حوارات

لؤي العتيبي يتحدث للوثائقية عن سلسلته المرتقبة في الأمازون

 

حوار: شدى سلهب

عُرف بروحه المُغامرة منذ صغره، تجوّل في 90 بلدا حول العالم، واكتشف حضارات وشعوب لم نعرفها، حاول أن يُزيل اللثام عن المجهول فبدأ عام 2013 بسلسلة ”اكتشاف المجهول“ من إثيوبيا، ثم انتقل عام 2015 إلى قارة أخرى لاكتشاف مجاهيل أخرى في إندونيسيا، أما الآن فهو يتجهّز لإطلاق سلسلة جديدة من رئة العالم؛ الأمازون، حيث العالم المليء بالغموض، فما المجهول الذي سيُكتشف في هذه السلسلة الجديدة؟

تحاور الجزيرة الوثائقية المُغامر العربي لؤي العتيبي ليخبرنا عن سلسلته القادمة من اكتشاف المجهول في الأمازون، حيث كان آخر من صوّر في هذه الغابات قبل احتراقها. علما بأن السلاسل جميعها من إنتاج الجزيرة الوثائقية.

لؤي العتيبي وهو ينتظر أحد أطفال قبائل الماتسيس الذي صعد على الشجرة ليقطف الفواكه
  • أشهر قليلة تفصلنا عن العرض الأول لسلسلة ”اكتشاف المجهول في الأمازون“، ما الذي يميّز هذه السلسلة عن سابقاتها؟

عادة ما نفكر بأن يكون إنتاجنا لسلسلة جديدة في قارة جديدة، فقد بدأنا أولى سلاسلنا من أفريقيا بـ“اكتشاف المجهول.. إثيوبيا على الأقدام“، ثم اتجهنا إلى جنوب شرق آسيا بسلسلة ”إندونيسيا واكتشاف المجهول“، أما الآن في الأمازون، فما الذي يميز الأمازون؟

إنه عالم غامض لم يُكتَشف منه سوى جزء بسيط، فنحن قررنا أن نغوص فيه حتى نكتشف عوالم أخرى جديدة. صحيح أن العديد دخلوا الأمازون، لكن حين ندخله نحن سنعرضه بعيون عربية، أي حسب اهتماماتنا وثقافتنا وما يريده مُشاهدنا العربي، فهذا هو الاختلاف بين ما نقله الغرب وما ننقله نحن.

  • كم من الوقت قضيت في الأمازون للخروج بهذه السلسلة؟

صوّرنا في الأمازون ثلاثة شهور متواصلة تقريبا، وخرجنا بسلسلة من الحلقات تبلغ مدة كل منها 30 دقيقة. بدأنا من الأمازون السفلي حيث قبائل الماتسيس، ثم انتقلنا إلى حضارة الإنكا وقبائل الكيروس، وبعدها صعدنا إلى ارتفاع خمسة آلاف متر فوق مستوى سطح البحر حيث جبال الأنديز وما تبقّى من الإنكا، وثّقنا هناك علاقتهم بالجبال والشمس، حيث يُقدّمون فتياتهم كأضاحٍ لإلههم الشمس، وفيما بعد صورّنا الحياة البريّة في الأمازون، حيث التماسيح وسلحفاة الماتامات، والأفعى الأخطر في العالم البوشماستر، والكثير من الحيوانات التي شارفت على الانقراض، وبعضها لا يعيش إلا في الأمازون، واختتمنا جولتنا في الأمازون العلوي حيث قبائل الناناتي، وكنّا أول فريق تلفزيوني يصل إلى هناك ويصوّر حياتهم.

منظر جوي لغابات الأمازون
  • ”الأمازون اليوم يحترق“، ما هو وقع هذا الخبر عليك وأنت آخر من صوّر في تلك الغابات؟

خبر مُحزن ليس لي شخصيا فقط بل للعالم أجمع، فالأمازون رئة العالم، والأكسجين الموجود على الكرة الأرضية يأتينا من غابات الأمازون، إضافة لما تملكه هذه الغابات من تنوّع هائل للكائنات الحيّة فيها والتي يستحيل إيجادها في أي مكان في العالم.

لو نظرنا للمخلوقات التي تعيش في الأمازون فإنها ليست موجودة في أيّ مكان آخر، وبعضها شارف أصلا على الانقراض. ففي كل عام يكتشف العلماء كائنات حيّة جديدة في الأمازون نحن البشر لا نعرف عنها، فتخيلي حين نفقد هذا، ماذا تكون الإنسانية قد فقدت، وماذا تكون البشرية قد خسرت؟

  • حلقاتك محفوفة بالمخاطر، وكنت قد تعرضت للإصابة والوقوع من عُلوّ ثلاثة أمتار في إحدى حلقات اكتشاف المجهول، حدّثنا عن أخطر المواقف والتحديات التي تعرضتَ لها خلال رحلة الأمازون.

