وثائقي “بطاقة الأفلام”.. قصة الشركة التي باعت وهم الدخول المفتوح إلى قاعات السينما

“اشتراك شهري بعشرة دولارات أمريكية فقط، يفتح لك أبواب جميع قاعات السينما في الولايات المتحدة على طوال الشهر وبلا حدود”.
ذلك وعد قطعته على نفسها شركة “موفيباس” الأمريكية عام 2016، لكنها لم تلتزم به إلا أشهرا قليلة فقط، ثم انهارت بسرعة غير مسبوقة أمام أنظار الإعلام الأمريكي، وجزع المستثمرين الذين وضعوا ملايين الدولارات في هذا الحلم، ودهشة المشتركين الذين تبدد حلمهم بالذهاب إلى السينما أنى شاؤوا، باشتراك شهري زهيد.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4من المدنية إلى البرية.. عائلة أوروبية تبحث عن معنى الحياة وسط الطبيعة
- list 2 of 4قاعات القضاء تقتص لضحايا “مجزرة الأطفال” من إعلامي أمريكي متطرف
- list 3 of 4مصير الإنسان بيد الآلة.. ماذا لو اعتلى الذكاء الاصطناعي منصة القضاء؟
- list 4 of 4“ملفات بيبي”.. تحقيقات سرية مع المتغطرس الذي جعل العالم رهينة لطموحه
يستعرض تلك القصة الفيلم الوثائقي “بطاقة الأفلام، تحطم الأفلام” (MoviePass, MovieCrash)، الذي أخرجه الأمريكي “موتا علي محمد” (2024)، ويُعرض حصريا على منصة “أتش بي أو” الأمريكية، ويتميز بإيقاعه الشيق وطاقته العالية.
يعود الفيلم إلى صعود شركة “موفيباس” الأمريكية، الذي قارنه البعض بصعود شركة “نتفليكس”، فيحلل ظروف هذه الشركة الدقيقة تحديدا، التي لها علاقة بعالم الشركات الرأسمالية.
كما سيقارب الفيلم قضايا التمييز العنصري المتجذرة في عالم المال بأمريكا، فمؤسسا الشركة الأصليان هم من السود، وقد أبعدا بقسوة وظلم عن قيادة الشركة، وهذا أهم محور في الفيلم.
ثم يمر بطموح شركات تقنية غربية في دخول عالم القاعات السينمائية في الولايات المتحدة وتغييره، كما فعلت “نتفليكس” في عالم البث المدفوع عبر الإنترنت، ويقارب العراقيل المعقدة التي تواجها الشركات التقنية في التعامل مع الشركات المسيطرة على دور السينما الأمريكية، فهي حذرة كثيرا، لا سيما أنها تعاني من تراجع معدلات المشاهدة في القاعات.
مثقف أسود يسبح في أمواج عالم الأعمال
تضعنا افتتاحية الفيلم في قلب الموضوع الذي يتناوله، ويتنقل بمونتاج سريع بين أبرز من شهدوا على صعود شركة “موفيباس”، سواء من أسسوها أو من عملوا بها، كما تضم المقدمة حوارات مع زبائن، جذبتهم الوعود الكبيرة التي قطعتها الشركة قبل أن تتهاوى سريعا.
وعندما يهدأ إيقاع الفيلم، نتعرف على شخصيات الفيلم، فنبدأ بالأمريكي “ستايسي سبايكس”، وهو ذو تاريخ مهم متنوع في مجال السينما والإعلام، فقد تنقل بين عدة مجالات، قبل أن يؤسس مهرجان عالم الحضر السينمائي، وقد بدأ مهرجانا يعرض أفلام الأقليات في الولايات المتحدة ولا سيما السود، ثم أصبح اليوم من أكبر المهرجانات السينمائية في أمريكا، ويجذب سنويا أفلاما كبيرة ونجوما لامعين.

