وثائقي “صُنع في إثيوبيا”.. ثلاث حكايات نسائية تجسد دراما الاستثمار الصيني في أفريقيا

قبل أن يوشك العقد الأول من الألفية الجديدة على الاكتمال، بدأت الصين أولى خطواتها المُتوغلة في العمق الأفريقي، فأنشأت عام 2008 مجمعا صناعيا بمدينة دوكيم جنوب شرق العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، يحوي بين أرجائه المُتسعة عشرات الشركات والهيئات الصناعية.
ولأن التحركات الكبرى تعقبها توابع أخرى، تختلف في القوة والتأثير، فقد تبدلت أحوال هذه البلدة الزراعية الهامشية، ولم تَعد تُدرك للهدوء سبيلا.
يشكل هذا التغير المُباغت محور الفيلم الوثائقي “صُنع في إثيوبيا” (Made in Ethiopia)، الذي أُنتج عام 2024، وكتبته وأخرجته الصحفية والمخرجة الصينية الأصل “شينان يو”، بالمشاركة مع الصحفي والمخرج البريطاني “ماكس دنكان”، وهو أولى تجاربهما الوثائقية الطويلة، بعد سنوات من العمل الصحفي الاستقصائي، وقد شاركت في الإنتاج شركات عدة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا والدنمارك وكوريا الجنوبية.
لذا فهو فيلم أفريقي المضمون والحكاية، لكنه مع ذلك لا يفقد عالميته الإنتاجية، وقد لاقى استحسانا نقديا في المهرجانات السينمائية الكبرى، وتُرجم ذلك الترحاب لاحقا في كمّ مقبول من الجوائز الدولية.
“صُنع في إثيوبيا”
نبدأ بعنوان الفيلم، فهو يوحي بما سيدور حوله النطاق السردي، فالمعنى هنا يخرج من أسر القصدية المباشرة إلى رحابة التعبير، التي تتسع إلى ما يرغب الفيلم بقوله والتعبير عنه.
يبدو السرد محملا بأكثر من طبقة، أولاها واضحة مباشرة، يُمكن تلخيص محتواها، في الرصد المُتعمق للتوغل الاقتصادي الصيني في الداخل الأفريقي، ونتاج ذلك التفاعل للكيانات الرأسمالية الكبرى، لا على الدولة المُستضيفة فحسب، بل على الفرد كذلك.
وهنا نصل إلى الطبقة الأعمق من الفيلم، وهي تُغزل على مهل وبحساسية فائقة، حيث فكرة الحلم الإنساني المشروع نحو الصعود والترقي إلى الأعلى، فيمتزج نسيج هذه الأفكار المتشابكة في مَعية واحدة، قوامها التأثيرات المضادة لسطوة الرأسمال.
ثلاث نساء
في الفيلم ثلاث نساء، لكل منهن حياتها، التي تبدلت سياقاتها المألوفة عن المعتاد، وسبب ذلك بدء إنشاء المنطقة الصناعية الصينية، فأولاهن المديرة الصينية لهذه المنطقة، والثانية العاملة الإثيوبية في أحد مصانع النسيج، أما الثالثة فقد استولت الشركات على أرضها الزراعية، ولم تتلق تعويضا لائقا عن ذلك التعدي.

هذا ما تدور حوله أحداث الفيلم، فهل نجح البناء العام في التعبير عما فيه من أفكار؟
لإجابة ذلك السؤال، ينبغي وضع الإطار السردي تحت المجهر، فقد اختار الفيلم أن تحمل بدايته من الرمزية والدلالة ما يكفي لإدخال المتفرج في صلب النسيج الفيلمي مباشرة.
ففي المشاهد الأولى نرى حفل زفاف تقليديا، يعقد قران فتاة إثيوبية بشاب صيني، والمدعوون مزيج مُختلط من ذوي البشرة السمراء والملامح الآسيوية، وفي إحدى اللقطات نرى الشاب يُقدم هدية مالية لأهل العروس، ثم يليها مشهد مطول لموكب الزفاف، تتراقص فيه السيارات قرب بوابات المدينة الصناعية الصينية.
أضلاع الحكاية
هذه المقدمة التي تسبق عناوين البداية، تُدخلنا مباشرة في جوهر الفيلم، فالنفاذ الصيني في العمق الأفريقي، يُشكل الجدار الأكبر من هوية الفيلم الفكرية، ولذلك جاء السرد ضمن هذا الفلك.
فهيكل السرد العام قائم على ثلاثة أضلاع رئيسية، لكل منها سرديته الخاصة، وبهذا التداخل بين هذه الحكاية وتلك، يُمكن حينها الإلمام بالسياق الكلي للفيلم.

