نجيب بلقاضي للوثائقية: لا أفكر في الجوائز وأفلامي خارج الأحداث

حوار: بلال المازني

المخرج والممثل نجيب بلقاضي في مسلسل تاج الحاضرة

بداية من الساعة السادسة مساء كنا نتسمر أمام التلفاز في انتظار برنامج بعين، كانت فترة أواخر التسعينيات حيث السلطة الواحدة والإعلام الواحد والتلفزة الواحدة.

وفي كل ذلك كان يخرج علينا شاب هو نجيب بلقاضي يضرب عرض الحائط بنواميس القيود والإعلام الكلاسيكي في برنامج مختلف وجريء.

ومن هناك بدأت رحلة المخرج الشاب تتسع في ديالكتيكية (جدل) خلف الكاميرا وأمامها. رحلة بقيت محافظة على تميز غريب جعل نجم نجيب بلقاضي يسطع في التمثيل والإخراج حتى أصبح ظاهرة فنية تطالبنا بالمتابعة خاصة بعد نجاح غير مسبوق لفيلمه الأخير “في عينيا”.

تحاور الوثائقية الممثل والمخرج التونسي نجيب بلقاضي لتتقصى تجربة وأعمالا ليست كغيرها.

 

 

  • تجربة متنوعة أمام الكاميرا وخلفها خاضها نجيب بلقاضي في مسيرة تُقارب العقدين من الزمان تكللت بعشرات الجوائز وبإشادة كبيرة من النقاد وأنتجت مدرسة مختلفة عن المألوف.. ليتك تلخص لنا هذه المسيرة الزاخرة

في البداية أنا شخص محب للسينما وممثل بالأساس، بدأت مسيرتي بالتمثيل ثم الإخراج والإنتاج، من مؤسسي شركة بروباغندا برودكشن (Propaganda Production)، وأنا أيضا دي جي (منسق موسيقي)، وهو عمل أعشقه بنفس الدرجة مع السينما.

أنجزت أربعة أفلام، فيلمين وثائقيين وفيلمين روائيين، الأول فيلم “في إتش أس كحلوشة” عام 2006 والذي حصل على المهر الذهبي في دبي وعُرض في مهرجان كان الدولي وشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان سان دانس وحصل على جوائز كثيرة.

ثم أنجزت فيلم “باستاردو” وشاركت بهذا الفيلم في مهرجان تورونتو وحصل على 13 جائزة، إضافة إلى فيلم وثائقي بخصوص الثورة بعنوان “سبعة ونص” واخترت توزيعه في تونس فقط لأنني اعتقدت حينها أن الفيلم موجه بصفة خاصة للجمهور التونسي وجاء في إطار حركة شبه تحسيسية (توعوية) لانتخابات عام 2014.

وفيلمي الأخير “في عينيا” الذي عُرض مؤخرا في تونس بعد عرضه الأول في تورنتو وشارك في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج السينمائية وشارك في مهرجان تالين في أستونيا وشارك في المسابقة الرسمية بمهرجان مراكش حيث حصل نضال السعدي أحد أبطال الفيلم على جائزة أحسن ممثل في المهرجان.

  • يبدو أن التمثيل كان الباب الذي فتح لك الطريق للإخراج والشاشة الكبيرة، كيف بدأت تجربة التمثيل؟

كانت تجربتي الأولى في التمثيل في فيلم حبيبة مسيكة “رقصة النار” للمخرجة سلمى بكار سنة 1994، ولم أكن أفكر حينها في خوض تجربة التمثيل، فقد قدمني لها المرحوم المخرج إلياس الزرلي وكانت البداية من هناك، ثم خضت تجربة التمثيل في مسرحية “مدرسة النساء” للكاتب المسرحي الفرنسي موليير، ثم شاركت في مسلسل “الخطاب عالباب” وهو مسلسل تونسي ناجح جدا وربما أنجح مسلسل تونسي على الإطلاق.

نجيب بلقاضي: قدمت الفيلم لوزارة الثقافة سنة 2009 وحصلت على دعم سنتين قبل الثورة

  • تذكرني بالممثل الكبير دانيال داي لويس الذي قام بأدوار رائعة لكنها قليلة، لماذا تقوم بتجارب في التمثيل متباعدة زمنيا، لماذا لا يخوض نجيب بلقاضي تجارب متنوعة في التمثيل؟

وصلت في فترة ما إلى مستوى معين للقيام بالنقد الذاتي وتقييم أعمال الآخرين أيضا. وصراحة فإن مستوى المسلسلات في تونس لم يشجعني على التمثيل رغم أنني تلقيت عروضا كثيرة، بالإضافة إلى وضعي على القائمة السوداء في عهد الرئيس المخلوع زين الدين بن علي.

