المخرج الإيراني بناه بناهي للوثائقية: كتابة الفيلم نوع من الجلسات العلاجية لطرد الهواجس

حاوره: أيوب واوجا

أن تكون ابن المخرج الإيراني الكبير جعفر بناهي، وتنمي حبّك للسينما عندما كنت تتجول وأنت طفل مع المخرج الإيراني عباس كيارستمي في رحلات بحثه عن مواقع للتصوير رفقة أبيك؛ يعني أنك وجدت نفسك وسط كبار صنّاع السينما الإيرانية الذين أوصلوا الفن الإيراني إلى عتبات أكبر التتويجات في عالم السينما.

“بناه بناهي” المخرج الإيراني الشاب (37 عاما) الذي يسبقه دائما لقب أبيه جعفر بناهي، أخرج حديثا (2021) فيلما بعنوان “طريق ترابي” (Hit The Road)، وهو فيلم سرعان ما وضع اسم مخرجه على خارطة الشهرة بعد أن ظل حبيس الظل والاشتغال كمساعد مخرج في أعمال أبيه.

 

يجد المخرج الشاب نفسه وسط تحد فني كبير، فسقف التوقعات النقدية كبير عندما تكون ابن مخرج عالمي قضى معظم سنوات حياته في الحجز الإجباري، وفي كسر الرقابة عبر الإبداع.

الفيلم في مجمله أكثر من مجرد قصة عن الاضطهاد والرقابة في إيران، فهو قطعة فنية مزخرفة باختيارات موسيقية ومشاهد من الريف الإيراني تُظهر إلى أي مدى تأثر المخرج بناه بناهي بأسلوب عباس كيارستمي وجعفر بناهي.

يُفتتح الفيلم بمشهد يضع فيه الابن الأصغر يده للعزف على بيانو خيالي رسمه في جبيرة ساق والده المكسورة، حيث توحي موسيقى “شوبرت” الحزينة المُستعملة في الخلفية بأن الرحلة في السيارة ستكون صعبة.

المشهد الافتتاحي وفيه يظهر الممثل الطفل ريان سارلاك الذي أدى دورا متميزا في الفيلم

 

يُعرف عن صناع السينما في إيران ما بعد الثورة اعتمادهم على التكثيف الرمزي للالتفاف على مقص الرقابة، فنادرا ما تُكتب سيناريوهات أفلامهم بطريقة مباشرة، بل يتم الاعتماد على إحالات وترميزات تنتقد السلطة، وتعكس معاناة الشعب الإيراني، دون الوقوع في مواجهة مباشرة مع السلطة.

وفي فيلم “طريق ترابي” تترسخ هذه الفكرة، بداية باستعمال السيارة كمجاز وثيمة تكررت في أفلام عباس كيارستمي، واقتبسها المخرج بناه بناهي، إذ يصف السيارة كبيت ثان للإيرانيين، فهي توفر مساحة صغيرة للحرية والإبداع.

يحكي الفيلم عن شخصيات لا نعرف اسمها طيلة الفيلم، فعدا كلب الأسرة فإننا نجهل أسماء جميع أفراد الأسرة الأربعة في الفيلم، وذلك في محاولة من المخرج لإسقاط القصة على كل المواطنين الإيرانيين.

 

في الفيلم تحاول الأسرة التي لا نعرف اسمها أن تُهرِّب ابنها خارج البلاد، فالهجرة حلم لكثير من الإيرانيين نتيجة للقمع والاضطهاد. وفي خلاصة؛ الفيلم عبارة عن التعاطي مع الألم كعائلة واحدة.

بروح المخرج عباس كيارستمي وأجواء أعماله الشهيرة “ثلاثية كوكر” (The Koker Trilogy) و”طعم الكرز” (Taste Of Cherry)، استطاع بناهي الابن خلق جو كوميدي مختلط بمشاعر الفقد والفراق ومشاهد الريف الإيراني، وذلك بمقاربته لموضوع الهجرة دون السقوط في التكرار الذي قاربت به السينما العالمية الموضوع، وبالموسيقى المحلية ذات اللحن الجميل والبسيط التي نجحت في إعطاء بُعد أكثر شاعرية للفيلم.

