“المخيمات”.. معركة الطلاب المرابطين في ساحات جامعة كولومبيا

كلما ظهر فيلم يشبه هذا الفيلم، طُرح السؤال الأثير؛ ألا وهو هل يمكن أن تتحول السينما -وثائقيا وروائيا- من أداة لتحفيز نقد المجتمعات وإظهار الحقائق، إلى وسيلة فعالة في تزييف الوعي، وتعطيل العقل عن التفكير الحر، باتخاذها أداة ترفيه فقط؟

يمثل هذا التساؤل محور كتاب “الواقع والخيال في السينما” للناقدة “باتريسيا إيف” (دار كنعان/ ترجمة شريف مبروكي).

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

يستكشف القارئ بعد وقت قصير من القراءة، أن ثمة أفلاما قليلة تعيد طرح السينما أداةً أصيلة للكشف، لا للتزييف المطلق كما ترى الكاتبة، وعموما فإن حصر السينما في أنها أداة تزييف أو وعي -على اختلاف استخدامها- تجعل المشاهد يرى كل خطاب سينمائي حقل تجارب كبيرا.

على خلفية تلك الفرضية، يبدو وثائقي “المخيمات” (The Encampments) وسيلة وعي خطابي مهم سينمائيا وواقعيا، يحتاج إلى تسليط الضوء عليه وتحليله.

يحاول المخرجان “مايكل ووركمان” و”كي بريتسكر”، أن يخلقا ذلك الخطاب التفاعلي، الذي يكشف الحقائق ببروزة الأكاذيب ودحضها، وذلك في فيلمهما “المخيمات”، الذي أنتجته شركة “ووترميلون”، وأتاحت عرضه على منصتها، مع عدد كبير من الإنتاجات الفلسطينية.

الملصق الدعائي لفيلم “المخيّمات”

يفتح الفيلم الوثائقي آفاقا رحبة للحديث عن فلسطين اليوم، من داخل جامعة كولومبيا الأمريكية، فنرى قصة استثنائية لثلاثة من قادة الطلاب في الجامعة؛ وهم محمود خليل، وهو فلسطيني الأصل، كُلف بتقديم مطالب زملائه، بصفته مفاوض الطلاب مع إدارة الجامعة. والطالب اليهودي “مينر”، وهو قائد في اتحاد عمال الطلاب، ومعهما حضور نسائي ملهم من “سويدا بولات”، وهي طالبة دراسات عليا في مجال حقوق الإنسان.

يتحدث الثلاثة عن أسباب انضمامهم لجامعة كولومبيا، ثم شعورهم برغبة ملحة في تنظيم احتجاج على حرب غزة، يكون مباشرا قطعيا بسيطا بدرجة مزعجة، ففي مخيم كبير بلغ 50 خيمة تحت شعار “مخيم التضامن مع غزة” طلاب لا يريدون أن تستخدم الأموال التي يدفعونها لجامعة كولومبيا لقتل الأبرياء في غزة.

وهم في مطالبتهم بعدم استثمار جامعتهم في شركات الأسلحة، يتذكرون أسلافهم من الطلاب الناشطين الذين تظاهروا ضد حرب فيتنام في الستينيات والسبعينيات، وهي صلة تاريخية يبرزها صانعا الفيلم بوضوح باستخدام لقطات أرشيفية. هكذا تبنى حبكة الفيلم على متابعة رغبة الطلبة في قطع التمويل، أما الجامعة فتخشى ردود الأفعال الصهيونية.

خيم الاعتصام تضامنا مع غزة في حديقة جامعة كولومبيا

قبل تحليل الخطاب العام في الفيلم، ربما يحسن بنا فهم اسمه، فثمة فرق كبير بين كلمة (camp) وبين (Encampments)، فهذه تعني كثيرا من المعاناة أثناء صناعته، لا لمجرد الرفاهية أو حتى الاختيار، فالمخيم في المعنى الذي اختاره الفيلم هنا يضطر الإنسان لصناعته في ظروف قاسية، وهو يجمع طلاب الجامعة ليحكي بحوارات أمام الكاميرا.

خلفيات شتى تجمعها قضية واحدة

تنتقل أهمية الحديث عن غزة هنا -المهم في ذاته على كل حال- إلى زاوية نادرة لا تقل أهمية، فهي تجعل الحراك الخطابي المعرفي هذه المرة من طلاب في مقتبل أعمارهم، خلفياتهم الثقافية والمعرفية مختلفة ومتفرقة بين دول كثيرة.

