حوارات

لطفي بوشناق للوثائقية: هويتنا وفننا هما سلاحنا

حوار: بلال المازني

الفنان العربي لطفي بوشناق على المسرح

كلما أخذتك المدينة وضجيجها والأخبار المتساقطة بحلوها ومُرّها والإسفلت القاسي وصعود الدولار؛ تبحث فتجد نافذة تأخذك إلى حديقة خلفية بعيدة، هي حديقة الزمن الجميل والفن الملتزم والإنسان، نافذة يفتحها لنا اليوم لطفي بوشناق.

إن كان من العبث تعريف الرجل فإن عناوين أغانيه تُعرّفه؛ الأميرة ديانا وسراييفو وأجراس العودة وأنا العراق، وخذوا المناصب والمكاسب لكن خلّولي الوطن، والمئات المئات من الأغاني الخالدة الأخرى.

اليوم تزور الجزيرة الوثائقية الفنان العربي لطفي بوشناق في حوار ممتع عن السينما والموسيقى وهموم الإنسان العربي وأحلامه.

 

  • هناك جزء لا يعرفه الجمهور، أو ربما بدأ باكتشافه مؤخرا، وهو لطفي بوشناق الممثل، ما هي أبرز الأعمال التي قدمها لطفي بوشناق في هذا المجال؟

لا أستطيع القول إنني ممثل، فالتمثيل مهنة أحترمها ولها خصوصيتها، لكن خضتُ بعض التجارب الثرية، الأولى مع المخرج توفيق الجبالي في مسرحية ”كلام الليل“، ثم شاركت في أوبريت ”تحت السور“، كذلك شاركت في فيلم ”صندوق العجب“ للمخرج رضا الباهي، كما خضت تجربة أخرى في فيلم سوداني مصري بعنوان ”رحلة عيون“، وتجربة في المسلسل التونسي ”مكتوب“، والتجربة الأخيرة كانت في مسلسل ”النوبة“ للمخرج عبد الحميد بوشناق.

  • من بين هذه الأعمال جميعها، ما هو العمل الأقرب إليك؟

ليس هناك عمل أفضّله على الآخر، فكل هذه التجارب مقربة إليّ، ولم أحسّ أنني متطفل في تلك التجارب التي خضتها، وقمت بأدواري التي كانت مناسبة لي.

في مسلسل ”مكتوب“ مثلا طلب مني المخرج سامي الفهري أن أنسى شخصية لطفي بوشناق، فلم تكن التجربة هيّنة، فقد جسّدت فيها دور فنان يبحث عن لقمة العيش والزواج من امرأة يحبها، لكن لم يحظَ بالمكانة التي كان يبحث عنها. وقد اقترحت على المخرج أن تكون شخصيتي في المسلسل طريقا لحلّ الكثير من المشاكل والقضايا من خلال الموسيقى، لكن لم نتفق أنا والمخرج على ذلك.

  • ما هي برأيكم العلاقة بين الموسيقى والمسرح أو السينما؟

أعتقد أن الموسيقى والمسرح والسينما متماهون مع بعضهم نوعا ما، ولا توجد بينهم فوارق وفواصل إلا في الشكل.

للأسف في المسرح في تونس هناك تجارب تُعدّ على الأصابع في مجال المسرح الغنائي، فالموسيقى تكاد تكون غائبة في المسرح، وهذه مشكلة حسب رأيي، حيث يغيب الترابط الكافي بين هذين الفنين العظيمين، وأعتقد أن ذلك يعكس شيئا أكبر وأعمّ، وهو أننا في الحقيقة نجهل بعضنا.

جهلنا لبعضنا هو مشكلة، وهو سبب في ما يحصل في الأمة العربية التي تنشد الوحدة في وسط يجهل فيه كل منا الآخر. من الجيد أن نعرف بعضنا بمساوئنا ومحاسننا، فهذه الفترة التي تمرّ بها الأمة هي مرحلة حتمية.

 

  • كانت لك تجربة مع المخرج رضا الباهي الذي أعطاك دورا رئيسيا، ألا تعتقد أن هذه التجربة ألصقت بك صورة الرجل التقليدي الجدّي صعب المراس التي رافقتك طويلا؟

في تلك التجربة كنت أنا مع بعض التضخيم في الشخصية، ففي الواقع أنا جدّي، وأعيش حياتي بكل جديّة، وأنا لا أترك حياتي مثل السفينة التي تحملها الرياح، أريد أن أكون وسط العاصفة وضدها أيضا.