فالضلع الأول يُقدم شخصية “موتو”، وهي المديرة الصينية للمنطقة الصناعية، فنراها بصفة دائمة ومستمرة في مراحل عملها، ثم ننتقل إلى الضلع المقابل، فنرى “بيتي” الإثيوبية تمارس عملها بأحد مصانع النسيج الصينية.
وأما الطرف الثالث فيدور حول “وركنيش”، التي فقدت أرضها الزراعية بعد استيلاء المنطقة الصناعية عليها، لأغراض التوسع والانتشار. فلكل شخصية قوساها الافتتاحي والختامي، وتدور حياتهن بين شقيها المتقابلين، التي تشهد ما تيسر من دراما الصعود والهبوط.
لذا يُمكن القول إننا أمام فيلم نسائي الشكل بامتياز، فالغَلبة هنا للعنصر النسائي، لا من الناحية العددية فحسب، بل من حيث الانحياز للكيف كذلك، فالموضوع يصاغ من هذه الزاوية النسائية، فتقدم الأمور المراد بلورة صياغتها الفكرية، وفق هذه الرؤية.
ولم تكن الرؤية منحازة لطرف على حساب الآخر، بل حاول السيناريو -قدر المستطاع- تقديم دعائم حكايته المُتشعبة، وفق منطق حيادي، لا يميل لكفة على حساب أخرى، وإن كانت الرؤية العامة تميل في باطنها للجانب الإنساني، المُشترك -بالمناسبة- بين كل الأطراف.
بين الهموم الشخصية والطموحات الكبرى
لا يقتصر الإطار الفيلمي على هؤلاء الأبطال الثلاثة فقط، بل في جعبته شخصيات أخرى، تتناثر على الرقعة السردية (90 دقيقة)، يُسهم كل منهم بدوره في إبراز الأحداث، حتى تتسنى قراءة دوافعها وإشاراتها بشكل منطقي وسليم الهيئة.
فالبداية مع “موتو” التي تتابع عملها الدؤوب في المنطقة الصناعية، تُدير أمور المصانع، وتستقبل الوفود الإثيوبية والدولية، وهي شخصية قوية التأثير، لكن أطراف الجانب الشخصي تنضح بين الحين والآخر.
فنراها في مشهد تُراسل ابنتها المراهقة، القابعة في الصين بعيدا عنها، ثم تدير رأسها ناحية الكاميرا قائلة إنها هذه الأيام ستُكمل عامها الرابع عشر في إثيوبيا، لذا يزداد شعورها بالانتماء الأفريقي يوما بعد يوم.

على الجانب الآخر، نرى “بيتي” التي ترافقها الكاميرا مع أصدقائها في ذهابهن إلى عملهن بالمصنع الصيني، ونتابع يوم العمل المشحون بالتوتر والضغط الهائل، ومن هذه الدوامة المتعاقبة من الانشغالات العملية التي لا تنتهي، تُفصح بطلتنا الصغيرة عن حلمها باستكمال تعليمها، فالفرص المتاحة تتضاعف لمن يتعلم اللغة الصينية، ويُمكنها الترقي من وظيفتها ذات الراتب الضئيل، لأخرى أكثر راحة وأكثر أجرا.
بجوار سور المدينة الصناعية، تقف عائلة “وركنيش”، يشكون من انعدام الاهتمام بقضيتهم، فقد أخلف المسؤول الحكومي وعده أكثر من مرة، سواء بتعويضهم عن أرضهم المسلوبة بأخرى أكثر خصوبة، أو بالتعويض المادي المستحق. ينظر الزوج إلى الأسوار المرتفعة، بغضب مشوب بالحقد والغل، نحو من كان سببا في تشتت أحلامه بعيدا.
ثم يغوص الفيلم في أحلام هؤلاء الناس، الذين يكافحون لتغيير وضعهم المادي والاجتماعي، ويتساوى الجميع في هذا المضمار، لا فرق بين صيني وإثيوبي، فالرغبة في تحقيق الذات، والوصول إلى مرفأ الحلم، هي غاية الأبطال القصوى.

