المخرج غسان سلهب.. حديث للوثائقية عن الأقليات السينمائية التي لا تعبأ بشباك التذاكر

حاورته: د. أمــل الجمل

لا شك أنه مخرج سينمائي عربي مهم تحتفي به مهرجانات دولية، رغم أنه يقبع في هوامش السينما العربية بإرادته ومضمون أفلامه البعيدة عن التنميط، المتجذرة فكريا، والمشبعة بالأدب والشعر وفنون الصورة المهتمة بالشكل والتجريب. ربما لذلك يعتبره كثيرون مخرج أقليات، إذ أنه يصنع أفلاما لا تستهدف الجمهور العريض.

إنه المخرج اللبناني المولود في السنغال غسان سلهب، الذي تنوعت أفلامه بين الروائي والوثائقي التجريبي، وعُرضت أفلامه في أهم مهرجانات العالم، ومنها مهرجان “كان” السينمائي الذي عرض له فيلم “أرض مجهولة” بقسم “نظرة ما”، وقد اختار في السنوات الأخيرة أن يعود إلى لبنان بعد سنوات من الترحال، وكأنه يجيب على حيرة المتلقي عقب مشاهدة فيلمه “أرضه مجهولة”. إنه هو نفسه اختار البقاء.

التقت الجزيرة الوثائقية بالمخرج غسان سلهب وأجرت معه هذا الحوار بمناسبة تكريمه في مهرجان “قابس سينما فن” بدورته الرابعة التي استمرت خلال الفترة ما بين 6 وحتى 12 مايو/أيار 2022، وذلك لعرض مجموعة من أفلامه، وهي “الوادي” (The Valley) و”أشباح بيروت” (Phantom Beirut) و”الأرض المجهولة (Terra Incognita) و”الرجل الأخير” (The Last Man) و”1958″ (1958) و”الجبل” (The Mountain) و”الوردة المتفتحة والنهر” (Une Rose Ouverte).

 

لكن قبل اللقاء كان لا بد من معرفة الأسباب التي دفعت منظمي “المهرجان القابسي” للاحتفاء به وعرض أفلامه في برنامج استعادي كان له صدى كبير في الولاية التي تُعد من أجمل الواحات على شاطئ البحر المتوسط.

أفلام غسان.. سينما لا تخضع لتنازلات الغرب

حضور غسان سلهب إلى قابس هذا العام لم يكن المرة الأولى، ففي الدورة الماضية لم يكن فقط بلجنة التحكيم، بل إنه شارك في ندوة فلسفية مهمة عن الاستشراق في الأفلام العربية، وحينها سألت مدير الندوة آنذاك إقبال زليلة: لماذا تركت فرصة أكبر من الآخرين لسلهب للتعبير عن رأيه؟

أجاب مدير الندوة بحسم قائلا إن تجربة غسان وأفلامه هي من نوعية السينما التي لا تخضع لسياسة التنازلات للغرب، إنها من الاستثناءات بين السينما المهيمنة التي يقع الاختيار عليها بتلك المهرجانات، فالنظرة الاستشراقية هي نظرة الآخر لنا، لكن هذه النظرة مستبطنة من قبل المخرجين العرب، وهذا ما يولد نوعا من التنميط، أو أفلام تتناغم مع توقعات الغرب ورغبته، المنطلق بهذه السينما هو العالم العربي المعروف، ولا مكان للاكتشاف، وماذا نريد أن نراه من هذا العالم العربي هو ما نتصوره عن العالم العربي، أما غسان سلهب فهو بعيد كل البُعد عن هذه النظرة، تصوره خاص به ناتج عن مسيرته الشخصية وعن تاريخه وعن خياراته، لذلك فإن سينماه صادقة.

