وثائقي “أطباء تحت الهجوم”.. لماذا أنتجته بي بي سي ثم منعت عرضه؟

مبنى الجراحات التخصصية في مستشفى الشفاء بغزة،بعد احتراقه وتدميره بسبب الهجمات الإسرائيلية المستمرة

في أحد تفسيراتها الاستشراقية، كتبت “باتريشيا كرون” تلك الكلمات: القوة نصفها عنف، ونصفها الآخر مسرح وتمثيل.

لقد كانت تحاول خلق إيقاع، تصف به كيف يمكن لفكرة استعراض القوة بلا معيار قيمي أو أخلاقي، أن يصبح عاملا مساعدا أو تأسيسيا في الضغط، من أجل هزيمة أكثر انسحاقا للخصم.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

مسرحة المهزوم في تلك اللحظة، تضغط لتحاول إظهار انتصار مضاعف، حتى لو لم يتحقق ذلك على أرض الواقع. تتنّصل الفكرة هنا من كل الدوافع الأخلاقية، وربما ذلك بالتحديد هو ما يجعل الاستشهاد بها ضروريا هنا والآن، قبل أي حديث عن الفيلم الوثائقي: “غزة: أطباء تحت الهجوم”.

الملصق الدعائي للفيلم الوثائقي “غزة: أطباء تحت الهجوم”

فيلم “غزة:أطباء تحت الهجوم” (Gaza: Doctors Under Attack) للمخرج كريم شاه، يمكن وصفه أنه بمنزلة تحقيق جنائي، وثّق جرائم استهداف القوات الإسرائيلية للأطباء في فلسطين، بشكل ممنهج ومخطط سلفا في جميع مستشفيات غزة الـ36، من دون استثناء واحد.

استعراض قوة متكرر، يحاول خلق إيهام بالقوة والسيطرة، ليس استهدافا واحدا ولا اثنين لمؤسسة صحية، وهو ما يمثّل -برأيي- جريمة حرب.

إنها خطة ممنهجة لتدمير المنظومة الصحية، وربما هو ما ينقل الفيلم من كونه وثيقة بصرية للإدانة، إلى شهادة يمكن تقديمها في المحاكم الدولية لاحقا، وإعادة الحديث عنها أمام العالم، لكشف مدى الجنون غير المحدود.

استهداف المستشفيات وتدمير المنظومة الصحية

هذا الفيلم من إنتاج تلفزيون “بي بي سي”، وقد منعت عرضت فور اكتماله، لكنه سرعان ما وجد طريقه إلى العرض، بعد محاولة القناة الرابعة الإنجليزية بثّه، وفي اليوم التالي، بعد مشادات شهدتها الصحافة والإعلام الغربي، الذي أظهر إدانة “بي بي سي” لمنع ذلك العرض.

صورة تُظهر الدمار الذي لحق بالمستشفى الإندونيسي في غزة بعد قصفه

بدت تلك النقطة أكثر جوهرية في مناقشة الفيلم الاستثنائي “غزة: أطباء تحت الهجوم”، فإلى جانب كشفه المذهل لجريمة الإبادة المتكاملة، التي تظهر في ذلك القتل غير المنطقي، يكشف الفيلم توغل اللوبي الصهيوني عموما في أكثر منابر الإعلام الغربي والعالمي عموما.

فلسفة العنف والإفلات من العقاب

يفكّك عالم الإنسان “إبرام دي سوان” في كتابه “تاريخ الإبادة الجماعية” تحولات العنف في تاريخ البشرية، فيقول إنه مع الوقت يعطي نظام ما إشارة ضمنية بضرورة ارتكاب العنف، مع التخلي عنه والإفلات من العقاب.

في اللحظة التي يسهل فيها النظام الأمر، يفتقد تدريجيا كل الموانع التي تعيقه، ويمضي بلا مضض أو بلا مبالاة طائشة، فيصبح جلادا متحمسا بدافع الغضب والجشع وربما الشهوة، تقع مهمة اختيار القتلة على النظام.

من داخل مستشفى ناصر للأطفال المدمر نتيجة للهجمات الإسرائيلية المكثفة في غزة

يمرر الرجل في دراسته أن التفكير في الإبادة، يتيقن منه الآخر في أفعال، مثل القتل العشوائي للمدني قبل العسكري، والجرأة التي يعطيها النظام حينئذ لمن يفعل ذلك، مرّ ذلك وقت الهولوكوست وغيره، وصولا للإبادة التي تحدث اليوم في غزة بقتل المدني قبل العسكري، بل بالاعتداء اليومي على الصحفيين والأطباء وغيرهم.