بدا “سبايكس” واعيا بدوره مثقفا من خلفية أمريكية سوداء، لكنه ليس ناشطا اجتماعيا ولا سياسيا، بل يخوض عالم الاقتصاد بطموح رجال الأعمال وشراستهم.
لكنه وشريكه الأسود “هامت وات”، سيلقيان تهميشا من عالم المستثمرين، وعندما يُستثمر في شركتهم، يبعَدان سريعا من مواقع اتخاذ القرار، بل إن “سبايكس” يفصل من الشركة، بلا مقدمات ولا أسباب وجيهة.
صعود قوي وتعثرات في الطريق
يستعيد الفيلم قصة شركة “موفيباس” الكاملة، فقد بدأت بطموحات فنية وربحية كبيرة عام 2011، ثم أصابها غياب الدعم من رأس المال، فكانت خطواتها بطيئة متعثرة. وكانت خطتها منذ البداية تسهيل دخول المشتركين إلى قاعات السينما، بنظام يدخلهم متى رغبوا، باشتراك شهري ثابت.
لم يكن هذا الطموح هينا، بل احتاجت الشركة 5 سنوات ومستثمرا خارجيا حتى تبلغ بداية متواضعة، فعرضت اشتراكات شهرية تتراوح بين 20-100 دولار، لمشاهدة الأفلام في قاعات السينما بلا حدود.

ولم تكن هذه البداية مرضية لدى المستثمر، فلم يلحظ زيادة تذكر في عدد المشتركين، مقابل ارتفاع مصاريف الشركة، فقد انتقلت يومئذ إلى الفضاء الرقمي، عن طريق برنامج تطبيقي على الهواتف الذكية.
وتحقق في عام 2016 طموح مؤسسي الشركة، فجذبوا مستثمرين جددا، وجمعوا مبالغ كبيرة بلغت 250 مليون دولار، بعضها من المستثمرين الجدد، ثم بدأت الشركة بيع أسهمها، فبلغت أسعارا عالية بسرعة كبيرة، بسبب الحملات الإعلانية المكثفة، والهوس الإعلامي الذي أحاط الأشهر الأولى من نشاط الشركة.
عنصريات مبطنة في عالم الأعمال
لعل سمة العنصرية الممنهجة ضد السود تحديدا، ستكون الأبرز في هذا الفيلم الوثائقي. وستتضح ملامح هذه القضية تدريجيا عبر زمن هذا العمل، فيربط خبراء اقتصاد ورجال أعمال بين المشاق التي لقيتها شركة “موفيباس”، وبين لون بشرة مؤسسيها الأسود، وأنهم كانوا سيحظون بدعم وثقة أسرع لو كانوا من البيض مثلا.

حتى أن قرارهما الموافقة على استثمار رجال أعمال بيض، يعود إلى قلة الثقة في أن رجال الأعمال السود يمكن أن يُمنحوا استثمارات، وذلك ما يدفعهم للموافقة بلا تريث ولا بحث كافٍ عن أي فرص تصلهم للاستثمار.
يقول رجل الأعمال الأمريكي الأسود المعروف “ديموند جون” إن مجتمع رجال الأعمال في الولايات المتحدة ما زال عنصريا للغاية، وإن المشاريع التي يقف وراءها سود تُجهض، بسبب ضعف الثقة بهم.
بذخ وسوء تسيير وانهيار سريع
يتابع الفيلم الوثائقي الأشهر القليلة من بدء نشاط الشركة عام 2016، وبعدما بدأت خطتها المجنونة ببيع اشتراكاتها الشهرية بسعر 10 دولارات، مقابل مشاهدة غير محدودة للأفلام في القاعات في كل الولايات الأمريكية.
ويبين خبراء للفيلم أن هذه الخطة لها عواقب كارثية، فشركة “موفيباس” التي كانت تشتري بطاقات الدخول لمشتركيها مقابل تخفيضات قليلة، لا يمكن ان تحقق أي أرباح مقابل هذا الاشتراك البسيط.
يركز الفيلم في منتصفه على المستثمرين “ميتش لوي” و”تيد فارنسورث”، وقد وافق أحدهما على الحديث للفيلم. ويستعين الفيلم بشهادات خبراء ومقربين، تحدثوا عن غياب خبرة المستثمرَين، بل إن بعضهم قال إن لهما تاريخا جدليا، ربما يقود لسجنهما مستقبلا، بسبب تهم الاحتيال المالي.
وفي موازاة الاهتمام الإعلامي الضخم بالشركة الجديدة والشخصيتين، ركز الفيلم على بذخ الشركة الغريب، فقد كان المستثمران الجديدان يصرفان بلا تخطيط على حملات دعاية مبذرة وغير مدروسة، لم تنفع الشركة قط.
وبينما كانت الإدارة الجديدة تصرف الملايين على جذب نجوم سينما، بعضهم لم تعد له الشعبية الكافية، كانت الشركة نفسها تعاني من مشاكل تقنية وتنظيمية، ستنعكس على أدائها.