يؤدي ذلك إلى توسع الحديث عن القضية عموما، كما يجعل المواجهة العنيفة معهم دليلا قطعيا على أن العنف هو وحده منهجية التصدي لكل حديث عن غزة، حتى وإن جاء من طلاب ليس لهم انتماء حزبي تتحجج به السلطات، لتمارس العنف في كل مرة.

يظهر ذلك من مشاهد مفتاحية، تبيّن كيف اضطرتهم الظروف للاعتصام في المخيمات، التي تعطّل دراستهم وتعرّضهم للخطر.

تمدد الاحتجاجات ضد الإبادة الصهيونية في غزة إلى عدد من الجامعات الأمريكية

قبل أن يبدأ الفيلم، نشاهد شاشة سوداء، ويطرح المخرج سؤاله من وراء الشاشة، ثم تظهر أسماء الصنّاع في عمل يبدو شبيها بنشرة أخبار طويلة عن الوضع، يحكي الحدث ويدلّل على سياقاته، ولا يلجأ في ذلك إلى أي جماليات بصرية أو صوتية تخفّف حدة المأساة، فما هي إلا مقاطع من برامج حوارية، تدين المتظاهرين السلميين، وتصفهم بالإرهاب.

إنها لبداية مربكة تؤهل لخطة المخرجَين، بما أن العمل برمّته مواجهة للأكاذيب عموما، وعن هؤلاء الطلاب تحديدا.

ازدواجية المعايير بين روسيا وإسرائيل

يبدأ الفيلم بإعلانات قرار الاحتجاج الرسمي في شهر أبريل/ نيسان 2024، عندما أقام الطلاب معسكرا في ساحة الجامعة، وملؤوا حديقة “إيست بتلر” الداخلية بالخيم.

لقد استلهمت الجامعة ذلك من مظاهرات الحرم الجامعي المناهضة لحرب فيتنام في الستينيات، ويبدو أن لديها تاريخا استثنائيا مع شتى الحكومات الأمريكية. كان المطلب الوحيد إنهاء استثمار كولومبيا المباشر وغير المباشر في إسرائيل، تماما كما فعلت قبل قليل بقطع دعم روسيا، بعد حرب أوكرانيا.

صور من مظاهرات الحرم الجامعي المناهضة لحرب فيتنام في الستينيات

أدت الاحتجاجات الأولى إلى سحب استثمارات الجامعة من روسيا، بسبب الإرهاب الذي أدته في أوكرانيا، لكنها لم تلتفت للمطلب الفلسطيني. تقف القصة الروسية الأوكرانية في كل مرة، لإظهار مدى ازدواجية المعايير الغربية الأمريكية في التعامل مع حقوق الإنسان، ولا تجد إدارة الجامعة أدنى حجة باستثناء الرفض الصامت غير المبرر، أمام استمرار الاستثمار في إسرائيل، ولم تتحرك لإدانة شيء في فلسطين.

استمرت الاحتجاجات مع العجز عن تحقق المطالب، وتصاعدت حدة الإقبال، حتى احتل الطلاب مبنى جامعيا كاملا، ثم انتشرت العدوى الحميدة رويدا رويدا في جامعات أمريكية أخرى، ولقيت رئيسة جامعة كولومبيا نعمت شفيق ضغوطا محرجة، وهي من أصل عربي.

في نحو 80 دقيقة فقط، يروي فيلم “المخيمات” تلك القصة القادمة من عناوين الأخبار، في فيلم يشبه نشرة موجزة حزينة، لا تبلغ الأمور شيئا ملموسا بسبب الصمت العالمي، لكنها على الأقل تدينه في كل خطوة.

يمثل الفيلم لقطة مونتاجية سريعة من أيام محددة، شهدت ولادة حركة احتجاجية أحرجت الكبار من الداخل، فعلى سبيل المثال عجز المتظاهرون عن دفع الجامعة إلى سحب استثماراتها، لكنها في النهاية أدّت إلى استقالة رئيستها ذات الأصول العربية المتواطئة مع الاحتلال نعمت شفيق، بعدما سمحت للشرطة بالتدخل لفض المخيمات، وإخافة القادم بعدها.

كما رفعت الوعي المؤيد للشعب الفلسطيني الذي يباد، فكانت تضحية مثالية يمكن البناء عليها. ربما تبدو تلك النقاط تحديدا مساحة مرنة للحديث عن جدوى الحديث السلمي، الذي يحقق دوره بمجرد الانتشار.