 

أفلام عميقة بميزانيات متواضعة.. قدوة المخرجين الشباب

قبيل اللقاء مع غسان سلهب هذا العام، توجهت بالسؤال مجددا لإقبال زليلة ليخبرنا عن حيثيات اختيار المهرجان للمخرج اللبناني للاحتفاء به فقال: غسان سلهب مخرج مهم وعميق، له نظرة متفردة، ولا يعتبر من السينمائيين الذين بحثوا يوما ما عن الشهرة وعن الأضواء. إنه ثابت على خياراته منذ الفيلم الأول، معطاء على مستوى الحوار، وأفلامه تنخرط فيما نؤمن به كإدارة فنية، أفلامه فيها هوس بالشكل، فيها نظرة للعالم فريدة من نوعها، بها إحالات إلى وجوه سينمائية معروفة لأفلام معروفة، وهي أفلام مشبعة بالشعر والتاريخ والأدب والفن التشكيلي والسينما، والفكرة من استعادة أفلام وسينما غسان سلهب هو إعطاء نموذج للشباب والمخرجين المبتدئين، ونظرة تختلف عن النظرة التقليدية النمطية للمخرج العربي.

لقد قدمنا نموذجا لمخرج له مسيرة ونجاح، لكن النجاح هنا لا يُقاس بالضرورة في الظهور في مهرجانات كبرى، فمن مقومات النجاح الثبات في محاولة إرساء نظرة معينة للسينما، وأن يكون لديه مشروع فني متماسك، كما أن غسان سلهب لديه أفلام روائية وأخرى تعتبر تجريبية، بما فيها من بُعد تجريبي، وأفلامه التجريبية يصنعها بدون إمكانيات تقريبا، أو بإمكانيات قليلة جدا، فهي تنمّ عن رغبة في إنجاز فيلم.

المدير الفني لمهرجان “قابس سينما فن” إقبال زليلة بجواره المخرج غسان سلهب قبيل عرضه فيلمه في المهرجان

 

هذا مهم جدا كقدوة للمخرجين الشبان في المنطقة عندنا بصفة عامة الذين يشكون من شح الإمكانيات، ومن قلة عدد لجان الدعم، فغسان سلهب هو أفضل مثال لمخرج صنع أفلاما بميزانيات مختلفة، فعنده كمّ لا بأس به من الأفلام التي أنتجت بميزانيات متواضعة جدا، معنى ذلك أنه مخرج حر وعميق، نظرته متفردة وإن كانت قاتمة للعالم، وفي الوقت نفسه تفاعله مع الجمهور يُعطي الكثير.. ومن ثم اعتبرنا أنه أفضل مثال نُبرزه في سينما المنطقة العربية.

“لا أحب كلمة جمهور، أفضل كلمة المشاهدين”

المدهش أنني طوال أيام المهرجان كنت ألمح المخرج غسان سلهب مشتبكا في حوارات مع صحفيين بقاعة استقبال الفندق، أو يُنصت لشباب المشاهدين عقب عروض أفلامه، لكنني حين سألته عن سر اهتمامه برأي الجمهور في أفلامه -كما صرح ببعض حواراته في الماضي- فاجأني برده قائلا:

المخرج غسان سلهب يُجيب على أسئلة مَن شاهدوا فيلمه، فهو لا يحب استحدام كلمة “جمهور”

 

لا أثق أنني قلت إنني أهتم بالجمهور، لأنني لا أحب كلمة “جمهور”، أفضل كلمة “المشاهدين”، فكلمة “جمهور” مثل كلمة “الشعب”، هم أفراد، انطباعاتهم تختلف، والفرد يمكن أن يختلف انطباعه في يوم عن اليوم الثاني، فأنا لم أقل إن رأي الجمهور يهمني أو لا يهمني. مع ذلك، إذا جاء أي إنسان وفتح معي الحديث والنقاش سوف أتحدث، لكنني أُفضل أن يبقى الفيلم مع الشخص، أنا شخصيا عندما أشاهد فيلما تُولد لدي رغبة في أن يبقى الفيلم معي، ولا أُريد التحدث مع المخرج. هذا لا يعني أنني أقول للناس لا تتحدثوا معي وابتعدوا عني، لكن أنا بحياتي لم أقل هذا التصريح بصراحة.