يقف هذا الفيلم بالتحديد أمام قتل الأطباء غير المفهوم، يتأمله في أكثر من زاوية، ويوثّقه من زاوية مزعجة لكل مشاهد، بالرغم من مرور 60 دقيقة، يقضيها الفيلم في التوثيق بكاميرا قريبة من الجميع، تكتفي برصد بعض الدماء المسفوحة، من دون كشف الصورة كاملة بعدسات واسعة، ربما خشية صدمة أكبر.

الفيلم شهادة بصرية تدين العالم كله

تمر دقائق الفيلم الأولى بمشاهد باتت معتادة نوعا ما؛ انفجارات في اتجاهات شتى تشمل الصورة كلها، ورصاص عشوائي يباغت المصور والمراسل مهما كانت جنسيته أو خلفيته، وصرخات تستغيث وقد حُجبت صورة أصحابها.

كل ذلك يُسرد بقطعات مونتاجية سريعة تخطف كل تلك اللقطات، حتى لا تصبح كوابيس لمُشاهدها. تكرار مؤثر في فيلم يبدأ بلقطته الواسعة التي تظهر مبنى منظمة الصحة داخل غزة، وهو مدمر نهائيا، إلى جانب مئات المنازل والمدارس والمستشفيات حوله. هكذا جعلت إسرائيل غزة أطلالا.

أطباء غزة.. ضحايا الحرب وأبطال الإبادة

من بين عدد غير قليل من الأعمال الوثائقية، التي وثّقت جرائم الإبادة المتنوعة في غزة، بعد أحداث السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى)، بدا فيلم “غزة أطباء تحت الحصار” من أقسى تلك الأعمال، لما يحمله من مشاهد دموية قاسية التأثير على مشاهدها. تكاد لا تتذكر مع نهاية الفيلم مشهدا واحدا لا يوثّق دماء القتل العشوائي في المستشفيات وخارجها.

يطرح العمل تساؤلا لا يجد إجابته مع العرض المتكرر لكل تلك المستشفيات التي دمرها الاحتلال؛ ألا وهو: أين يذهب الإنسان الفلسطيني بعد استهداف المنظومة الصحية المتواضعة على كل حال؟ وإذا لم تجد تلك المشاهد اعترافا بجريمة الإبادة فأين تجدها!

مئات العاملين في مجال الرعاية الصحية قُتلوا أو جُرحوا أو اعتُقلوا أو سجنوا

هنا ثمة سياسة مُصممة لشل غزة لقرن قادم، رغبة في خروجها من الحضارة، ورجوعها مئات السنين. يقول أحد المتحدثين: ففي النهاية، عندما يُدمر مبنى، يُمكنك بناء آخر مكانه. لكن وجود تلك البنية من الأدوية والمستشفيات تتطلب سنوات كثيرة.

إن سرقة خبرة غزة تعني حرمانها من فرص إعادة إعمارها، ومع أن الفيلم لا يمل من تكرار أن العاملين في الرعاية الصحية محميون بموجب القانون الدولي، فإن قوة الفيلم تكمن في الطريقة البطيئة التي يختارها لكشف أطروحته.

قصص الأطباء.. شهادات مروعة عن المعاناة والقتل

نرى أطباء يبذلون قصارى جهدهم في مستشفيات مُكتظة بلا ماء ولا كهرباء، يُسارعون لعلاج الجروح التي بدأت تتعفن، كما يعرض صور أطفال مصابين وقتلى بأعداد هائلة.

يُعالج الأطباء جرحاهم تحت إضاءة مصابيح الهواتف

من خلال دائرة واسعة يمر عليها الفيلم، لكشف استهداف المستشفى تلو الآخر، يبدأ الفيلم بمستشفى الشفاء، وهو عصب المنظومة الصحية النابض، ثم يذهب لما بعده، وتصاحب كثيرا من المَشاهد موسيقى موتّرة نوعا ما، قد تنقل إحساسا أن تلك المشاهد تمثيلية نوعا ما.

يرى المُشاهد أطباء يحفرون القبور لمرضاهم، وهكذا تنتهي قصة مستشفى الشفاء. عموما كان الجزء الرئيسي من الفيلم قصص هؤلاء الأطباء، الذي باتوا عناصر خطرة بلا سياق.