  • يعني أنك ستختار دائما البقاء في الإطار الجدّي للشخصيات التي تُعرض عليك؟

لا يمكن أن أكون شخصية كوميدية، فملامحي الجدّية تفرض ذلك، هناك أدوار لا تتلاءم مع ملامح وجهي.

  • ألا تستطيع موهبة المخرج أن تغيّر تلك الصورة؟

الأمر صعب، ذلك يحصل في حال دراسة وامتهان التمثيل، لكن شخصيا لا أُجيد مهنة التمثيل، لذلك أكون عفويا وطبيعيا ومطابقا للطفي بوشناق في الواقع، فأنا أكره التكلف.

  • تجربتك وإن كانت صغيرة مع المخرج عبد الحميد بوشناق، كيف تُقيّمها، خاصة وأنها تجربة خاصة نوعا ما، باعتبار أن عبد الحميد هو ابنك، وانقلبت الأدوار هنا فأصبح الابن يوجه والده؟

كان تعاملنا محترفا وعاديا بين مخرج وممثل وليس بين أب وابنه، وما طلبه مني نفذته، وهي تجربة مثل التجارب الأخرى في السينما والمسرح، ففي الفن ليس هناك كبير، وأنا نفذت التعليمات التي أعطاها لي المخرج بحذافيرها.

  • ما هي علاقتك بالسينما؟

”سينما ورد الشفايف سينما شهد الكلام..
سينما والقلب خايف.. سينما والروح رخام
دنيا وتمثل عليا.. طايرة بيك وطايرة بيا
صرت مش عارف يا روحي.. إنت روحي بين إيديا
وإلا أنت حتى إنت سينما

نحن نعيش في أكبر فيلم الآن، فالحياة مسلسل لم تُحدد نهايته، تشدنا وتؤثر فينا كل الأحداث التي نعيشها ونشاهدها، سينما ”دنيا وتمثل عليا“ كما تقول الأغنية التي أديتها. وفي علاقتي بالسينما أكيد أنني أعشق الأفلام والمسرح والرسم، فأنا متابع وفيّ للمعارض الفنية.

 

  • هناك المئات من الأغاني غير المعروفة للعامة، والتي لم يروج لها لطفي بوشناق ولم يُخضعها لشركات الإنتاج، هل لديك موقف معين من التعامل مع شركات الإنتاج الفنية؟

أنا أرفض أن أقع تحت طائل إستراتيجياتهم الفنية، فإذا مُنع الفنان وقُيّدت حريته فهو لا يستحق كلمة فنان. أنا أرفض أن أكون دمية تحركها هذه الشركات عن طريق ما تُمليه عليّ من شروط. أنا أعترف بخصوصية شركات الإنتاج وأهميتها، لكن ما فائدة فنّي إذا لم أفعل ما أريد، وما فائدته إذا رضيت بالقيود التي تفرضها الشركة عليّ؟

شخصيا ”خُلقت طليقا كطيف النسيم، وحرّا كنور الضحى في سماء“.

  • متى سيشهد الجمهور ترويجا للإنتاج الغزير الذي يملكه لطفي بوشناق، متى ستخرج تلك الأغاني إلى النور؟

الإنتاج موجود، وأنا أعمل أكثر مما أتكلم، هناك أساتذة كبار في العديد من المجالات مثل الموسيقى كانوا يعملون بصمت وتحت الظل، ثم يأتون بإنتاجات فنية عبقرية، وهو ما حصل لفنانين في تونس والعالم العربي أيضا، وهذا ما أتمنى أن أكون عليه.

  • ما الذي جعلك تجرّب كل أنواع الموسيقى؟

هناك مخزون ألِفته أذني، فكما استمعت إلى الموسيقى الشرقية، استمعت إلى أنواع أخرى من الموسيقى، فليس لي حدود ولا مشكلة مع أي نوع من الموسيقى، فأنا قد تشبعت مثلا بالفن الشعبي والجاز والبلوز والقوالي والابتهالات وكل أنواع الموسيقى، فالمهم بالنسبة لي هو الإتقان والصدق، وليس التجربة فقط ليُقال إن فلان فعل.

