارة، مع أنها لم تكن مرحبة بخطوة تجاوز فقد والدتها.

تُفاجأ “ريبيكا” بأن البيت يسكنه شيء غريب، لا سيما حين تلتقط من بئر المنزل دمية عروس معمولة يدويا، وبها تطريز تراثي فلسطيني، ثم يأخذها الوالد منها ويلقي بها في القمامة.

ولاحقا حينما تتبع “ريبيكا” أثر ما يحدث ويظهر لها وحدها، تتعرّف على “رشا” (الممثلة شهرزاد فاريل) التي توقّف الزمن في حياتها، ولم تزل طفلة تنتظر عودة أهلها، وهي مختبئة في البئر منذ حرب 1984.

محورية البيت.. عالم يقلب حياة الشخصية إلى غير رجعة

يظهر في فيلم “بيت في القدس” منذ بدايته التزام بصري وسردي بنوع أفلام الرعب والشخصية النفسية، وذلك بوضع “ريبيكا” في قلب أزمة داخلية، بانتقالها مع الوالد إلى البيت الجديد.

يشير التضييق في الحكي عبر شخصيتين، والالتزام المكاني بالبيت، إلى أن البيت يمثّل مركزا محوريا، فحين تمر منه الشخصية الرئيسية، فإنها لن تعود إلى سابق حالها، وعلى نمط النوع الفيلمي المذكور، عادة ما تبدأ الشخصيةُ الفيلمَ وهي في قلب حدث فارق، ومع انتهاء هذا الحدث تتحوّل الشخصية إلى نتيجة عكسية لما ظهرت عليه في البداية.

صداقة تنشأ بين الفتاة الغريبة ريبيكا وابنة البيت رشا

تنفرد “ريبيكا” بعلاقة داخلية مع البيت، بعد رفضها توجيهات والدها الذي يحاول مساعدتها في تجاوز موت أمها، فيصبح المنزل هو العلاقة التبادلية الوحيدة التي يمكن التعاطي معها، وتتأطر تطورات هذه العلاقة من خلال الدمية المتسّخة التي عثرت عليها.

ثم يتحوّل البيت بعد ذلك إلى وجود مريب، يحمل بداخله شيئا لا تشعر به إلا “ريبيكا”، حتى ترى “رشا”، وهي طفلة في نفس عمرها، وعندئذ تتغير بنية الفيلم من الخرافة إلى استنطاق حوادث وحقائق تاريخية.

سرديات السينما.. مساحة يلامس فيها الواقع عالم الخيال

يفتح الانتقال النوعي في الفيلم مساحة جديدة، قادرة على تقديم مقاربة للحكاية الفلسطينية، ونقلها إلى السينما بسردية تشويقية لا تنحصر فيها المسميات، وتلك علاقة عكسية، يجاور فيها الواقعي عالم الخيال، ضمن اتجاه واحد في استنطاق التاريخ.

كما يمكن للجاد أن يسير في نفس طريق الحكاية القائمة على شيء من التشويق المنطلق من النمط، ولهذه الآلية ميزتها في توسيع دائرة المشاهدة، وهو شيء مطلوب طالما لا يجور على جودة المادة الفيلمية، وربما جاء هذا التداخل بفائدته، بإتاحة الفيلم حاليا على منصة “نتفليكس”، وذلك بطبيعة الحال يضمن له قاعدة مشاهدة أوسع.

الشرطة تقتحم بيت ريبيكا بحثا عن نشاط اجتماعي مشبوه

وقد جمع الطابع النفسي تقديم شخصية “ريبيكا” بين الصورة الأولى للبيت الذي يحمل شيئا متخيّلا ومخيفا، إلى بيت آخر يحمل بُعدا تاريخيا يشمل حقيقة مبطّنة في داخله، ويتصاعد تمثيل هذه الحقيقة بظهور الطفلة “رشا”، فيمثل القرب بينها وبين “ريبيكا” حالة خاصة.

ثم يتحوّل الفيلم إلى جهة مختلفة، نظرا لأن البيت لم يعد مجال تهديد لساكنيه الجدد، لا سيما مع تراجع سلطة الوالد في ملاحقة ابنته ومتابعتها، فقد انفردت بالقدرة على اختيار مشاركة صديقتها الجديدة بحثها عن شيء يسكن الماضي ولن يعود.

جمود الملامح.. ثغرة في أداء الشخصيات الرئيسية

عند تلاقي خط الخيال مع الواقع في الفيلم، ينحصر الحكي بين الطفلتين في شراكة التواصل مع العالم المفقود لكل واحدة على حدة، فتبادر “رشا” بالمساعدة لتدل “ريبيكا” على فستان والدتها الذي كانت ترتديه وقت الحادثة، ثم تبدأ “ريبيكا” في البحث عن عائلة “رشا”، وإيجاد لعبة أخرى مطابقة للتي ألقيت في القمامة.

انفعالات جامدة للأب لا تفي بالحضور المركّب له كوالد يحمل هم رحيل زوجته

لم يُجد الفيلم نقل مسار الحكاية من حيز إلى آخر مختلف في مناخ يقوم على التدفق، ويحافظ على وحدة اللغة الفيلمية، وتعود هذه الثغرة إلى الشكل المحدود الذي ظهر به أداء الشخصيات، لا سيما “ريبيكا” ووالدها “مايكل”.