فمنهم مثلا د. خالد حمودة، إذ نراه يتحدث عن الهجوم المباشر على منزله، الذي استشهد فيه 10 من أفراد عائلته، وبعد لحظات أغارت طائرة مسيرة على المنزل الذي فر إليه الناجون، فاستشهدت زوجته وابنته الصغيرة، فلجأ بعد ذلك إلى مستشفاه الذي قُصف ودُوهم، فاعتُقل مع 70 طبيبا آخر، ونُكل بهم.

أطباء يصلون على جثامين شهداء أمام مستشفى في غزة، مشهد يلخّص الألم اليومي تحت القصف الإسرائيلي

أما د. عدنان البرش، فقد اعتُقل وجُرّد من ملابسه واستُجوب وعُذّب، ومع أننا لا نسمع شهادته، لأنه توفي في السجن، فإننا نسمع مكالماته مع عائلته قبل ذلك، طالبا من أبنائه الاعتناء بوالدتهم. إن سماع قصصهم يُشعرنا باليأس المُطلق.

سبب المنع.. سياسات غامضة تثير غضبا داخليا

قبل أيام قليلة من عرض الفيلم على القناة الرابعة المحلية، ومنعه من البث على تلفزيون “بي بي سي”، طالب أكثر من 400 صحفي وفنان وغيرهم إدارة القناة بإقالة عضو مجلس إدارتها “روبي غيب”، على خلفية اتهامات بتضارب مصالح، في ما يتعلق بتغطية الشؤون الفلسطينية.

وقّع الرسالة 107 صحافيين من داخل المؤسسة دون كشف عن هوياتهم، وقد أعربوا جميعا عن قلقهم من “القرارات التحريرية الغامضة والرقابة على تغطية الشأن الفلسطيني/ الإسرائيلي، وأن بي بي سي مشلولة بسبب الخوف من أن تُتهم بانتقاد الحكومة الإسرائيلية، وتعتمد طريقة غير متسقة لتطبيق الإرشادات التحريرية”.

ومما جاء في الرسالة: نحن نتهم “روبي غيب”، بصفته عضوا في مجلس الإدارة، ولجنة معايير التحرير، ونشعر بالقلق من أن يكون لشخص وثيق الصلة بصحيفة “جويش كرونيكل” رأيٌ في القرارات التحريرية في “بي بي سي”، بما في ذلك قرار عدم بثّ وثائقي “غزة: أطباء تحت النار”.

ثم اختُتم البيان بهذه الفقرة: لقد أُحبطت جهود كثير منا بسبب قرارات غامضة، اتُخذت على مستويات عليا في “بي بي سي” بلا مناقشة ولا تفسير. إن إخفاقاتنا تؤثر على الجمهور. لم يُقدم لنا أي تحليل ذي مغزى لضلوع الحكومة البريطانية في الحرب على الفلسطينيين، ولم نبلغ عن مبيعات الأسلحة ولا آثارها القانونية، بل نشر منافسو “بي بي سي” هذه القصص.

لقد اتهمت الرسالة الرجل بوجود تضارب في المصالح لديه، مما يُبرز ازدواجية المعايير في التعامل مع موظفي “بي بي سي”، الذين عانوا هم أنفسهم من الرقابة باسم الحياد.

وذكرت الرسالة أن بعض الموظفين اتُّهموا بتبني أفكار خاصة، لمجرد نشرهم مقالات على وسائل التواصل تنتقد الحكومة الإسرائيلية، بينما لا يزال “غيب” يشغل منصبا مؤثرا بقليل من الشفافية، مع أن ميوله العَقدية معروفة تدعم إسرائيل.

بي بي سي تتخلى عن فيلم “غزة: الأطباء تحت الهجوم” ولكن صورته ستظل في ذهنك

وجاء في رد القناة: هذا القرار يُظهر مرة أخرى أن “بي بي سي” لا تُغطي أخبار إسرائيل من دون خوف أو محاباة، بل إن النقاشات الجادة بين فرقنا التحريرية جزء أساسي من العملية الصحافية. نحن نجري مناقشات مستمرة حول التغطية ونستمع إلى آراء موظفينا، ونرى أن من الأفضل أن تُجرى هذه النقاشات داخليا.

في ما يتعلق بتغطيتنا لغزة، فإن “بي بي سي” تلتزم التزاما تاما بالحياد، وقدمت تغطية شاملة وفعالة من المنطقة، تشمل الأخبار العاجلة والتحليلات والتحقيقات، إلى جانب أفلام وثائقية حائزة على جوائز، منها “الحياة والموت في غزة وغزة 101”.

ثم قالت إن الفيلم “يخاطر بخلق انطباع بالتحيّز”، فقط هكذا بلا تفكيك ولا تفسير منطقي.


إعلان