“سعيد خلاف”.. السينما من أجل الإنسانية

ضاوية خليفة – وهران

ابتعد المخرج المغربي “سعيد خلاف”، في فيلم “مسافة الميل بحذائي” عن المحاولات الإرهابية، الرامية لزعزعة استقرار الدول، والشعوب العربية، واقترب من مجتمعه، فاختار للمشاهد قصة اجتماعية، امتحن فيها قيمته الإنسانية، وشرع منذ 2005 في نسج خيوط القضية، في توليفة سينمائية مسرحية، عرضت هنا وحازت التتويج هناك، وعملت على خلق تراكم وانطباع طيب في النفوس والضمائر الحية، باختصار هي قصة طفل، فشاب يدعى “سعيد”، جعلته الأيام والظروف الاجتماعية “شقيا”، أخذت منه الكثير ولم تمنحه سوى القليل، دفعته ليصبح مجرما ظاهريا، ومن الداخل كان إنسانا حقيقيا، عن أطفال الشارع يحدثنا “سعيد خلاف”، في فيلمه الطويل، الذي يعزز المشهد السينمائي، لبلد ينتج أكثر من عشرين فيلم في السنة، يتمتع بمتسع من الحرية، ويحظى بدعم حكومي كبير، أرضية ومناخ أسس له وناضل لأجله جيل كامل من السينمائيين بالمغرب.

المخرج "سعيد خلاّف" والممثلة "نفيسة بنشهيدة" أثناء التصوير

إلى أي مدى هو مهم في الوقت الراهن، أن تعود السينما لتحاكي القصص الإنسانية، وتقدم دروس اجتماعية وقيم أخلاقية للفرد والمشاهد؟

الاختيار تحدده توجهات وثقافة المخرج، فالمبدع الذي يكون قريب من مجتمعه وثقافته، سيهتم بطرح الإشكالية لا الحل، لأنه غير متخصص في ذلك، لذا أظن أنه لو اعتنينا بالجانب الإنساني نكون قد ضمنا الخطوة الأولى لحل المشاكل المتبقية في أوطاننا، لأن الإنسانية أكبر القيم المفقودة في مجتمعاتنا الحالية، التي تشهد أوضاعا متأزمة، تحضر فيها صور القتل المتعمد والتنكيل بالجثث، والتعنيف الممارس بطريقة وحشية على الإنسان، فالقصص الإنسانية من وجهة نظري، من أهم المواضيع التي على المخرج أن يتطرق ويلتفت اليها، ونحن بحاجة اليوم أكثر من السابق، لطرح هذه النماذج من خلال هذه البوابة الفنية. 

أخذت في البداية متسعا من الوقت، قبل الخوض في قصة “سعيد”، وبناء الشخصية، خلقت في المشاهد حالة نفسية، ومنحته في النهاية لحظة أمل وسعادة حقيقية، وفي الأخير ختمت فيلمك بعبارة قوية..

عنوان الفيلم “مسافة الميل بحذائي” مأخوذ من عبارة إنجليزية، تعني بالعربية “أنت لا تعرفني حتى تقطع مسافة الألف ميل بحذائي”، وتشير إلى ضرورة التروي قبل إصدار أحكام على الناس، أو استباق الأحداث، وإن أردنا ذلك علينا أن نضع أنفسنا في نفس الظروف التي يعيشها من ننتقده، ونصفه بالمجرم، وهو القالب الذي كتبت وفقه فيلمي، اعتبره دعوة صريحة للاهتمام بأطفال الشوارع، لأنهم بشر مثلنا، تتجلى فيهم صور الصدق والحب والصداقة، ولا علاقة لهم بالوضيعة التي وجدوا أنفسهم فيها، فالمجتمع هو من يصنع منا مجرمين، كنت أتمنى أن تكون لدي نفس صفات الشخصية الرئيسة التي قدمتها في الفيلم، الخطأ والضعف وارد عند كل واحد منا، أشير هنا أن عنوان الفيلم في السابق كان “صنع في الدار البيضاء”، المدينة التي تكّون وعاش فيها بطل القصة أو المجرم، ولكن في مرحلة ما من الكتابة، قررت أن لا أعطي الموضوع أي انتماء جغرافي، أو أقيده بمكان ما، كونه يعد ظاهرة عالمية، ومنتشرة أكثر في كل دول العالم الثالث، حاولت أن لا يكون هناك تلميح، أو إشارة، أو دلالة توحي بالبيئة التي تدور فيها الأحداث، رغم أن بعض الشوارع معروفة، لذا جردت العمل من أي انتماء، حتى اللهجة، والملابس، والمسرح الذي أدخلته في العمل جردته من ذاك الإطار.

