“نون”

ندى الأزهري- مسقط

موضوع أثير في الآونة الأخيرة … اضطهاد الأقليات في الشرق. ” نون” مثل نصراني، علامة تضعها داعش على أبواب بيوت المسيحيين في مناطق سيطرتها ليلحق بهم بعدها إما التهجير أو التعذيب أو القتل. عايدة شلَبْفَر الحسني تعتبر من ” واجبها” الحديث عن قضايا وطنها الأم على الرغم من هجرتها منه وهي في التاسعة من عمرها. قررت التحرِّي والذهاب إلى العراق لتحقق فيلما وثائقيا عن التهجير القسري للمسيحيين. قضت وقتا في مخيماتهم لتخرج عملا من قلب الحدث، فكان” نون”، فيلما حساس مؤثرا بأسلوب صاحبته الحميمي البعيد عن ” برودة” و” حياد” الوثائقي، يسرد في خمس وعشرين دقيقة أحزان كل إنسان فقد عزيزا ومعاناة كل إنسان اضطر لترك أمكنته.

“عايدة شلَبْفَر الحسني” مخرجة ورسامة ولدت في بغداد عام  1970 وتركته مرغمة برفقة والدها العراقي وأمها اللبنانية  للعيش في لبنان. درست الفنون الجميلة والتصميم في زيوريخ بسويسرا ثم التحقت بمعهد السينما في القاهرة لدراسة الإخراج.

عُرض فيلمها ” نون” في مهرجان مسقط السينمائي مشاركا في مسابقة الفيلم التسجيلي، هناك التقينا المخرجة ..

 

تتنقلين منذ الطفولة، في البداية قسرا ثم باختيارك .. هل كان لهذا أثره في رغبتك بالحديث عن التهجير القسري وترك الأمكنة؟

اضطر والدي لترك العراق وكنت في التاسعة وعشنا في بيروت، فوالدتي لبنانية. ثم قررت في التسعينيات الذهاب إلى سويسرا لدراسة الفنون الجميلة. عملت بعدها في التلفزيون السويسري في الوثائقي والفيديو آرت. حين قررت الذهاب إلى مصر لدراسة الإخراج كنت بعيدة كل البعد عن الأجواء العربية …

 

ماذا شكلّت لك العودة والعيش في بلد عربي بعد سنوات في الغرب؟

في الأصل لم أتغير! كنت على الدوام متمسكة بجذوري العربية. لكن حياتي في مصر جعلتني أقتر  أكثر من هذه الثقافة التي تحيا بداخلي. كانت أحلى أيام عمري تلك التي قضيتها هناك في نهاية التسعينيات وبداية الألفية. ثم لم أكف عن التنقل والعمل بين مصر وسويسرا  وكنت أنتج إعلانات وأفلاما للتلفزيون الألماني.

 

نعود إلى رغبتك بالعودة للعراق واختيارك لعمل هذا الفيلم ..

لا أحبذ فكرة الحديث عن واقع لا نعيشه، على سبيل المثال ثمة مخرجة أميركية حققت فيلما روائيا عن    العراق  وحين اختارت الممثلين تجاهلت تماما الجمهور العراقي والعربي الذي سيكشف اللهجة المختلفة عن لهجة أهل البلد. حين لا تعايش الواقع بل وتنغمس فيه سيكون لديك صورة مغايرة عنه وسيختلف أسلوب تناولك له.  فيما يخصني لم تكن معاناة الناس في العراق غريبة عليّ، لقد عشتها وعشت الحرب والتهجير مع أهلي منذ صغري. هنالك في العراق لم يصدقوا أنني لست مسيحية، كان هذا بسبب إحساسي  العميق بمعاناتهم وإدراكي لأوضاعهم أكثر من شخص لم يضع قدمه في العراق مثلا أو اكتفى بالمرور فيها سريعا ليكتب تحقيقا أو ينجز مشاهد من فيلم.