  • ولماذا تعتبر نفسك من الأقليات؟

أكيد أنني من الأقليات سينمائيا، ليس فقط في منطقتنا، بل في العالم كله، لأنني بأفلامي لا أحكي قصة أو “حدوتة” كما تقولون في مصر، ومؤكد أن هناك أفلاما عظيمة صُنعت بهذه الطريقة -عبر الحدوتة- لكنني اخترت طريقا مغايرا، المشكلة في عوالمنا العربية أن هذه الطرق التي اخترتها للسرد هي طرق صعبة، لأن السوق لا يُتيح المجال للأفلام إلا إذا كانت تحقق أرقاما قياسية في شباك التذاكر (Super Box Office)، لكن ليس بالطريقة السينمائية، وإنما بحضورها في دور العرض السينمائي وشباك التذاكر.

في منطقتنا العربية قليلا ما يُتاح لنا أن نشاهد أفلاما مختلفة أو مغايرة، لا يقتصر الأمر على الأفلام العربية، لكن أيضا الأفلام الأجنبية المختلفة عن السائد، أنا مثلا أعيش في بيروت، لكن الأفلام المصرية المغايرة والبديلة لا يمكن أن نشاهدها في الصالات العادية، فقط أثناء المهرجانات أو إذا سافرت إلى مصر، حتى الجمهور نفسه ربما يكون قد نسي كليا أن هناك أفلاما متنوعة، أقليات لكنها موجودة، فإذا حذفت الأقليات من هذا العالم فلنقل: على الدنيا السلام.

بوستر ترويجي لماستر كلاس قدمه المخرج غسان سلهب في مرهاجن قابس سينما فن بدورته الرابعة في تونس

 

  • وماذا يمثل لك التكريم أو الاحتفاء بعرض أفلامك في “قابس سينما فن”، وهو مهرجان وليد لا يزال في دورته الرابعة فقط؟

كنتُ هنا العام الماضي في لجنة التحكيم، وتعرفت على خصوصية المهرجان بهذه المدينة، وأعرف إقبال زليلة مدير القسم الفني بقسم السينما بالمهرجان، وفاطمة الشريف رئيس المهرجان، وأنا أحبهما سينمائيا وإنسانيا، فمتى أحببت الناس وأحببت المكان وكذلك الخيارات -بعيدا عن أعمالي- أحببت بكل تأكيد أن أحضر، خصوصا أنه مهرجان جديد من نوعه في منطقتنا العربية وأتمنى أن يستمر، كما أنه مهرجان بلا سجادة حمراء، وغيرها من هذه الأمور التي بلا طعم.

هذا المهرجان يسعى للتعريف بأفلام بديلة من منطقتنا العربية، أفلام لها طرق سينمائية مختلفة، ومؤكد أن هذا يجعلني أشعر أنني في مكاني هنا.

  • وكيف رأيت استقبال جمهور المشاهدين في مدينة قابس لأفلامك؟

بصراحة لم أحضر مع الجمهور، لأنني لو فعلت فإن معدتي تُصاب بالتواءات وتشنجات. أكيد قدمت الأفلام قبل بداية العروض، لكن أجمل شيء أن كثيرا من الشباب يأتون ليحكوا معي فنيا، وهذا يُحييني كثيرا، خصوصا أنهم شباب تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عاما.

هنا في تونس علاقاتهم بالسينما قوية كما في مصر، في رأيي أن ذلك حدث في تونس بسبب مهرجان قرطاج، لذلك أتمنى أن يتكرر هذا مع مهرجان قابس، ويلعب الدور نفسه.

المخرج غسان سلهب مع جمهور قابس سينما فن ونقاش عقب أحد العروض

 

  • وما الذي يُحييك في تلك الحوارات؟

أكثر ما يحييني أن يتحدثوا ويسألوني أسئلة تنعشني بعد أن كنت أحاول أن أعيش الأيام وأجعلها تمر فقط، أو بأن أذكر نفسي بأنني موجود؛ فجأة تأتي أسئلة هؤلاء الشباب وتمنحني دفعة وشحنة داخلية قوية تخلق بداخلي رغبة لأن أصنع مزيدا من الأفلام وأن أكمل مسيرتي.