في هذا الحوار الذي يُجريه بناه بناهي مع موقع الجزيرة الوثائقية يحكي لنا عن أفكاره إزاء السينما، ومعاناته مع الرقابة التي تلاحقه بسبب جذوره، وتناقضات امتياز وضغط أن تكون ابن جعفر بناهي.

في السينما الإيرانية تظهر السيارات كشخصية محورية في الفيلم، ما هو معنى السيارة بالنسبة لأعمالك؟

في السينما العالمية يمكن استعمال السيارات كإضافة فنية زائدة دون روح وقيمة للنص، لكننا في إيران نعتمد على السيارة كوسيلة للهروب من الرقابة، وهنا لا أتحدث عن السينما فقط، بل عن طبيعة المجتمع ككل وقيمة السيارات فيه.

من هنا تأتي هذه الاختيارات الفنية للسيارات كجزء من شخصيات الفيلم، ببساطة السيارة في إيران بمثابة منزل ثان. من المهم جدا أن تكون لدينا سيارات في حياتنا بإيران، لأننا نحظى بلحظات من السلام من خلال امتلاكها.

مشهد من مشاهد متعددة في الفيلم تكون فيها السيارة عنصرا أساسيا في الإطار السينمائي

 

يُمكننا بسهولة تحديد مدى تأثرك بأسلوب عباس كيارستمي في أسلوبك الإخراجي، من خلال تصويرك المتكرر لمشاهد الطبيعة وتركيزك على وجوه الناس، وهو أسلوب اشتهر به كيارستمي، هل يمكنك تقريبنا أكثر من مدى تأثير كيارستمي على لمستك الفنية؟

بخصوص المخرج الكبير عباس كيارستمي، فأنا أؤمن بفكرة أن كل بلد يعمل فيه المرء عليه أن يتأثر ولو بشكل غير مباشر بعظماء سينما البلد الذي يعيش فيه.

في حالتي فقد تأثرت بعباس كيارستمي من خلال رحلاتي معه رفقة والدي، لقد فتحت عيني أمام الحوارات التي كان والدي جعفر بناهي وكيارستمي يجريانها في السيارة، في رحلاتهما للبحث عن أماكن للتصوير.

لقد تعلمت الكثير من كيارستمي بسبب هذه العلاقة، وأيضا لأنه من المخرجين المفضلين لدي، فهو مرشد لكل صانع فيلم في هذا البلد.

صورة للمخرج جعفر بناهي (بالقميص الأزرق) لما كان مساعد مخرج في فيلم “بين أشجار الزيتون” لعباس كيارستمي

 

أن تكون ابن مخرج كبير يجعلك تحت الضغط، هل يزعجك أن تتم مقارنتك بأبيك وربطك به؟

لا أشعر بالإزعاج من ذلك، فقد اشتغلت طيلة حياتي رفقة والدي كمساعد له في أفلامه، واكتشفت السينما من خلاله. لقد كنت أعاني طويلا في البحث عن هوية مستقلة بعيدا عن نسبي، لذلك تأخرت قليلا في الدخول إلى عالم السينما حتى لا يتم ربطي باسم والدي أكثر من ربطي بأعمالي.

 

باستثناء الكلب حيوان العائلة الأليف الذي نعرف اسمه، جميع أفراد الفيلم لا نعرف أسماءهم، أو اختار الفيلم أن لا نعرف أسماءهم، ما السبب؟

عندما كتبت السيناريو أدركت بأنني لست محتاجا على الإطلاق إلى تسمية الشخصيات، ففي إيران أعتقد بأن الأسماء لها مكانة اجتماعية، فمن خلال الاسم يمكننا تحديد إلى أي طبقة اجتماعية ينتمي صاحب الاسم، لكنني أردت صنع فيلم ينعكس على كل الطبقات الاجتماعية لبلدي.

بالنسبة لي أعتقد أن اختيار عدم إطلاق أسماء على الشخصيات في نهاية المطاف سبب سخيف، لكنني في الوقت نفسه أؤمن بمدى كون المتلقي قادرا على تحليل الأمور بعمق أكبر مما يتوقعه صانع العمل، وهذه قوة السينما، فالنص يمكن تأويله من كل شخص على حسب أفكاره وقراءاته.