في الأمازون دخلت المستشفى مرتين، كما تم إيقافي عن العمل بشكل اضطراري لمدة أربعة أيام من قِبل الأطباء.

الأمازون عالم قاسٍ رفضَنا نحن كغرباء، بمعنى أنه عاقبنا على وجودنا هناك وتَدَخُّلنا فيه، رغم أنه تدخّل بريء لم نقصد فيه أيّ ضرر. المخلوقات والحشرات هناك آذتني بشكل كبير، عدا الإصابات البسيطة كالجروح التي لا تُذكر، لكنها تركت أثرا في جسمي حتى اليوم.

شخص من قبائل الماتسيس يقوم بتصنيع أسهم للصيد
  • رغم هذه الصعاب التي تواجهها، ما الذي يدفعك للاستمرار؟

”الهدف“ هو ما يجعلنا نُكمل، فنحن ذاهبون للاستكشاف، وهذا له ثمن وضريبة بكل تأكيد، فنحن إذا لم نستكشف كيف سنأتي بالمعلومة، المعلومة لا تُقرأ على الإنترنت، بل يجب أن نعيشها بكل تفاصيلها وبكل حواسنا، يجب أن نسمعها ونلمسها حتى نستطيع أن ننقل الصورة الصحيحة للمشاهد.

  • بعد هذه الرحلة والرحلات السابقة، ما هي أهم الانطباعات التي خرجت بها عن غابات الأمازون وعن قبائلها؟

أنّ الله خلق عالما متنوعا بالمخلوقات والكائنات بجميع الألوان، لكننا أصبحنا نخاف على هذا التنوع من الاختفاء بسبب شجع الإنسان في البحث عن الثروة، وقيامه بتدمير الطبيعة بكل ما فيها. لقد أصبح اليوم من الصعب البحث عن القبائل التي ما زالت معزولة، ومن الصعب أيضا أن تُحافظ هي على حياتها وعاداتها وتقاليدها، كما أن العولمة التي تغزو العالم لم تعد تسمح لأحد بالحفاظ على عاداته وتقاليده وأسلوب حياته كما كان منذ آلاف السنين.

لكن كيف يمكن للعالم أن يحافظ على هذا التنوع والجمال ولا يساهم في تدميره واندثاره؟ كلما عشتُ عند هذه القبائل اكتشفت تراثهم وعاداتهم وتقاليدهم الغنية المكتسبة والمتوارثة منذ الآف السنين، ومن المُحزن القول إن العولمة وجشع التجار وتقصير الدول في أداء دورها في حماية المناطق الطبيعية سيساهم في تدمير هذا كله، أتمنى ألاّ يحدث ذلك.

العتيبي يلبس طوق أسنان التمساح على رأسه، وهي إحدى طقوس الماتسيس في توديع الضيف
  • في كل رحلة من رحلاتك تُحاول أن تكون قريبا من الشعوب التي تزورها، كيف تستطيع محاكاتها والاندماج معها؟

منذ 21 عاما وأنا إنسان مُغامِر يزور العديد من الشعوب والقبائل، ولعلّ لغة التواصل فيما بيننا هي العائق الوحيد، لكننا استطعنا حلّه، فهؤلاء الأشخاص الذين أزورهم هم أشخاص حقيقيون وبسطاء لم ينغمسوا في الحياة المادية، كما أن التعامل معهم سهل ومريح. بمجرد وجودي معهم وبينهم أشعر بأنني عدتُ إلى إنسانيتي وإلى لؤي الحقيقي بكل مكوناته، وهذا تماما عكس العلاقات في مجتمعاتنا المدنية التي تحكمها العلاقات المادية.

هذه المجتمعات لا تحكمها المادة أبدا، فأنا أتعامل معهم بطبيعتي بلا أيّ مجاملة أو نفاق، وأحاول دائما أن أكون قريباً منهم. هذا الفارق بين الإنسان الأصلي وبين آخر يعيش في المجتمعات المادية، حيث يتحوّل الإنسان إلى شخص مصلحيّ تحكمه المادة.

  • ما هو أغرب أو أصعب شيء بالنسبة لك عند محاكاة عادات جديدة في الأمازون؟

نحن عادة ما نقرأ الكتب عن التاريخ والحضارة، لكن حين أكون هناك فإنني لا أقرأ التاريخ بل أعيشه وأتفاعل معه بكل حواسي، أرى بأن هذه هدية من الله بأنني أستطيع أن أكون بينهم.

اللحظة الأولى للقاء هي الأصعب بالنسبة لي، وهي التي تشكل عنصر المفاجأة، فأنا أخاف من ردّ الفعل كبداية، لأنه ليس من السهل قبول شخص غريب على قبائل الأمازون، لكن بعد ذلك تصبح سهلة جدا وسلسلة جدا.