[[{“attributes”:{},”fields”:{}}]]

كلامك يُظهر ارتباطا شديدا بالعراق ولكن كل من يراك يشعر بهذا الارتباط التلقائي بمصر! هل حققت أفلاما خلال إقامتك هناك؟

تركت مصر وقلبي معلق بهذا البلد في 2009. كنت أقضي إجازتي الشتوية فيه وحتى حدوث الثورة، حينها بات من الصعب العيش بمفردي هناك. لقد حققت فيلما فيها عام 2011عن المصابين بعيونهم في الثورة عنوانه” أنا اسمي مواطن مصري” ترشّح للجائزة الذهبية في مهرجان الجزيرة لحقوق الإنسان.

 

هذا هو فيلمك الوثائقي الخامس، هل ستكتفين بالأفلام الوثائقية؟ ألا تحلمين بفيلم روائي طويل؟

حققت فيلما روائيا قصيرا وآخر تجريبيا. أحب الكوميديا وأحلم بإنجاز فيلم كوميدي ورومانسي طويل. إنما وضعنا الحالي يقودني في اتجاه آخر، إنه يحتّم علينا فعل شيء من أجل الناس. منذ ثلاثين عاما تواجهنا قضايا إنسانية، وإن تطرق لها البعض فهي ما زالت بحاجة للمزيد من إلقاء الضوء. أشعر بأنه واجب عليّ أن اقوم بهذا، إنه على نحو ما مهمة علي تأديتها!

 

تقصدين في العالم العربي خاصة أم في العالم أجمع؟

في سويسرا ثمة قضايا كالدعارة المثلية لم يحاولوا تناولها أو فهم الظروف المحيطة بها… عالمنا  العربي يتعرض للأزمات وللاضطهاد، وكما قلت فحين نعرف المكان ونفهم خصائصه فإن الحديث عنه يغدو أكثر شمولا وعمقا، وبهذا نستطيع بإخلاص إيصال صورة واقعية عما يعايشه الناس هناك. أتساءل باستمرار كيف يمكن الحديث عن مكان دون الذهاب إليه والعيش فيه فترة من الزمن؟!

 

هل تكتبين سيناريو لأفلامك؟ أم تتركين الواقع يحدد لك خطاك؟ كيف جاءتك فكرة هذا الفيلم؟

كانت الفكرة في البداية عن اضطهاد الأقليات، ثم اتخذ الفيلم منحى آخر بعد وصول داعش،  وفرض عليّ السيناريو نفسه. أخذت مني مرحلة التحضير سنة فأنا أعتمد البحث في المصادر لكتابة السيناريو ووضع تصوري للفيلم. إنما في كثير من الأحيان  يفرض الواقع نفسه على الفيلم الوثائقي. على سبيل المثال لم تكن فقرة الأطفال مبرمجة في الفيلم. حين نطقت مريم بعبارة “نرجع لبيوتنا” عاودتني على الفور ذكرياتي، رائحة الشوارع، مدرستي، الراهبة التي كنت أعتبرها كأمي وحرمت منها بسبب تهجيرنا. تلك الطفلة مريم تقدمت نحوي وشدتني من كمي ونظرت إلي وهي تقول”عندي شيء أقوله للعالم”.  كانت في مثل عمري حين غادرتُ  العراق. لقد نبهني البعض إلى أن وجود الأطفال في الفيلم قد يحرمني من بعض الجوائز، فهو يعتبر محاولة لمسّ المشاعر والتأثير واستغلال عواطف الناس الذين يتحسسون بشكل خاص لأوضاع الصغار. لكنني لم أهتم، فالجوائز لا تهمني بقدر ما يهمني تنبيه المجتمع لهذه الطفلة وللآخرين كي لا يُحرموا فوق حرمانهم، فهذا قد يجعلهم يرتكبون ما يُندم عليه.