 

 يمكن قراءة فيلمك كمعرض للفن الإيراني، فقد استعملت مقاطع موسيقية متعددة لفنانين ضد السلطة. هل تتحكم توجهاتك المعارضة في لمستك الفنية؟

حسنا، كما ترى، فعندما كنت أختار الأغاني للفيلم، كان الأمر الذي يتحكم في الاختيار هو الجانب النوستالجي (الحنين إلى الماضي)، فقد استعملت الأغاني التي كنا نستمع لها في رحلاتنا العائلية.

وبغض النظر عن الحنين، ففعلا هذه الموسيقى هي موسيقى ثورة وهي ممنوعة في إيران، وأعتقد أنه لا يمكننا إخفاء توجهاتنا السياسية في اختياراتنا الفنية، فهي شيء يقبع في اللاوعي.

 

عشت مع أبيك عقوبات النظام الإيراني التي فرضت عليكم الإقامة الإجبارية، كيف أثرت هذه الرقابة على فيلمك؟

في الفيلم ستشاهد بأن الأم تتصرف بجنون عندما يتعلق الأمر بالهاتف، وبأنهم متابَعون من شخص ما أو مراقبون. ولأكون معك صريحا فكتابة هذا الفيلم كانت نوعا من الجلسات العلاجية لي لطرد الهواجس التي عشتها طيلة حياتي منذ اعتقال والدي.

لقد تأثرت بأن أكون في نفس المكان الذي يُضطهد فيه أبي، لقد أصبح هذا الرهاب جزءا من حياتنا، فحتى مشاهد الهروب من شيء خفي في الفيلم كتبتها دون أن أعرف السبب، لكن عند مراجعة النص أدركت أن السبب في ذلك هو أننا نعيش في خوف تحت المراقبة، وهذه هي قوة الفيلم.

تطغى على الفيلم لقطات واسعة للريف الإيراني وهو أسلوب اشتهر به المخرج عباس كيارستمي

 

يحكي الفيلم عن أسرة تحاول تهريب ابنها خارج الحدود هربا من الظروف في إيران، كيف استطعت الحصول على موافقة لتصوير فيلم ينتقد الدولة؟

بالتأكيد لم يوافقوا على النص في البداية، فقد قررنا تغيير نهاية القصة، أعطيناهم سيناريو فيه أن الابن الذي يريد الهجرة سيقرر في النهاية البقاء في إيران، وسيعيش قصة حب ويستقر بالبلد، ووافقت السلطات على منحنا ترخيص التصوير وقد صورنا الفيلم بالسيناريو الأصلي في النهاية دون علمهم.

ملصق الفيلم المخصص لمهرجان كان

 

 فيلمك لا يحتوي على سرد مباشر للقصة، بل هو كعدة أفلام إيرانية يختار التكثيف الرمزي للالتفاف على الرقابة، وتكون النتيجة عبارة عن فيلم شاعري يحتمل أكثر من تأويل. إن فيلمك يمكن تصنيفه كفيلم عن إيران أكثر من كونه فيلما عن معاناة الإيرانيين، فهل صناعة فيلم بهذه الطريقة أسلوب فُرض عليك، أم أنك ترتاح في السينما الشاعرية؟

بصراحة أنا مهتم بالأفلام التي لا تزعج الجمهور كثيرا، أعتقد أن قضية تلقي الفيلم هي مسؤولية الجمهور، أنا مهتم أكثر بالجزء الفني الذي يُحاول فيه المخرج أن يُدخل الجمهور إلى عالمه الخاص، ويقربه من عالمه المليء بالأسئلة كطفل صغير.

أحاول صنع الأفلام التي تجعل الجمهور يطرح أسئلة استكشافية، مثل ما هذا؟ لماذا هو هكذا؟ برأيي فإن على الجمهور أن يواجه الفن بطرح الأسئلة الطفولية، أما أنا كمخرج فليس علي صنع فيلم يسهل تأويله وفهمه، فهذا ليس جوهر الفن.

هل تعتقد أن فيلمك قد يُعرض في قاعات العرض بإيران؟

نحاول جميعا عرضه في إيران، وصدقني إن قلت لك أننا نتحدث إلى كل شخص قد يسمح لنا بعرضه، ونأمل أن يتم الموافقة عليه.

على أي حال نحن نعيش في عالم لا يمكن توقع ما قد يقع فيه، لذلك فأنا متفائل بأن الفيلم قد يُعرض في بلدي يوما ما، لا يهم متى، المهم أنني سأعمل على عرضه.