“حيوات سابقة”.. مغتربة تطارد خيوط ذاكرة الطفولة في الوطن الأم

نهاجر ونترك أوطاننا وأحباءنا ونسخة من أنفسنا، ولا ندرك مع مرور الوقت مدى تغيرنا إلا حينما نواجه ذواتنا القديمة.

عن هذا تدور أحداث فيلم “حيوات سابقة” (Past Lives)، وهو الفيلم الروائي الأول لمخرجته الكورية الكندية “سيلين سونغ”، وقد رُشح لجائزتي أوسكار عن فئة أفضل فيلم وفئة أفضل سيناريو في 2024، بعد رحلة عرض طويلة بين المهرجانات، استغرقت قرابة العام قبل حفل الأوسكار، وقد حصد الفيلم خلالها 79 جائزة.

كيف تغيرنا الهجرة؟ وكيف صنعت “سيلين سونغ” فيلما شاعريا يمس كل من مر بهذه التجربة، وهل تستمر العلاقة حقا بين الأحباء في حيوات سابقة وحيوات تالية؟

سيول وتورنتو ونيويورك.. محطات صبغت جدران الشخصية

تنتقل أحداث الفيلم بين كوريا الجنوبية وكندا، فنتتبع رحلة هجرة الطفلة الصغيرة “نورا” وأسرتها، ونرى لقطات من الماضي تصور الأيام الأخيرة التي شاركت فيها “نورا” صديقها المقرب “هاي سونغ” اللهو في المدرسة والشارع والحدائق العامة، تبكي في مرة لأنه حصل على درجات أعلى منها في أحد الامتحانات، وتضحك حينما يخبرها أنها تريد أن تكون الأفضل في كل شيء.

بطلا فيلم “حيوات سابقة” وهما يلهوان طفلين في مدرستهما في كوريا

وحينما ننتقل لتورنتو نراها وقد أصبحت شابة تحاول أن تكون كاتبة ومؤلفة مسرحية، وقد اختارت أيضا اسما أمريكيا يناسب حياتها الجديدة. وفي أحد الأيام تصادف حساب حبيب الطفولة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، فيقرران الحديث معا عدة أيام مع فارق التوقيت الكبير، ثم يقرران التوقف لأنهما ليست لديهما خطة للقاء في المدى القريب.

يحدث اللقاء بعد 22 عاما من الفراق، حينما يأتي “هاي سونغ” في زيارة قصيرة للقارة الأمريكية، لكن “نورا” أصبحت الآن امرأة متزوجة، و”هاي سونغ” قد مر بتجربة انتهت بالانفصال، وكل منهما يعمل في مجال مختلف بلغة مختلفة، وقد عاش حياته في ثقافة مختلفة، فكيف يصبح اللقاء إذن بعد أن تغير أطراف الحكاية؟

“حيوات سابقة”.. مغامرة الفيلم السينمائي الأول

بُنيت قصة الفيلم على أحداث حقيقية عاشتها المخرجة والكاتبة “سيلين سونغ”، حين هاجرت مع عائلتها من كوريا إلى كندا، وبعد أكثر من 20 عاما التقت هي وزوجها بصديق طفولتها القديم، فجلسوا معا وتحدثوا عن الماضي والحاضر، وحينها فكرت أن تصنع فيلما عن هذه الحكاية.

المخرجة الكورية الكندية “سيلين سونغ” تحكي قصة غربتها في فيلم “حيوات سابقة”

لم تكن “سيلين سونغ” يوما ما في موقع تصوير فيلم قبل صناعة “حيوات سابقة”، وإنما كانت مؤلفة مسرحية ذات سمعة جيدة، وتقيم بالولايات المتحدة الأمريكية.

لذلك فإن تحويل قصتها الذاتية لفيلم سينمائي مخاطرة بلا شك، لكنها كانت تتذكر دائما أنها حتى ولو لم تكن على دراية بكل خبايا الإخراج السينمائي، فإنها أكثر من يعرف حكايتها الشخصية، وأكثر من يعرف سبيل سردها.

لحظات الصمت.. أسلوب تعبيري ممل يتحاشاه المخرجون

من المبكر أن نصف مخرجة تصنع فيلمها الأول بأن لها أسلوبا خاصا، لكن أحد ملامح هذا الأسلوب لدى “سيلين سونغ” يبدو واضحا في هذا الفيلم، وهو أنها تترك لحظات طويلة من الصمت بين ممثليها.