تُرى ما الذي يدفع تلك المرأة إلى الاغتراب آلاف الأميال، بعيدا عن وطنها وعن ابنتها؟ وإذا اتسع قوس السؤال، ما الذي يجعل فتاة صغيرة تُقبل على العمل وقتا طويلا بأجر مُخزٍ؟
بلا شك تكمن الإجابة بين حروف كلمة واحدة فضفاضة المعنى، ألا وهي المال، والقدرة المادية هنا تُعادل تحقيق مستوى مقبول ولائق من الحياة الكريمة. وهل هذه الاشتراطات منحصرة في مكان بعينه؟
بين التوسع الرأسمالي والمجتمعات المحلية
الحق أن تلك الاشتراطات تتوفر نسبتها الكبرى في حدود المدينة الصناعية الكبرى، التي يسهم وجودها على الدوام والاستمرار، في خلق حالة من الركض واللهاث وراءها، فنرى على الشاشة شبانا إثيوبيين، ينتظرون أمام أسوار المجمع أدنى فرصة عمل متاحة.
وفي مشهد آخر نرى غيرة بعض الفتيات من “بيتي”، التي تعمل داخل المدينة الصينية، وعند هذه النقطة يُخبرنا التعليق الصوتي، بأن الاقتصاد الإثيوبي ذو فرص واعدة في النمو والتصاعد، لكن العلاقة العكسية بين الزيادة السكانية والتطورات الاقتصادية، أحدثت حالة من الارتخاء والبطالة المتكاثرة.
يخلق الفيلم على مدار خطه السردي حالة من المقارنة، داخلية كانت أم خارجية، فالنوع الأول يُمكن حصر سياقه في التضاد بين الصين وأساليبها الحديثة في العلم والإدارة، في مقابل التراجع الإثيوبي.
ومن ثم يُمكننا إحالة هذا الشق من المقارنة على من يعمل في جنة المدينة الصناعية، في مواجهة من يكتوي بنار البطالة خارج هذه المدينة، فيبدو بناء الفيلم العام قائما على هذه الحالة العامة من التضاد، وكأننا بين عالمين، لكل منهما مساره الخاص، الذي لا يتقاطع مع الآخر.

ومن أجل رؤية بالغة الوضوح، تقتنص الكاميرا ما يكفي ويفيض من المشاهد، التي تكشف عما يدور في أجواء العمق الإثيوبي، من نزاعات وصراعات سياسية وعِرقية لا تزال توابع آثارها حاضرة، وليس هذا فحسب، فنموذج الحياة البدائية لا يزال هو المُعتمد والمُسيطر، والشوارع الوعرة، والمنازل المتهالكة، خير دليل على معضلة الحياة، وما تكنه من صعوبة لا يمكن إغفالها.
في المقابل تبدو العاصمة أديس بابا أيسر حالا، فالمباني العالية المرتفعة -التي شيدتها في الأغلب الشركات الصينية- تُدثر النموذج البدائي بمظهر حداثي، لكن بين الحين والآخر ينفرط العقد، وتظهر البداوة الأفريقية وجهها الحقيقي، مما يسمح بخلق مزيج عجيب من التفاعل الثقافي.
فالمكان هنا يتشارك البطولة مع الشخصيات الرئيسية الثلاث، وكل منهن في رحى البحث عن حياة أفضل بهذا الحيز الجغرافي، ويسعى السرد إلى كشف الطبيعة المكانية والبشرية على نحو أكثر تفصيلا، وتلك حسنة تُحسب للفيلم، وتضيف إليه بعدا معرفيا وجماليا مُضاعفا.
اضطراب في العلاقات يسحق الفرد الإثيوبي
منذ سنوات عدة والعلاقات الصينية الإثيوبية في أفضل حالاتها السياسية والاقتصادية، لكن دوام الحال من المحال، فقد تعقدت الأمور حين تقاعست الحكومة الإثيوبية عن تنفيذ مهامها الموكلة إليها، من تسليم الدفعة الثانية من الأراضي، المقرر إنشاء ملحق جديد للمدينة الصناعية عليها.
فقد أضاعت جائحة كورونا الموارد المالية المُخصصة لهذا الشأن، فأصبح الطرفان في مواجهة، بينما تزداد معاناة الفرد الضائع بين تلك الكيانات الكبرى، لذا نرى مرة أخرى أسرة “وركنيش” أثناء اجتماع أهل القرية المجاورة لأسوار المجمع الصناعي، يبحثون مع عمدة المدينة السبل المُثلى للخروج من عنق هذه الأزمة، وفي هذا الإطار تتوالى الأحداث مُسرعة ومتدفقة الإيقاع، ويُصبغ النسيج الفيلمي بمسحة عابرة من الإثارة، تُدعم الشكل النهائي بجاذبية إضافية.