يروي أحد من عملوا في القسم التقني بالشركة، أنه كان يتابع مع زملائه أخبار الحفلات المسرفة الماجنة في الشركة، وهو في القسم يشكو من قلة العاملين، وكانوا لا يملكون أقلاما ولا ورقا في المكتب.
تعاظمت المشاكل التقنية في الشركة، فكان النظام الإلكتروني يتوقف ساعات كثيرة، وعندها لم يكن ممكنا حجز البطاقات للمشتركين، فذلك ما أثار غضب الكثيرين، ودفع صحفا ومواقع إعلامية متخصصة للبحث فيما تفعله الشركة، والوعود التي كانت تطلقها.
ويفرد الفيلم في ربعه الأخير مساحة عاطفية ومؤثرة لمؤسسي الشركة الأصليين، وكانا يتابعان بحزن حلمها الكبير ينهار أمام عينهما.
“أتمنى أن تكون وراء ما يجري خطة ما.. أتمنى مع أني كنت خائفا جدا”، هكذا يتذكر “ستايسي سبايكس” مشاعره في تلك الأشهر وعندما كان يسمع عن الحفلات الباذخة التي تقيمها الشركة بلا خطة واضحة، وأيضا عن استعانة الشركة بشخصيات غير معروفة ولا مختصة، لتتسلم مناصب كبيرة في الشركة، مع أن بعضهم لهم ماض إشكالي في عالم المال.

لم تصمد الشركة إلا أشهرا قليلة، فانهار أولا نظامها الإلكتروني، فلم تعد قادرة على تلبية ضغط العملاء، كما بدأت المقالات والتحقيقات الصحفية تتحدث عن “كارثة” في الإدارة، وأن وعودها المجنونة كان من المستحيل تحقيقها.
وتطرقت لأكاذيب روجتها الإدارة الجديدة، منها أنها ستبيع بيانات الشركة وتفضيلات المشتركين من الأفلام التي يختارون مشاهدتها إلى أستوديوهات هوليود، مقابل مئات الملايين من الدولارات، مع أنه ما من خبر مؤكد يقول إن شركات السينما كانت مهتمة بهذه البيانات، او إنها قد تدفع مبالغ طائلة من أجلها.
فرصة أخرى لتحريك ينبوع الأرباح
يفاجئنا الفيلم بعودة الحياة إلى شركة “موفيباس”، فبعد افلاسها القانوني عام 2020، بيعت في عام 2021 بمبلغ متواضع جدا لمالكها الأصلي سبايكس، وهو يتذكر مع الفيلم اليوم الذي سمع فيه ببيع الشركة، وقد استعاد يومئذ كل ذكرياته وأحلامه القديمة، في الشركة التي مرت عليها عاصفة بدت مدمرة.
عادت الشركة منذ ذلك الحين، ولكن بنشاط قليل وواقعي، وهي تبيع اليوم اشتراكات شهرية بأسعار معقولة في ولايات أمريكية قليلة، وأضحت أول مرة في تاريخها تجني الأرباح.
يستعيد المخرج “موتا علي محمد” بحيوية كبيرة قصة من عالم الأعمال، لها علاقة بالصناعة السينمائية وتقاليد مشاهدة الأفلام في قاعات السينما، كما يقارب بلا مبالغة ولا عاطفية زائدة قضية العنصرية المبطنة الممنهجة بين رجال الأعمال أنفسهم، فالسود يجدون صعوبات جمة لنيل ثقة أصحاب الأموال، لتمويل مشاريعهم.
يخبرنا الفيلم في نهايته أن “ميتش لوي” و”وتيد فارنسورث” تنتظرهما محاكمة، لكن ذلك لم يوقفهما، بل واصلا نشاطهما في شركات جديدة، برغم الخسائر التي سبباها لشركة “موفيباس”، وتبلغ 250 مليون دولار، ويجتهد رجال ونساء أعمال من خلفيات عرقية شتى للحصول على فرص مماثلة، مع أن لديهم أفكارا أصيلة ونيات حقيقية لتغيير العالم من حولهم.
