حوارات

المخرج سليم حمدي يتحدث للوثائقية عن "فوضى" السينما الجزائرية و"فسادها"

 

حاوره: عبد الكريم قادري

شهد قطاع السينما في الجزائر خلال السنوات الماضية فسادا كبيرا، وانعكس هذا الفساد بشكل واضح على نوعية الأفلام المُنتجة التي صُرفت عليها المليارات، لكنها لم تقدم أي قيمة فنية أو سينمائية للمشهد، بل تم رميها في غياهب النسيان بعد عرضها الأول، بالإضافة إلى أفلام أخرى صُرفت عليها مبالغ طائلة، وفي المقابل لم يتم تصوير أي مشهد منها.

هذا ما جعل الساحة السينمائية الجزائرية التي كانت تملك تاريخا حافلا من الإنجازات تتأخر كثيرا عن باقي السينمات العربية، فهذه الأخيرة شهدت خلال السنوات القليلة وثبة نوعية جعلتها دائمة الحضور في أعرق المهرجانات، ومن هنا وجب السؤال والتساؤل عن أسباب تأخر السينما الجزائرية.

وفي هذه المقابلة التي جمعت الجزيرة الوثائقية بالمخرج الجزائري سليم حمدي، سرد لنا تجربته السينمائية من خلال إخراج أول فيلم روائي طويل له تحت عنوان "عرفان"، والذي شارك به في المسابقة الرسمية لمهرجان وجدة للفيلم وحصل على جائزة أفضل دور نسائي ذهبت للممثلة "مليكة بلباي".

يتحدث المخرج سليم بمرارة عن واقع الساحة السينمائية الجزائرية، وعن المتطفلين على المهنة، وعن الظروف القاهرة التي جعلته يستغرق عشر سنوات كاملة كي يخرج فيلمه للنور. ويذهب سليم أكثر من ذلك حين يتحدث عن الحراك في الجزائر، كما طالب بضرورة تحديث القوانين من أجل تنظيم واقع السينما.. إنها فيوض يكشف عنها المخرج في هذا الحوار.

  • الإنتاج السينمائي في الجزائر أصبح صعبا لاتساع دائرة البيرقراطية ونفوذ بعض الجهات التي استولت على أموال الدعم ولم تقدم من خلاله أي قيمة سينمائية، كيف استطعتَ أن تُخرج فيلما روائيا طويلا في ظل هذه المعوقات، وهل كان الأمر سهلا خاصة وأنه فيلمك الطويل الأول؟

مشروع الفيلم استمر عشر سنوات بين كتابة وتمويل وتصوير وتركيب، وهذه المدة كفيلة بإعطاء نظرة عن مدى صعوبة ممارسة هذه المهنة إذا لم تكن لك أذرع داخل المنظومة العصبوية المتحكمة في الإنتاج الفني بصفة عامة.

ربما من بين الأشياء التي مكنتني من اختراق هذه المنظومة وإخراج فيلمي الأول هو وجودي بالعاصمة، والمدة التي قضيتها كموظف بسينماتيك الجزائر بين 2010 و2016، حيث تمكنت من معرفة كواليس الإنتاج المعتمِدة كليا على الدعم الوزاري، إضافة إلى أقلمة السيناريو مسبقا مع الميزانية الضئيلة التي تُمنح عادة للمخرجين الموجودين خارج المنظومة العصبوية.

  • هناك من يرى بأن قوانين السينما في الجزائر تُقيّد حرية الإبداع والصناعة السينمائية بشكل عام، هل ترى بأن هذه القوانين يجب أن تتغير لتطوير السينما الجزائرية، وما الذي يمكن فعله لتطوير هذه الصناعة؟

قانون.. ليس هناك قانون تنظيمي لمهن الفن ولا لمهن السينما، ولا قانون تفصيلي لصندوق الدعم، ولا قانون تفصيلي لقاعات السينما والتوزيع، ومؤسسات الدولة المختصة في السينما تسير من دون هيكل تنظيمي يُحدد مهام الموظفين بدقة.

أعتقد أن افتقار الجزائر إلى ترسانة قانونية دقيقة وواضحة من أهم الأسباب التي تُقيّد الديناميكية السينمائية، وتفتح الباب على مصراعيه للقرارات الإدارية الارتجالية لملء الفراغ القانوني، والتي تؤدي في النهاية إلى خدمة مجموعة معينة من الأشخاص على حساب النخب الحقيقية التي يجب الاستثمار فيها.