ومن ثم فالفيلم يكشف بين طياته مستويين للصراع، أحدهما يحتوي الآخر، فالصراع الدائر بين الحكومة الإثيوبية من ناحية والشركات الصينية الكبرى من جهة أخرى، يُفصح من داخله عن صراع أصغر حجما، لكنه أكثر شفافية وأعمق إنسانيا.
فكل من بطلات الفيلم تؤدي دورها المرسوم لها، لاستكمال مسار حياتها، وفق ما ترغب وما تطمح إليه، لكن هذه التأثيرات الخارجية، تُلقي بظلالها المباشرة غير المحسوسة على خططهن المستقبلية.
لذا تُصارع كل واحدة منهن ضد هذه الجعبة من الظروف المتشابكة والمعقدة، لإثبات حقها الوجودي، مما يسمح لهن بممارسة الحد الأدنى من الحياة، وفي هذا السياق تُخبرنا “موتو” عن رؤيتها نحو العامل الإثيوبي، قائلة إن حدود أحلامهم تتجاوز واقعهم الضيق، المحصور بالمعوقات والمُعضلات المتنوعة.
كتلة تنصهر فيها خيوط القماشة السردية
استكمالا لما سبق من حديث عن الصراع العام، الذي يبدو السرد مهموما برصده وتناول أسبابه، يُلاحظ ورود فكرة الصراع بين الهامش والمتن، فلكل بقعة مكانية سماتها الأسلوبية التي تختلف عن غيرها.
فالمنطقة الصناعية الصينية ومن يعمل داخل أسوارها، تقع ضمن إطار المتن، الذي ينعم بقدر من الأمان الاجتماعي، أما من هم بالخارج فيعانون من حصار الهامش، مثل بطلتنا “وركنيش”، التي تُجسد بحضورها إشارة دلالية لأضرار توسع الكيانات الرأسمالية على حساب الفرد.

وهكذا تبدو القماشة السردية مُحملة بعدد من الخيوط، كل منها يحوي فكرة ما، ثم تجتمع هذه الخطوط وتنصهر في كتلة واحدة، تؤدي جميعا إلى نفس المعنى المطلوب إيصال مراده.
وعندئذ يُمكن القول إن الصياغة السينمائية وفقت إلى حد كبير، في توليف الأفكار المتناثرة وفق سياق موحد، متميز الجودة الفنية، لا يخلو من جاذبية الأعمال الكبرى وبريقها، الباعثة على التفكير والتأمل.
نجاحات من رحم الصراع بين الهامش والمتن
مع مرور الزمن الفيلمي واندفاعه إلى الأمام، نصل إلى القوس المقابل من الحكاية، تنتقل الكاميرا بحرية بين البطلات الثلاث، كاشفة مصيرهن المتجدد، فالبداية مع “وركنيش” التي نالت عملا بالمنطقة الصناعية.
وأما “بيتي” فلا تزال تسعى لمواصلة تعليمها، بعد أن التحقت بوظيفة مكتبية مغايرة عن عملها السابق، وفي المقابل وبعد تصاعد التوترات بين إثيوبيا والصين، أسست “موتو” شركة لتصدير البن الأفريقي.
تنجح بطلاتنا في الانتقال من الحيز الهامشي إلى براح المتن، بعد تقديمهن قرابين الإصرار والعناد، للوصول إلى أهدافهن المُبتغاة، وفي الخلفية لا تزال القوة الصينية تزداد توسعا ونفوذا، كاشفة بين ثنايا هذا التطور المُتلاحق صياغة جديدة لأشكال التوسع المألوفة المتعارف عليها، فقد تبدلت السطوة العسكرية بأخرى اقتصادية مادية، لا يخفي بريقها اللامع ما ينطوي داخلها من قُبح مُستتر.
تُرى هل نُدرك ما خفي من أمور؟ أم سيقرص الجوع بطوننا ويدفعنا لتناول نصف التفاحة المسموم؟
رجاء عزيزي القارئ، انظر حولك وستطالعك الإجابة بلا ريب.