 

لاحظنا تفاوتا في نوعية ومستوى الإجابات بين شخص وآخر، كيف كنت تتعاملين مع المشاركين؟ هل كنت تطرحين أسئلة موحدة محضرة سلفا؟

مع رجال الدين حضّرت الأسئلة بناء على البحث العلمي الذي أجريته. ولكن مع المهجرين جاءت الأسئلة عفوية وكانت حسب الشخص. وددت لو عشت معهم أكثر! بيد أن الحكومة طلبت مني وفريقي المغادرة فعلى بُعد ثلاثين دقيقة من أربيل كانت داعش! غادرني فريقي وكانوا من الشيعة، فلا مزاح مع داعش حين يتعلق الأمر بهؤلاء! استعنت بمسيحي من المهجرين وكانت الأخطار تحيط بنا ولا نعرف من أين يمكن أن تهبط علينا، فثمة جواسيس في كل مكان، والأجواء عاصفة… تركت أربيل إلى بغداد التي اضطررت لتركها أيضا بعد ذلك.

 

في الفيلم حديث للمطران عن ” خطة ممنهجة” ضد المسيحيين؟ من كان يقصد؟

يتهم المسيحيون الغرب بتحضير خطة لإخلاء الشرق من المسيحيين وإعطائهم إمكانية الهجرة بهذا الغرض. إنها خطة تحويل الشرق إلى وحش ينهش بعضه وإنشاء دولة إسلامية تبرر وجود دولة إسرائيل. لقد رفض جزء كبير من المسيحيين هذه الخطة كما رفضت خطة تقسيم العراق بين سنة وشيعة وأكراد. هذا رأيي الشخصي فالهدف الرئيسي هو التقسيم. فقد الثقة بالأرض للمسيحي”لا مستقبل لنا في هذه الأرض”.

 

سئلت من قبل الجمهور في مسقط عن سبب غياب شهادات لمسلمين في الفيلم تبرز مواقفهم تجاه ما يحصل للمسيحيين ..

وجدت أن إدراج شهادات لمسلمين هو بمثابة اتهام لهم ومحاولة لدفع الشبهة عنهم. وأنا لا أفكر ولو للحظة واحدة أن الإسلام دين عنف، حتى المسيحيين الذي التقيتهم كانوا يستخدمون باستمرار تعبير إرهابيين لوصف من يضطهدهم وليس مسلمين.

كما لم تركزي على وجود المقاتلين والجيوش، أظهرت الجيش الأمريكي في مشهد واحد على ما أظن!

اكتفيت باختيار مشهد دخول الأميركيين للعراق ومشهد آخر لدخول داعش إلى الموصل. ويا للشبه! في مواقف كهذه تكفيني الصورة للتعبير عما أريده!

[[{“attributes”:{},”fields”:{}}]]

كيف تمّ التصوير، وجدنا أنك اعتمدت أحيانا صورة ” فجة” للتعبير عن موقف ما، كتلك التي تجلس فيها امرأتان وكل منهما تحمل لوحة كبيرة عليها صورة واسم ابنها الفقيد.

 كانت الصورة في بعض المواقف آخر همي كما يقال! في ذلك المشهد نبهني المصور إلى أن الكادر غير مناسب. فصرخت فيه: عمّ تتحدث!! الأم المكلومة اختارت الوضعية التي أرادت الظهور عليها، شعرت بعفوية بضرورة حمل صورة ابنها وهي تسرد كيف كانت تجمع أشلاءه كي تستطيع دفنه.. وهو( المصور) يحكي عن الكادر!! عن أي كادر تتحدث…( دمعت عيناها).

 

كنت بجانبك خلال عرض الفيلم ورأيتك تمسحين دموعك، كما فعلتُ، لاسيما عند حديث الأم ومريم!

( ابتسمت) كما يحصل في كل مرة من المرات المائة التي شاهدت فيها عرض الفيلم!


إعلان