التمويل وغياب القاعات هما أكبر عاملين لتقييد الحريات، وذلك في ظلّ غياب منظومة إنتاجية تعتمد على التوزيع وقاعات السينما التي لا يتعدى عددها 20 قاعة وطنيا، عوض الاعتماد على الدعم الوزاري المباشر الذي تُمارَس من خلاله العملية الانتقائية للمشاريع؛ انتقاءٌ موجّه لخدمة الخطاب السياسي والولاء حصريا، على حساب نظرة فنية نقدية أو استشرافية أو جمالية، والحل الفعّال يكمن في تحرير الديناميكية الإبداعية من قبضة الإدارة.

الحلول تكمن في نصوص قانونية دقيقة، وإستراتيجية حقيقية لتطوير هذا القطاع الفني والصناعي تضمن شراكة الفاعلين في مجال السينما مع الإدارة، وليس سيطرة الإدارة المطلقة.

سليم حمدي: السينما كانت موجهة نحو ثورة التحرير لترسيخ فكرة الشرعية السياسية التاريخية
  • عاشت الجزائر صدمة الحراك السياسي، هل سينعكس هذا الأمر في السينما كما انعكست ثورة التحرير أو أحداث العشرية السوداء فيها، وهل تفكر في إخراج فيلم عن هذا الموضوع خاصة وأنك أحد المتحمسين للحراك؟

السينما كانت موجهة نحو ثورة التحرير لترسيخ فكرة الشرعية السياسية التاريخية، وفي لحظة ما نحو العشرية السوداء لتأريخ وترسيم وجهة نظر تاريخية مُعيّنة دائما لتأسيس وترسيم شرعية سياسية ما. أما الحراك الاجتماعي والسياسي فمرتبط برفض نوعية يوميات الفرد على جميع المستويات السياسية منها والاقتصادية والأخلاقية والثقافية، والتأسيس للشرعية الآنية اللحظية عبر الإرادة الشعبية. وهذا باعتقادي سيجعل السينما لا تعالج الحراك بحد ذاته، وإنما أهدافه وتطلعاته وكل القضايا الاجتماعية السياسية والأخلاقية والاقتصادية، أي سينما تفاعلية موجهة نحو الحاضر، وليست سردية موجهة نحو الماضي.

  • لماذا لا نرى أفلاما وثائقية تعكس الزخم السياسي والوثبة الكبيرة التي تعيشها الجزائر في ظلّ هذه المتغيرات الطارئة؟

عكس ما يعتقد البعض وما يُروَّج له، فأغلبية السينمائيين فاعلين حقيقيين في هذا الزخم، ويفتقرون حاليا لمسافة كافية تسمح بطرح وجهة نظر ذات عمق.

  • الإعلام المحلي لم يعد موضوعيا، ألا ترى بأن المُخرج مُطالب بأن يسجل الأحداث والمتغيرات من خلال السينما الوثائقية لتبقى وثيقة حيّة موضوعية وغير منحازة تراها الأجيال القادمة وتقف عليها بصريا؟

المادة المرئية متوفرة بغزارة، ومواقع التواصل الاجتماعي بديل حقيقي عن الإعلام الرسمي أو الإعلام المكمل له. والمخرجون في ظلّ هذه التغطية الشعبية مُطالَبون بطرح وجهات نظر أكثر عمقا، وهذا شيء صعب في ظلّ التطور السريع للأحداث.

لقطة من فيلم "عرفان"
  • في فيلمك الروائي الطويل "عرفان"، نلاحظ بأن السينما هي أحد أبطال العمل إن لم نقل إنها البطل الرئيسي، فهل هي محاولة منك لرد الجميل لهذا الفن الذي عشقته، أم أن المعالجة فرضت عليك هذا الشكل؟

هو مزيج من كل ما قلت، لكنْ بغض النظر عن عشقي لهذا الفن بجانب عشقي للموسيقى، فالمعالجة هي من فرضت تموقع كاميرا شخصيات الفيلم أمام كاميراتي؛ الاطلاع على الماضي وتوثيقه ومعالجته بموضوعية واستنباط الخبرة من تجارب السابقين لتوجيه النظر والتركيز على الحاضر والمستقبل. أرشفة الماضي عبر الكاميرا تحررك منه إحساسا، وتحول علاقتك مع الماضي إلى علاقة عقلانية.