أما هي فلم تتبيّن من علاقتها بالبيت قدرة على الاشتباك معه، ناهيك عن جمود وجهها، فلم يرسم انطباعا واضحا بالانفصال، لا عن البيت الذي لم تقبل العيش فيه أول وهلة، ولا عن إنكارها لرحيل والدتها، وأما الوالد فهو يشاركها في نفس العيب، فنراه ذا انفعالات جامدة، لا تفي بالحضور المركّب له بوصفه والدا يحمل همّ رحيل زوجته، كما يحمل بدرجة أكبر مسؤولية شاقة، تتمثّل في تجاوز ابنته ذات الأزمة.

رمزية البيت.. إشارات عميقة تؤثث الحكاية

احتفظ الفيلم -على مستوى المكان- بإشارات أولية تفتقر إلى وجود عمق في الإشارة، فالبيت تحديدا هو الرمز المركزي للحكاية منذ بدايتها، وهو وعاؤها الذي يصدّر الرعب إلى “ريبيكا” ثم يدلّها على حقيقته لاحقا، ومع ذلك فإنه يظل مفتقرا إلى حضور يوازي دلالته.

فالرمزية الفلسطينية المنوطة بالحديقة واللعبة المطرزّة، لم يكفِ تقديمهما عرضيا ضمن الحكاية، حتى يتحقق الحضور التاريخي الذي يظهر على سطح الحكاية في النصف الثاني من الفيلم.

الفيلم يظهر مشاهد لجدار الفصل العنصري الأسمنتي الشاهق

ومع أن تناول رمزية البيت كان محدودا، فإن هناك مشهدا ذكيا في الفيلم، يظهر حين خرجت “ريبيكا” تبحث عن عائلة صديقتها، ورأينا بعينها أسوار القدس التاريخية المحمّلة بصمود التاريخ والهوية، قبالة جدار الفصل العنصري الأسمنتي الشاهق المنتصب في قبح بيّن.

فقد مثّلت رحلةُ “ريبيكا” من البيت إلى “مخيم عايدة” في بيت لحم، رحلةً بصرية أنقذت الفيلم من الإخفاق في الانتقال من نمط الرعب إلى واقع آني، ووضعت “ريبيكا” في خضم أزمة تتعلّق بتعريفها للمكان الذي تسكن فيه، وهل هو مكان “حقيقي” يملكونه، ليكون أرضا جديدة وبداية حياة جديدة؟

أحاديث العجوز.. تدخل الشرطة يؤجل ظهور الحقيقة

تصل “ريبيكا” إلى امرأة عجوز تدعى “رشا” (الممثلة سعاد فارس)، فتظنها الصانعة المنشودة التي يمكن أن تطرّز لها لعبة تعود بها إلى صديقتها، وكانت قد حبستها داخل البئر وأغلقت عينه عليها، بعد تشكّك الشرطة الإسرائيلية وبحثها في هاتف “ريبيكا”، لأنها سألت على الإنترنت عن أصل المنزل الذي تسكنه.

ريبيكا في بيت العجوز الفلسطينية

تفاجأ “ريبيكا” بصورة للمنزل في بيت المرأة العجوز، فتظنها والدة صديقتها، وقبل أن يستمر تدفّق الكلام لتدرك حقيقة الأمر أكثر، تتدخّل الشرطة وتؤجل الحقيقة مجددا، لكنها تفتح فضاء للتماهي في نهاية الفيلم بين الطفلتين تماهيا يتجاوز البعد المنطقي للزمن.

وقد أضفى اللقاء بين “ريبيكا” والعجوز بُعدا جديدا لرحلتها في الوصول إلى هذه المرأة، فقد أصبحت شوارع القدس مضمّنة في معنى جديد معنيّ بالطفلة، وهي تشكّل وجودا متجاوزا للتبعية فيما يتعلق بوالدها ودافع وجودهما في القدس، وذلك وجودٌ شخصي ناتج عن لحظة اختيار الشخصية لبحثٍ هو في مقامه الأول مفعم بدافع إنساني.

المسحة العالمية.. معالجة تفقد المصداقية التاريخية

يعود الأخوان عليان في خاتمة حكايتهما إلى جانب أوّلي في المسألة الفلسطينية، انطلاقا من حقيقة تاريخية لا تقبل الشك، لكنها تتموضع في مساحة ما قبل التشكيل الفكري والخطاب القائم على الكراهية والنبذ والإقصاء الكامل وتحريف التاريخ، إذ أننا ننتهي بطفلتين لا تعرفان ماهية شيء إلا عن تجربة ما هو مفقود، وفي هذه الحالة فإن المفقود مشترك، ألا وهو الأمومة، سواء كانت مجازية أم رمزية.

من صاحب البيت الحقيقي في القدس؟

ومع أن المسحة العالمية للفيلم أفقدته جزءا من المصداقية التاريخية، مثل تجنب الإشارة إلى النكبة لفظيا وتسميتها “الحرب”، وتجنّب تعريف إسرائيل بالمحتل، فقد كانت هناك بدائل -على فقرها- حاولت تعويض هذا التشويش، لا سيما في الأحاديث المعدودة عن النكبة بين “رشا” العجوز و”ريبيكا”، مع إشارات بصرية مباشرة في نهاية الفيلم، حول الحق التاريخي في ملكيّة المنزل لسكّانه الأصليين.

ومع تعثّره في بعض الجوانب التقنية والتاريخية، فإن فيلم “بيت في القدس” يظل تجربة جديدة ومهمّة، بها طموح لتجاوز الفئوية في الفيلم الفلسطيني، وتحاول المساهمة في تعويض فراغ الحاجة إلى لغة سينمائية قادرة على الوصول إلى قاعدة جماهيرية أكبر من اعتياد تداول الفيلم داخل الإطار العربي.