  • فيلمك “أرض مجهولة” الذي عُرض في مهرجان كان “بنظرة ما” قبل عشرين عاما، رغم أنه عمل سينمائي قاتم، فإنه خلق حالة تماهٍ مدهشة مع الجمهور التونسي، حتى أن كثيرا من النساء والرجال وجدوا أن الفيلم يُعبّر عنهم وعن حال البلد نفسه حاليا، وخلق لديهم حالة شجن، مما جعلني أسأل إقبال زليلة ففسر الأمر بأنه “من بين الأفكار الأساسية بالفيلم أنه: نحن لسنا أمواتا، نحن نموت، نموت بالذوبان، وبالاندفاع التدريجي، وهذا شيء ربما تمر به كل مجتمعات العالم، فإذا كان التوانسة قد شعروا بالتجاوب مع الفيلم وأنه يُعبر عنهم رغم كونه أُنتج منذ نحو عشرين سنة، فهذا ناتج عن وضع البلد التونسي الذي يتسم بالغموض وانسداد الأفق، خاصة بالنسبة للشباب، وتفكيرهم في الهجرة، إذن هناك صدى لما حدث في لبنان قبل عشرين عاما وما يحدث في تونس اليوم”. فكيف ترى أنت هذا التماهي بين المشاهد التونسي وعالم الفيلم الذي أنتج قبل عشرين عاما؟

تماما، أنتج الفيلم قبل عشرين سنة، هذا الفيلم شاهده الناس على الإنترنت، وشباب كثيرون قالوا الأمر نفسه. المشكلة أن حالتنا في تونس ولبنان وأكيد مصر هي حالات لست هيّنة، إننا نعيش أوضاعا صعبة للغاية، فهذا الفيلم يحكي هل نبقى أم نذهب؟ هل نعود إلى بلدنا أو نتركها ونرحل؟

التساؤل حتى عن العلاقات مع الآخرين، ليس فقط العلاقة مع المكان، خاصة أن تونس تعيش فترة صعبة أيضا، فأكيد أن الفيلم فيه شيء عنهم، وأكيد أن الفيلم إن لم يكن يحكي بطريقة مباشرة، فهناك إحساس موجود من وراء الصورة، ربما شيء غير مباشر، وحكي هؤلاء الشباب يعني أن حياتهم ليست جيدة، والمؤكد أن حياتنا ليست عظيمة بهذه الكرة الأرضية يا للأسف.

 

  • عندما بدأت العمل على أفلامك هل كان هناك قرار بهذا التمرد على قوانين السوق منذ البداية، والرغبة في صناعة ما تريد، أم أن هذا حدث في مرحلة ما من حياتك قررت فيها أن تفعل ما تريد دون الاهتمام بقوانين السوق؟

بصراحة ليس هذا خيارا، فأنا لم أقرر، أو لنقل إنه ليس خيارا منحتني إياه الحياة، لكن عموما كان اتجاهي السينمائي واضحا من البداية، منذ فيلمي “أشباح بيروت” الذي سافر كثيرا إلى المهرجانات، فكان هناك أناس يصفونه بأن به سينما مختلفة، وكانت هناك حرب بيروت، ولا تنسي أن فيلمي الأول حين خرج للنور كان عمري 39 أو 40 عاما، هذا يعني أنني لم أكن شابا، بمعنى لن أقول إنه كان واضحا ماذا أريد أن أصنعه من سينما، لكن على الأقل كان واضحا ما الذي لا أريد أن أفعله.

  • متمرد لكن أفلامك تُستقبل بحفاوة في المهرجانات الدولية، كيف يكون ذلك؟

بسبب إصراري على أن لا أكون غير نفسي، فمثلا فيلم “أرض مجهولة” عُرض في كان “نظرة ما”، ثم بعدها أخرجتُ “أطلال” وأفلاما أخرى، فقالوا لي ليتك تعود لأسلوبك كما في “أرض مجهولة”، فقلت لهم هذا طريق آخر، وأنا لن أسير في طريق معين لأنكم ترتاحون له ويُعجبكم، أنا أريد أن أسير في طريقي الذي أريده، أنا فنان سينمائي.