أن تقول لا وترفض عروضا للتمثيل في تونس هو شيء مهم جدا، وغالبا ما أرفض لأن أغلب الأعمال التي قُدمت لي لم ترضني ولم أجد في الأدوار المقترحة عمقا أو هامشا للإبداع، إضافة إلى ذلك فإن تجربة الإخراج كانت تستهويني أكثر رغم أنني أريد مواصلة التمثيل وسأخوض تجربة تمثيل جديدة في فيلم تونسي لمجدي السميري يصوّر بين مصر وروسيا.

التجارب الأخرى كانت هذا العام في مسلسل “تاج الحاضرة” وفي سنتي 2015 و2017، حصلت على جائزة أحسن ممثل في مسلسل “ليلة الشك”، ومثلت في فيلم قصير للمخرج قيس الماجري وهو مخرج جيد جدا، بالإضافة إلى الفيلم القصير “أسترا” لنضال قيقة وقد حصل على التانيت البرونزي في أيام قرطاج السينمائية وشارك في مهرجان دبي.

أنا أختار العروض الجدية والجيدة والأعمال التي يمكنني أن أقدم الإضافة فيها والتي لا تخجلني المشاركة فيها في المستقبل. مهنتي الإخراج وعشقي التمثيل، فإذا لم أجد متعتي في التمثيل فإنني لا أقبل أي دور ولا يهمني الظهور في التلفزة.

وأودّ التأكيد على أنني إذا قبلت دورا ما فإنني ألتزم بالفصل بين نجيب بلقاضي الممثل ونجيب بلقاضي المخرج ولا أتدخل إلا إذا تمت استشارتي في السيناريو مثلا.

تقديم فيلم في عينيا في مهرجان تورنتو السينمائي

  • في بداياتك عرفك الجمهور من خلال برنامج “شمس عليك” الذي كان يبث على قناة الأفق في أواخر التسعينيات، ويرى كثيرون أنه طفرة في مجال الإعلام ليس التونسي فقط بل العربي.. كيف بدأت هذه التجربة الفريدة؟

 اكتشفت عمل المخرج من خلال التمثيل وكان لدي شغف كبير بالكتابة وتيقنت أن الكاميرا أفضل وسيلة لنقل حكاية ما، ومن هناك بدأ شغفي بالسينما.

كانت خطواتي الأولى في عالم الإخراج من خلال البرنامج التلفزي “شمس عليك” الذي بُث في قناة الأفق التابعة لقنوات كنال+ (Canal+) في التسعينيات إلى غاية إغلاقها آخر 2001، وهو برنامج مس جيلا كاملا من الشباب الذي لا يزال أثره قائما في نفوس من تابعوه، وأعتبره نموذجا للبرامج الناجحة جدا، وقد أنجزته لأنه كانت لدي رغبة كبيرة في مشاهدة برامج مشابهة بطاقات تونسية لا أجنبية.

  • البرنامج كان جريئا وغير مسبوق وربما كان يحمل نقدا لاذعا للسلطة ولكن بطريقة مبطنة.. كيف تعاملت آلة دكتاتورية بن علي مع البرنامج؟

طبعا تضايقت السلطة آنذاك وضايقتني بدورها ووضعتني على القائمة السوداء ولم يذكر اسمي في التلفزة التونسية قرابة عشر سنوات.

المواضيع التي تناولها برنامج “شمس عليك” حينها لم تعجب السلطة رغم أن طبيعة البرنامج كانت ساخرة، وهو برنامج ترفيهي بالأساس. لكن البرنامج طرح مواضيع لها خلفية سياسية واجتماعية في أوج دكتاتورية بن علي وغطرسة النظام سنة 1999 الذي تزامن مع تنامي نفوذ أصهاره. لقد كان برنامجا مكروها من السلطة وحاول بعض المرتزقة في الإعلام الضغط لإيقافه.

وفي موسمه الثاني تعرض البرنامج في كل حلقاته إلى الرقابة، وكان البرنامج الوحيد الذي يشاهده مدير عام القناة قبل بث حلقاته، وفي تلك الفترة انعكس الواقع على المواضيع التي تناولناها، حيث صورنا الأحياء المهمشة وتحدثنا مع المهمشين لأول مرة وهي مواضيع مسكوت عنها ويمثل الخوض فيها حديثا عن السياسة وجردا لفشل النظام.