  • رغم مرور أكثر من نصف قرن على استقلال الجزائر، فإن الثورة الجزائرية لا تزال حاضرة بقوة في السينما ومن بينها فيلمك، ألا تعتقد بأن هناك تشبّعا من هذه الثيمة، وما المطلوب من المخرج حتى يصنع فيلما ثوريا لكن مختلفا عمّا هو موجود؟

بالنسبة لي أهم شيء في سنوات حرب التحرير وما سبقها هي الديناميكية الاجتماعية وإيمان الفرد بمشروع وتفانيه في تحقيقه، ولطالما راودني سؤال واحد: كيف لديناميكية اجتماعية مماثلة أن تنطفئ لتلد في وقت قياسي مجتمعا خاملا بيوميات يسودها هذا الفراغ الرهيب؟ علما بأن الفيلم يعالج يوميات شباب في مدينة داخلية في سنوات قِلة قبل الهبة الشعبية.

الأمر مرتبط بزاوية الطرح، فالفنان شاهد عصره، وتجذره في حاضره هو الضامن الوحيد ليجعل من المادة التاريخية مادة خام لمعالجة الحاضر.

جائزة أفضل دور نسائي جاءت لتؤكد أن الممثلة "مليكة بلباي" من طينة الممثلين العالميين
  • يُظهر الفيلم دور المرأة الجزائرية وتضحياتها في الثورة الجزائرية، هل ترى بأن الأفلام الثورية لم تُبرز هذا الدور بشكل عادل؟ حتى إنك في المناسبات الكبرى أنتجتَ أفلاما عن أبطال الثورة، لكن المرأة بطلة في هذه الإنتاجات، كيف ترى هذا الأمر؟

الثائر ثائر، وصفة الثائر تنزع عنه الانتماء لجنس معين ذكرا كان أو أنثى. نكران الذات وسط الجماعة شرط لمن تطلّع لمستقبل جماعي أفضل. شخصية المرحومة "نعيمي يمينة" شخصية كاريزماتية تُلخّص لك ديناميكية جيل، وكونها امرأة تعطيها بُعدا إنسانيا يفوح بعطر الورد الرومنسي، ويُبعدنا عن صورة الثوري المحارب الخالي من الأحاسيس، وعن التفاصيل السياسية التي عاشها وما زالت تعيشها النخب القيادية لتلك الحرب.

  • فيلمك ردّ الاعتبار للمرأة، كما فعل مهرجان وجدة للفيلم المغاربي الذي ردّ الاعتبار للممثلة "مليكة بلباي" بعد تتويجها أفضل ممثل في الدورة، فما الذي يعنيه هذا التتويج للممثلة والبطلة والفيلم؟

جائزة أفضل دور نسائي جاءت لتؤكد أن الممثلة "مليكة بلباي" من طينة الممثلين العالميين الذين يعانون -كباقي النخبة من المبدعين- من منظومة إنتاجية هشّة مبنية على مصالح ضيقة لا تخدم المصلحة الوطنية، كما أنها حرمت الفنانين من التموقع في الساحة الدولية، كما جاءت لتؤكد أن المشكلة في بلدي ليست مشكلة توفر الكفاءات، بل مشكلة منظومة إنتاجية فاشلة ناتجة عن غياب إرادة سياسية للنهوض بالمستوى الثقافي للمجتمع.

  • كيف تُقيّم الوضع السينمائي العام في الجزائر مقارنة بالدول العربية الأخرى، وأين يمكن أن نصنف تجاربها السينمائية الحديثة؟

يا أخي نحن في حالة فوضى عارمة، لا يمكن حتى التقييم في ظلّ معطيات خاطئة ومنظومة لا تسمح ببروز الكفاءات، فلا إستراتيجية حقيقية في التكوين ولا المرافقة ولا الإنتاج ولا التوزيع، بينما يقطع جيراننا أشواطا محترمة في كمّ الإنتاج ونوعه، وتحويل الخبرات الأجنبية عبر مشاريع اقتصادية فعّالة، والتأسيس لمنظومة سينمائية خالقة للثروة، وليس منظومة مستهلكة عبثية كالتي أُسس لها عندنا منذ ثلاثة عقود.

هذا الوضع الكارثي لم يمنع بعض المخرجين الشباب من فرض أنفسهم، لكنها تبقى تجارب فردية بُنيت على اجتهادات فردية أغلبها دفع أصحابها ثمن مواقفهم غاليا.