عندما أكون ضيفا عند هذه القبائل لمدة أسبوعين أو ثلاثة فالرسالة التي أودّ إيصالها خلال فترة وجودي هي أن أكون شاهدا على إيصال تفاصيل حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، فهؤلاء أشخاص عاديون وليسوا مُمثلين، فهم يعملون أما الكاميرا بسجيتهم دون تمثيل، ومن الصعب مثلا أن أطلب منهم عمل طقس معين في غير موعده، فهو لا يستطيع اسيتعاب لماذا تريد عمل هذا الشيء في غير موعده، هناك طقس يمارسونه مرة واحدة في العام، فكيف لي أن أطلب منه القيام به في وقت آخر لأجل التصوير؟

العتيبي يأكل أحد التماسيح التي قام باصطيادها مع قبائل الماتسيس
  • حدِّثنا عن فريق العمل الذي تشكله لإنجاز أفلامك ومغامراتك.

يختلف فريق العمل من مكان إلى آخر، وعادة ما يتكوّن من 20 شخصا وأحيانا أكثر أو أقل، لكن ما يجب أن يتميز به الفريق هو امتلاكه قدرات فردية فنية أو تصويرية، والأهم من ذلك هو مدى قدرة كل منهم على تحمّل المعيشة في هذا المكان وفي مثل هذه الأجواء، فنحن نمشي أحيانا أكثر من 20 كيلومترا يوميا، كما نتحمّل الرطوبة ودرجة الحرارة العالية دون استحمام أو حتى تغيير الملابس، كلها ظروف صعبة بحاجة لمن يتحمّلها.

عادة ما أُشبّه رحلتنا بالكأس الممتلئة التي تقلّ تدريجيا إلى أن تجفّ، فهي ليست رحلة استنزاف جسدي فقط بل ذهني وعصبي أيضا، فكل يوم نعيش ظروفا صعبة من ناحية الطعام والحشرات والجو والنوم في الغابات لشهور طويلة.

ما أراعيه في فريق العمل هو قدرته على تحمّل هذه الظروف، وأقصد بذلك قدرة التحمل الجسدية والنفسية، وأن يكون كل منهم قادرا على العطاء في أول يوم للتصوير كآخر يوم فيه، لأن المُشاهد في النهاية ينتظر مشاهدة أول حلقة في السلسلة كآخر حلقة فيها.

وبالنسبة لتصوير الحياة البرية مثلا اصطحبنا معنا مُسعفا، كما أخذنا مضادات للسموم، وعملنا اتفاقا مع الجيش بأن يرسلوا لنا طائرة إخلاء في حال حدوث أي طارئ.

رجل من قبائل الماتسيس ينفخ في أنف العتيبي أحد أنواغ التبغ المعروف بالنيني الذي يعتقدون أنه يُزيل التعب
  • هلّا أطلعتنا على حقائق مُثيرة لا يعرفها الجمهور عن الأمازون؟

المُثير أننا أول فريق تلفزيوني وصل إلى قبائل ”النانتي“ لتصويرها، فقبل عامين لم يكن أحد يعلم بوجودها أصلا، ونحن أول من صوّرنا تفاصيل حياة هذه القبائل، كما أننا قمنا بتصوير بعض الحيوانات التي شارف بعضها على الانقراض، وبعضهم لا يعرف أن هذه الحيوانات موجودة أصلا.

سنعرض قريبا كواليس مُفاجِئة للمُشاهِد من الأمازون، والتي ستسمح له بالاطلاع على كافة الظروف والمغامرات التي عشناها في رحلتنا، فنحن نودّ للمشاهد أن يعيش الرحلة معنا.

إحدى نساء الماتسيس تضع عيدان على أنفها، وذلك تشبها بحيوان الجاغوا
  • ما المجهول القادم الذي ستكشفه للمشاهد؟ وماذا بعد الأمازون؟

سوف نبحث عمّا هو جديد بكل تأكيد في مشروعنا القادم، والأهم أن الجمهور لا يعرفه. ما يهمنا هو إيصال معلومة جديدة للمشاهد العربي، فمعظم المواضيع التي طرحناها سابقا في سلاسلنا لم يكن المشاهد العربي على علم أو دراية بها. تهمنا المعلومة الجديدة التي لا يستطيع جمهورنا أن يصلها لكنها تُثير اهتمامه وتُشعره بمتعة الفرجة، وما يهمنا أيضا أن يكون هناك اختلاف وتنوع ما بين سلسلة وأخرى.

  • كلمة أخيرة للؤي العتيبي.

رسالتي بهذه السلاسل من اكتشاف المجهول أن أكون مُحفزا للشباب والشابات العرب، وبالإضافة للمعلومة التي أقدمها للمشاهد فإن هدفي الأسمى هو إعطاء طاقة إيجابية بأن الإنسان العربي يستطيع العمل رغم كل الصعاب، فلا هدايا في هذا العالم تُقدّم للإنسان، بل عليه أن يسعى ويُضحّي حتى يصل لهدفه، فلا شيء في هذه العالم مُحتكَر لأحد، ومن يريد العمل سيعمل. أحبّ أن تصل رسائلي التحفيزية للجميع بطريقة ليست مباشرة.