برنامج “شمس عليك” كان تجديدا من حيث الشكل وطريقة التقديم، وهو ما خلق رفضا له من قبل النظام ومن قبل جزء كبير من الجمهور الذي تعود على الخمول، وفكرت في إيقاف البرنامج في أكثر من مرة بسبب الرقابة المسلطة عليه.

قناة كنال+ قدمت لي الكثير، حيث كانت مخبر تجارب بالنسبة لي، وتعلمت من الأخطاء التي ارتكبتها. وبالنسبة لي برنامج شمس عليك كان الخطوة الأولى.

عرض فيلم في عينيا في أيام قرطاج السينمائية

  • نلاحظ أن أفلام نجيب بلقاضي خارج السياق ومختلفة عما يطلبه السوق إن صح التعبير.. كيف تختار هذه المواضيع ولماذا آثرت أن لا تتقيد بالمواضيع الدارجة والمألوفة؟

لم أختر ذلك ودائما ما أقول إن مواضيع أفلامي هي التي تختارني وليس العكس، ويمكنك أن تلاحظ أن جميع أفلامي خارج الأحداث. هناك مخرجون ينجزون أفلاما تغطي أحداثا معينة، أنا لا أتعامل بهذا المنطق، فشخصيا لا أفكر فيما يتماشى مع المهرجانات أو ما يحبذه الجمهور.

فكرة فيلم “في عينيا” مثلا جاءت بعد مشاهدة صور على الإنترنت، وموضوع مرض التوحد يهم نسبة قليلة جدا من الجمهور، والشيء نفسه لفيلم “في إتش أس كحلوشة” وهو شخصية أنجزتُ حولها روبورتاجا في برنامج شمس عليك، وألهمني محيطه وعائلته وحي “كازمات” الشعبي حيث تسكن الشخصية.

توجهنا نحو مدينة سوسة للتصوير بفريق صغير متكون من عشرة أشخاص وبقينا هناك قرابة أسبوعين وأنجزناه بسرعة وكانت كلفته ثلاثين ألف دينار فقط.

وحصل الشيء نفسه مع أفلامي الأخرى باستثناء فيلم “سبعة ونص” الذي صورته خلال الثورة إلى غاية انتخابات 2011.

لو اخترتُ إنجاز فيلم يتحدث عن الثورة فسأنجزه بعد عشر سنوات من الآن، فالمسافة الزمنية بين الحدث وإنجاز فيلم عنه مهمة جدا من أجل استيعاب الأمور. حين تكون هناك مسافة زمنية كافية بين الحدث وزمن إنجاز الفيلم يمكنك أن ترى بشكل مغاير ومن زاوية موضوعية.

فيلم “باستاردو” مثلا لم يكن آنياّ، وسيناريو الفيلم كتب قبل الثورة وهو يتحدث عن الدكتاتورية وسقوطها.

  • مرة أخرى تجرأت على دكتاتورية بن علي في فيلم “باستاردو”، ألم تخش غضب السلطة أكثر من وضعك في القائمة السوداء؟

أبدا، قدمت الفيلم لوزارة الثقافة سنة 2009 وحصلت على دعم سنتين قبل الثورة، وتمت الموافقة وتمنى لي أحد أعضاء اللجنة -بنوع من التهكم- حظا سعيدا. كنت أجمع تمويلا للفيلم ثم توقفنا عند اندلاع الثورة وقررنا بعد ذلك إتمامه رغم أن السيناريو مكتوب منذ 2007.

لم أركض أبدا وراء الأحداث الآنية، وأظن أن أفكار أفلامي هي التي تختارني كما قلت لك، وهو ما سيكون عليه فيلمي الجديد الذي يعكس نظرتي للمجتمع لا لأحداث معينة.

 

 

  • نعود إلى الفيلم الحدث الآن “في عينيا” الذي يتحدث عن مرض التوحد عند الأطفال.. الطفل إدريس الخروبي الذي قام بالدور وكان أداؤه مبهرا جدا. كيف استطعت أن تدير الشخصية وتصنع من طفل عادي طفلا آخر يعاني مرض التوحد في الفيلم؟

هو أكثر دور أخافني في الفيلم، وكانت المعادلة إما العثور على ممثل مناسب يؤديه أو أن كل شيء يسقط في الماء لأن القيام بدور طفل متوحّد صعب جدا.