المشكلة في وطننا العربي أن البعض -أو للدقة السوق- يرانا كموضوع، إنه لا يتعامل معنا سينمائيا، وهناك أناس تقول من ورائي: إنه فنان لكن ليته يعمل ويعمل ويضيف لأفلامه ويخرج نوعيات سينمائية مثل كذا وكذا.

إنهم يريدون من الأفلام أن تُوضح الأخبار، لكن معذرة، هذا ليس دور الأفلام، فأنا عندما أشاهد فيلما قادما من اليابان أو المكسيك أو الأرجنتين أو حتى من الولايات المتحدة، فأنا لا أتوقع أنني من خلال الفيلم سأتعرف على اليابان أو المكسيك أو بلد الإنتاج، ما هذا الهراء؟ حتى في الأخبار لا يقولون كل شيء، إنهم فقط يقولون الخبر.

 

أيضا في منطقتنا العربية هناك مخرجون يتعاملوا مع السينما كموضوع، هذا فيلم عن قضية، وبرأيي أن هذا يُحدد بقوة علاقة السوق معنا. الآن دعينا نعود للرد على سؤالك: السوق بدأ يفهمني بالتدريج، وأدرك أنني أخرج عن السرب، ربما كان يُمكن أثناء ذلك أن أقول لنفسي: لا بد أن أرجع للخط المرسوم لي، أن أعمل شيئا من أعمالي تتناسب مع ما يطلبونه مني، لكن طبعي مختلف عن ذلك، وكذلك شخصيتي، لذلك لم أستسلم، وأكملت طريقي.

  • رغم رأيك هذا فإنك لست تصنع السينما التقليدية؟

لأن الإشكال الحقيقي الذي تواجهه السينما أنها مكلفة، فالسينمائي ليس مثل الرسام ولا الكاتب أو الشاعر، ربما يكون مثل الموسيقي قليلا، لكن السينما مشكلتها أنها تجعل صُنّاعها يمرون في خطوط السوق. إنني أجد تفكير سوق السينما ومنطقه قريبا جدا من سوق السيارات، أنا أجد أنه من الغريب أنني في 2022 لا أزال أُذكر نفسي بأن هناك فنانين مهمين في التاريخ لولا وجودهم لما كان هناك وجود للفن، سواء في الرسم أو الموسيقى، سواء أحببناهم أم لا؟

المشكلة مع السينما أن الجميع يمتزج ببعضه، المسألة معقدة بسبب الإنتاج والسوق وأجر وموافقة النجوم والنجمات، ودور العرض والتوزيع وغيره من التفاصيل، لكن وسط هذا أجد أنه “حرام” أن لا نعترف بأن العالم يحتاج إلى كل هذه الألوان والأطياف من السينما، سواء كان لونا صغيرا أو كبيرا، أنا لا أصنع أفلاما ضد هوليود، لكن من المهم جدا أن يجد الأقليات مكانا، من المهم أن يكونوا موجودين، لأن الدنيا ستموت إن لم يوجد هذا التنوع.

 

المشكلة أن السوق يُذكرك طوال الوقت “من فضلك ادخل بداخل اللعبة، من فضلك انضم للسرب..”، فأنا بصدق لا أسير في طريق بديل، لأنني قررت هذا أو أريد هذا، لكن لأنني تعرفت على هذه الطرق وأحببتها ووجدتها تُعبر عني، لذلك صار هناك نوع من الحرب، وكنت مرغما على تسوية هذ الشيء، فأنا شخصيا ليس لدي مشكلة أن أشاهد فيلما لـ”جيمس بوند” أو غيره، وأن أشاهد فيلما ينتمي لسينما بديلة كليا، هذا يُريحني ويُؤكد على أن الدنيا واسعة، لكن ليست واسعة بتاتا يا للأسف عند السوق وعند أغلب الناس.