طلاب ضد إسرائيل من كل العالم

وضعت تلك اللقطات القصيرة إجمالا المشاهد العربي في حالة تساؤل، فحين يرى الجامعات الأمريكية تطرح قضية فلسطين بتلك الجرأة والقوة، يسأل: أين موقع الجامعات العربية وطلابها؟

أحيانا تبدو إجابة التساؤل في أسباب شتى، يطول شرح سياقاتها، وأحيانا أخرى تكون منطقية، وتظهر الإجابة في الهيمنة الأمنية، التي تحكم حركة الطلاب داخل الجامعات العربية عموما.

طلاب يهود يعتصمون ضد الإبادة في غزة

الفيلم خطاب مفتوح، لكنه خطاب توعوي حاد وقاس، يعتمد على إظهار دعم أناس ليست لديهم مصلحة، بل تتعطل مصلحتهم الأساسية تعليميا، وإظهار ما تروّج له إسرائيل.

القوة هنا قوة خطاب أولا أكثر من كونها بصرية أو سمعية؛ فالكاميرا تنقل الكلمات، والموسيقى ليست إلا مؤهلا لنقل الإحساس المضطرب المستمر، الذي يعانيه الطلبة بين المظاهرات والواقع الذي يحتاج لبعض الهدوء، وتؤهل للتورط أكثر فيما يقال. وأما المونتاج فيجعل المشاهد يلهث مع حركة الطلاب المستمرة الغاضبة، ثم يتوقف لحظات لالتقاط الأنفاس.

في أحد مشاهد الفيلم، تظهر فتاة يهودية من داخل الجامعة، تقول في البوق: عندما تقول الجامعة إن اليهود آمنين في كولومبيا، فإنهم يقصدون اليهود الذين يؤيدون إسرائيل. هكذا يقف بعض اليهود في كولومبيا رافضين لإسرائيل في كل مكان. تبدو تلك نقطة قوية جوهرية في الفيلم؛ تجمع بين فئات شديدة الاختلاف والتباين داخل إطار واحد.

رئيسة جامعة كولومبيا العربية الأصل المتواطئة مع الإبادة في جلسة التحقيق معها قبيل استقالتها

تظهر مدافعات عن إسرائيل، يرين الوقوف في المخيم “معادة للسامية”، وتلك تهمة جاهزة من بين كل التهم لوصم البعض للأبد، ومن مواقع قوة خطاب الفيلم إظهار تلك التهمة التلقائية، التي يتبناها الخطاب المناهض لأي تأييد فلسطيني، وهو اتهام قادر على تدمير أي إنسان في الغرب والشرق، وهو ذاته ما دعا رئيسة الجامعة لأن تدين التظاهر، لكونه “معاديا للسامية”، بلا سياق واضح أو مفهوم.

أيام “ترامب”.. العهد الجديد يحمل الأسوأ

تتناص مشاهد الفيلم بين إظهار الدعم والصور القادمة من غزة، التي تطالب الإدارة وكل مشاهد بمواصلة المطالبة بوقف الحرب، وإدانة العدوان الصهيوني بالإبادة الجماعية التي يمارسها، وقد تكررت الفظائع في أيام “دونالد ترامب” كما في آخر عهد “جو بايدن”، بل يمكن القول إن الأحداث قد تجاوزتها.

ينتهي الفيلم مع بطله محمود خليل، الذي يقول: إذا فشلت الاحتجاجات ورُحلت، فسأعيش.

ولم يكن يدري أن الأسوأ في الطريق، وأن الصمت الأمريكي عن الإبادة سيصبح في عهد “ترامب” دعما علنيا، وقد اعتُقل محمود، ووضع في سجن لويزيانا الأمريكي نتيجة عمله السلمي.

ومن داخل محبسه، يثبت تأييد الإدراة الأمريكية غير المشروط لإسرائيل، وربما يتسبب في إعادة التفكير في وضع العالم، وكيفية نجاة كل فلسطيني عربي من ذلك. لكنه في النهاية خرج، ولم تستطع القوانين الصهيونية في أمريكا أن تبقيه في محبسه.

الطالب محمود خليل بعد الإفراج عنه

فيلم “المخيمات” عمل يثبت مدى أهمية السينما، فهي الأداة الكاشفة في لحظة يحتكم فيها العالم إلى قتلة أو مؤيدين للقتل بالدعم والصمت. يضع غزة في قلب عالم مزدوج المعايير، في قلب احتجاجات عالمية، كما كانت في احتجاجات محلية، قد تحرك الماء الراكد.

يخبرنا الفيلم بمدى قوة الخطاب ومشروعيته، وتأثيره غير المحدود على كل حال، في عمل قاس مع أنه مباشر، ويمكن النفاذ منه إلى الداخل العربي للمساءلة عن دوره، والخارج العالمي للمساءلة عن موقفه.


إعلان