الفيلم كان بمثابة المشي على حبل، وأية حركة غير مدروسة ستسقطك. كان بمثابة الوحش أو الغول الفاتح فمه ليلتهمك في أية لحظة، فاختياري للموسيقى مثلا والتي كانت قليلة جدا في فيلم في عينيا، كان بعد تفكير مئات المرات، لأن الصمت يعبر أكثر، فما بالك بالتمثيل.

كان البحث عن طفل يؤدي الدور صعب جدا خاصة بعد أن قضيت سنة ونصف السنة في مراكز رعاية المتوحدين حيث تكتشف سلوكهم ونظراتهم وما أسميه أيضا باللانظرة، فحين ينظرون في عينيك تشعر كأنك كائن غير مرئي.

فكرت أن أبحث عن طفل له عوارض توحد طفيف يمكن أن يقدم لي شيئا واقعيا، لكني خفت من أن طفلا مصابا بالتوحد يمكن ألا يسايرك وأن يترك مكان التصوير في أية لحظة.

وضعنا إعلانا (كاستينغ) على فيسبوك وحين دخل إدريس شاهدت ما يشبه هالة الفنان تحيط به، كان كأنه مسكون بشيء ما وهذا ما لمسته من خلال حديثه ونظراته.

قمنا بمشاهدة فيديو صوّرته مع فتى مصاب فعلا بالتوحد وموجود في مركز رعاية، وهو الطفل الذي ألهمني في الفيلم من خلال تفاصيل حركاته وسلوكه، ثم خضع إدريس إلى تجربة أداء وأعجبني كثيرا وأوقفنا عملية الكاستينغ واخترته، ورافقَنا في التمارين طبيب نفسي لأنني خشيت من أن لا يستطيع إدريس التخلص من شخصية المتوحد في الفيلم بعد الانتهاء من التمثيل.

كان إدريس شخصية رائعة واشتغلنا كثيرا من أجل أن يتقمص دور يوسف في الفيلم من خلال حركاته ونظراته وبكائه وصياحه، وقمنا بصنع حذاء أقل بمقاسين من أجل أن تكون قدماه في وضع انكماش لأن ما لاحظته هو أن المصابين بالتوحد يطوون أصابعهم حين يتشنجون. كما عملنا على أن يكون كتفه منحنيا ورأسه مائلا حين يمشي. واشتغلنا على تفاصيل كبيرة وصغيرة حتى يكون جاهزا عند التصوير، ومن أجل أن يكون شخصية شبيهة بالواقع، كما حرصنا على أن يتدرب مع نضال السعدي لأنه شريكه الأساسي في الفيلم.

نضال السعدي وإدريس الخروبي في أيام قرطاج السينمائية

  • ما هي المدة التي استغرقها التدريب قبل التصوير؟

استغرق تدريب الطفل إدريس أسبوعا كاملا وكان أساسه فيديوهات توثيقية صورتها لطفل في مركز المصابين بالتوحد، إضافة إلى فيديوهات شخصيات أخرى من الإنترنت استعنت بها لرسم شخصية الطفل يوسف في الفيلم. فكل حركاته مدروسة بما في ذلك طريقة تمدده على الفراش ووضعية ساقيه وأصابعه.

  • أفلام نجيب بلقاضي مختلفة عن بقية الأفلام التونسية والعربية، هل يمكن أن يكون هذا الاختلاف طريقا نحو الأوسكار؟

لا أفكر في الأوسكار أو الجوائز رغم أن الحصول عليها يسعدني. حين أنجز فيلما لا أفكر في المدى الذي سيوصلني إليه أو في أي مهرجان سيكون موجودا.

بالنسبة لي ما أثار استغرابي هو أنني ظننت أن جمهور فيلم “في عينيا” سيكون أقل من الجمهور الذي شاهد فيلمي “في إتش أس كحلوشة” أو “باستاردو”، لكنه حطم الرقم القياسي بالنسبة لأفلامي بمائة ألف مشاهد في الأسبوع السادس من عرضه، لذلك حين تنجز فيلما لا تعلم إلى أي مدى يمكن أن يصل بك، الجوائز غير مضمونة، وكذلك الجمهور.

وفي الواقع لم أتوقع أن يكون لفيلم في عينيا جمهور عريض بهذا الشكل خاصة أن قرابة نصف الجمهور الذي شاهد الفيلم في القاعات قادم من جهات ليس بها قاعات عرض، وهو ما أعتبره رجوعا للسينما.