  • ما رأيك في خصوصية مهرجان “قابس سينما فن” من زاوية تجاور الفنون المختلفة، فهناك السينما وفن الفيديو والواقع الافتراضي؟

هذا قرار شجاع من المنظمين في الحقيقة، لكنه متناغم مع روح العصر أيضا، فنحن في عام 2022، ومن خلال الحاسوب والهاتف المحمول نجد كل التقنيات متداخلة، حتى ألعاب الفيديو (Video Game) والأفلام، جميعها تأخذ وتستفيد من بعضها، وأهمية مهرجان قابس أنه يجرب أن لا يكتفي بالخبر. أكيد أننا لسنا جميعا قادرين على أن نفعل كل شيء، فالحدود بين الفنون موجودة في رؤوسنا أكثر من وجودها على أرض الواقع.

لذلك فأنا سعيد بأن مهرجان “قابس سينما فن” يُعطي مساحة لهذه الإمكانيات، لأننا في النهاية سنجد أن الجيل الجديد مختلف عن جيلي، فأنا ولدت عام 1985، أي قبل الهاتف المحمول والإنترنت، لكن الجيل الحالي جيل مختلف، ولا يمكن أن نقول له إن السينما هي فقط هذا وذاك، لأن السينما الحقيقية تتحاور، وهو يمكنه أن يتحاور معها.

أنا أحيانا أُشاهد “ألعاب الفيديو” مع ابنة أختي أو ابنة أخي، ليس كثيرا لكنني أفعل، وأتأمل إلى أي درجة اقتبسوا واستلهموا من السينما، وإلى أي حد أخذت السينما من “ألعاب الفيديو”، أقصد أن الفنون تتحاور مع بعضها. لذلك من الجيد أن منظمي مهرجان “قابس سينما فن” يمنحون فرصة ومساحة للفنون الأخرى.

 

أرى أنه من الأقليات أو من المهرجانات القليلة التي تجمع بين الفنون، فأنا لا أعرف مهرجانات كثيرة بهذا النمط، أنا شخصيا أتعامل مع ما يُسمى “الفيديو آرت” (فن الصور المتحركة)، لأننا في النهاية نحكي عن صورة وصوت.

  • ما رأيك بأهمية مثل هذا المهرجان لمدينة قابس؟

أتمنى أن يساعد المهرجان، أتمنى (يضغط على حروف الكلمة)، أتمنى أن يضع المهرجان مدينة قابس على الخارطة، ليس سينمائيا فقط، وأهم شيء أتمنى أن أهل قابس وليس فقط شباب قابس أن يتعرفوا على سينما بديلة، وأن يتواصلوا مع بقية تونس بالتأكيد، لكن أيضا أتمنى أن يتواصلوا مع باقي العالم، لأن المهرجان لا يُعطي فقط إضاءة لكنه يفتح نوافذ.

أتمنى فعلا أن يحقق المهرجان هدفه، لأن هذه المدينة متواضعة وفقيرة، فكثيرا ما أسير على قدمي في أرجائها منذ العام الماضي وهذا العام أيضا، فقد صرت أعرفها جيدا نتيجة السير على أقدامي، وأهلها لطفاء جدا.

  • هل ترى أن المهرجان يمكنه أُن يسهم في إيجاد حل للمشكلة الاقتصادية والتلوث، أم أنه لا بد من الاقتصاد البديل؟

(بحركة نفي بعيونه ورأسه، ثم بعد لحظة صمت) أتمنى ذلك، لكن أنا لست إنسانا كثير التفاؤل، لأن الإنسان بحاجة إلى الكثير حتى ينضج ويكتمل وعيه، هنا لا أحكي عن قابس، لكن أحكي عن الإنسان عموما في الدنيا كلها، لكن إذا كان المهرجان سوف يساعد من خلال تذكير باقي ولايات ومدن تونس بأن الجنوب موجود، فالمهرجان بإمكانه أن يساعد حتى ولو بقدر ضئيل (يشير بطرف إصبعه).