وقد يجد بعض المخرجين لحظات الصمت مملة، بل يصفها بعضهم بأنها لحظات ميتة، لذلك يهملها كثير من صناع السينما أثناء المونتاج.

الصمت بين الصديقين، مشهد متكرر في فيلم “حيوات سابقة”

وهنا في هذا الفيلم تفعل المخرجة “سونغ” العكس، فتعرض لحظات تمهل طويلة، تسير شخصياتها فيها بصمت، أو يتأمل بعضها الآخر، أو يتأمل أحدهم من خلالها محيطه.

افتتاحية الفيلم.. صمت مزدحم بالتأويلات وإثارة الفضول

يبدأ الفيلم بمشهد افتتاحي نرى فيه “نورا” بين رجلين، أحدهما أمريكي والآخر آسيوي، ونرى المشهد من وجهة نظر غرباء داخل هذه الحانة، يتأملون الثلاثي ويخمن كل منهم من هؤلاء، هل نورا هي زوجة الرجل الأسيوي والرجل الأمريكي هو صديق لهما، أم العكس، أم أنهم ثلاثة أصدقاء، أم أنهما سائحان آسيويان مع مترجمهما الأمريكي؟

بطلة فيلم “حيوات سابقة” تجلس بين صديق طفولتها الكوري وحبيبها الأمريكي

نتابع الثلاثة من بعيد وهم صامتون، يتأمل كل منهم الآخر، ثم تكسر “نورا” الحائط الرابع، وتنظر مباشرة للكاميرا ولنا نحن المشاهدين، ثم تنظر بابتسامة نصفها خجل ونصفها إغواء، وكأنها تدعونا لمعرفة الحقيقة من خلال الفيلم.

هذه لحظة الصمت المؤثرة الأولى، وربما تكون الأهم في الفيلم، وتتبعها طوال رحلة الفيلم لحظات تمهل وصمت، تساعد الشخصيات على الترابط، وتمنحنا نحن المشاهدين فرصة للتماهي معها من غير ثرثرة.

رياح التغير.. بقايا الذاكرة في شخصية شكلتها الغربة

“ما مقدار ما صنعتُه من نفسي؟ وما مقدار ما طُبع في دمي وعظامي؟ هل كل ذلك مقدر؟”

هذه كلمات من رواية “أفضل ما يمكننا فعله”، للكاتبة الفيتنامية الأمريكية “تي بوي”، وهي تترك نفس الأثر الذي يتركه فينا فيلم “حيوات سابقة” بعد مشاهدته.

عشرون عاما بين آخر لقاء في الوطن وأول لقاء في الغربة بين بطلي فيلم “حيوات سابقة”

وحينما تتلاقى الوجوه مرة أخرى في نهاية الحكاية، يرى كل منهم مدى تغير الآخر، فقد أصبحت “نورا” كندية أمريكية، لكنها ما زالت تحتفظ بأثر من ذاتها الكورية بداخلها.

وأما “هاي سونغ” فلم يعد الصبي الذي عرفته، بل أصبح رجلا كوريا مكتملا، له آراؤه وتصرفاته النابعة من ثقافته الكورية التي لم يعرف غيرها.

“إن يون”.. تناسخ الأرواح من الحيوات السابقة

تعرّفنا “سونغ” عبر حكايتها على كلمة “إن يون” الكورية، وهي ترتبط بشكل ما بالبوذية ومفهوم تناسخ الأرواح. وتعني بهذا الشكل أن التواصل بينك وبين شخص آخر هو أمر مقدر، لأنكم قد تواصلتم من قبل في حياة سابقة.

ويؤمن الكوريون أن هناك على الأقل 8 آلاف “إن يون” بين من يتزوجون خلال 8 آلاف حياة سابقة، هكذا يجد الأحباء في الحكاية العزاء، فربما يكون تواصلهم بداية لتواصل أكبر في حياة تالية.

كما يعطي هذا المفهوم الأزواج شيئا من الفخر، لأنهم قد مروا بهذا من قبل في 8 آلاف حياة سابقة. والكل يمكنه هكذا أن يرى حكاية “حيوات سابقة” بشكل مختلف.