مشهد من الفيلم يظهر فيه الممثل "أمين ناجي" بطل الفيلم

اختيار المخرج للممثلين، وحُسن إدارته لهم، يقود البعض للتنبؤ بنجاح العمل أو فشله، في فيلمك هذا اعتمدت على أبرز نجوم السينما المغربية، كيف جاء اختيارك للممثلين وتعاملك معهم؟ 

حسب بعض الكتب التي قرأتها، فان الكثير من المخرجين، لديهم إيمان قوي، بأن الكاستينغ يساهم بنسبة 90 بالمائة في نجاح الفيلم، من عدمه، فان غاب هذا العامل، وتوفرت لديك أحدث التقنيات والتكنولوجيات المتطورة، والميزانية الكبيرة، فلا تنتظر أن يحض فيلمك بالقبول الجماهيري والنجاح، شخصيا لم تتدخل العلاقات الخاصة، في اختياراتي للممثلين، ولم يفرض عليا أو يقترح الزملاء والأصدقاء أسماء معينة، انتقيت من شعرت بامتلاكهم القدرة على الإقناع، وإيصال ذلك الوعي والإحساس والهم الإنساني، “مسافة الميل بحذائي”، يمكن القول أنه الفيلم المغربي الوحيد، الذي شارك فيه سبعة نجوم، بينما تجلب باقي الأفلام نجم إلى نجمين، لضعف الميزانية، لكن إيماني بالموضوع الحساس، والقضية الإنسانية التي أطرحها، جعلني أغامر بكل شيء، لأحصل على هذه النتائج.

خلال التصوير تدخلت وطلبت من الممثلين إعادة بعض اللقطات، ما السبب؟

لا يمكن للمخرج أن يستبعد إحساسه في أي عمل، فالإحساس لغة راقية، تفهم من سياق النظرة وملامح الفرد، خلال التصوير كنت أتابع المشاهد، بعضها لم تصلني، فاضطررت لتوقيف التصوير، كان معنا ممثل، لديه ما يسمى في تكوين الممثلين بالسمع، بمعنى أنه كان يحفظ الحوار وينتظر دوره ليقدمه، وهذا لم يشعرني بالتلاحم والتفاعل بين الشخصيات، فطلبت منه أن يكون تلقائيا في تعامله مع الكاميرا وزملاءه، وهنا أفتح قوس لأذكر حادثة بسيطة، عندما أتاني أحد المخرجين، وأخبرني بأنه يواجه نفس المشكلة مع هذا الممثل، وسألني عن الطريقة التي تعاملت بها معه لأتجاوز المشكلة، وهذه شهادة جميلة أعتز بها، ربما السر يكمن في تجربتي كممثل مسرحي، إحساسي خدمني، وساعدني في تعاملي مع الممثلين بهذا الشكل.

ملصق فيلم " مسافة ميل"

اتجه بعض المخرجين الجزائريين، للاقتباس من النصوص الأدبية المغربية، مثل “رشيد بن حاج” الذي اقتبس “الخبز الحافي” لمحمد شكري، و “نجم الجزائر” لعزيز شواكي، بينما تفاعُل السينمائي المغربي بين الأدب والسينما يكاد ينعدم، ألا تفكر في دخول هذه التجربة؟

لا يمكن أن أعمل على موضوع ونص أدبي لا يثيرني، بحاجة إلى رواية تجذبني، حتى أفكر في تحويلها إلى عمل سينمائي، قرأت مثلا للكاتب الراحل “محمد زفزاف” قصص قصيرة جميلة جدا، غير ذلك لم أنجذب إلى كتابات أخرى، السينما هي عبارة عن موضوع أطرحه من زاوية ما، وحكاية معينة أقدمها في سرد سينمائي، بتركيبة إبداعية، فمن الضروري أن يتوفر في النص الأدبي، أو حتى الذي أكتبه بنفسي موضوع محدد، يستحق أن يتعزز بها الرصيد السينمائي ويكون قيمة مضافة للمجتمع والإنسانية، حاليا أشتغل على فيلم موضوعه جد حساس، تم تناوله سابقا في السينما المغربية، لكني سأتطرق إليه من زاوية مختلفة، وسأقدم تفاصيل أكثر عنه في الوقت المناسب.