  • من المواضيع التي طبعت أغاني بوشناق هي المواضيع السياسة التي كانت حاضرة بقوة في أغانيك، فحتى وإن لم تمارس السياسة لكنك غنيتها وخضت فيها، فكيف تقيّم هذه المسيرة الصاخبة من الأغاني السياسية؟

هي ليست سياسية بل تحمل جوانب إنسانية، فأنا لا أشتغل مع السياسة، فالسياسة مهنة، وأنا لستُ سياسيا بل إنسانا، أحاول أن أكون ناطقا باسم هذه الأمة والإنسان العربي، أنقل مشاكلهم وآمالهم وفرحهم وغضبهم وأحلامهم وكل تفاصيلهم، فأنا لن أؤدي دائما أغاني العشق فقط التي يقتات منها البعض.

المواضيع الإنسانية يجب أن تُثار بصدق بواسطة الفن، ولا بدّ أن يكون الدعم موجودا، ويجب أن تكون التوعية موجودة أيضا، والحب والحرية والديمقراطية والعدالة أيضا.

 

  • في النهاية هذه التفاصيل الإنسانية التي ينقلها فن بوشناق ربما لن تعجب السلطة والحاكم؟

إرضاء الناس غاية لا تدرك، وستجد دائما من هو عليك ومن هو ضدك.

  • يعني أنك لا تخشى الدخول في صراع بينك وبين الآخر، سمّه كما شئت الحاكم أو السلطان أو السياسي؟

أنا لا أعيش أي صراع، أنا أحاول قول الحقائق كما هي، أحاول أن أكون صادقا، وأن أنقل صورة صادقة علّهم يتعظون، فأنا لست نبيا ولا أنتمي للسياسة، فعند الحديث عن المَظلَمة في القدس وفلسطين فذلك ليس سياسة، وعند الحديث عن ضمائر الحكام تجاه شعوبهم ودعوتهم أن يكونوا عادلين غير متجبرين؛ هنا لا أتحدث عن السياسة.

وقد قلت ”خذوا المناصب والمكاسب.. وخلّولي الوطن“، فالأوطان حين تُباع لا تُسترجع، وكل خوفي من الضباب الذي نعيش فيه، فنحن نسير نحو المجهول، وشخصيا أسير واضعا يديّ فوق صدري، فنحن نعيش في حالة لا حرب ولا سلم.

”أين، إلى، ومن أنا، حتى متى يعود لي رجع الصدى
حتى متى
فمن يعير عينه كي أرى، ومن يعير أذنه كي أُنصت
لا شيء في أفقي سوى عُنقي الذي إلي وحدي نازفا تلفت
أقول ليلي قد مضى فهل مضى
أقول فجري قد أتى فهل أتى
أنا جذع أرضي لا أزال واقفا، لكن خوفي إن لم أجد لي منبت
أعيد نحت صخرتي أم صرختي
ألُمّ مني موطني المشتت
يا موطني متى تكون موطني متى متى حتى متى“.

  • هل تعتقد أن فنك قادر على التغيير؟

أنا لا يهمني هل يغيّر أم لا، المهم أن أعبّر، لست مغفلا مغمض العينين، ما أراه أعبّر عنه، أما مسألة التغيير فهي ثانوية، فحين أنظر إلى نفسي في المرآة لا أخجل من نفسي، لكن أستحي حين ما أبقى صامتا عن الحق، ومن رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.

أعطاني الله موهبة الصوت، وأنا لا أفعل شيئا معيبا، فلست مواليا لحزب معين أو شخص معين أو يقف ورائي طرف ما، وأنا لست مُسيّرا من أحد.

لطفي بوشناق: في هذه الحياة تُولد عاريا وتموت عاريا، ولا تترك سوى مواقفك

  • ما أعنيه بسؤالي السابق هل الفن بشكل عام قادر على تغيير الأوضاع وحلّ المشاكل سياسية كانت أو اجتماعية؟

آخر سلاح تبقّى بيد العرب لإثبات الهوية وتبليغ الرسالة وتلميع الصورة ودعم الاقتصاد هو الفن، نحن لا نملك شيئا من التكنولوجيا والصناعات المتطورة، هويتنا وفننا هو سلاحنا، ومواقفنا المشرفة وصدقنا.

  • على ذكر المواقف، هناك من لا يعلم أن لطفي بوشناق تلقى عروضا بعشرات آلاف الدولارات للغناء  في إسرائيل لكنه رفض!

تلقيت مئات العروض لكنني رفضت. في هذه الحياة تُولد عاريا وتموت عاريا، ولا تترك سوى مواقفك، وما يعنيني هو المواقف المشرفة.

  • هل يملك الجمهور العربي اليوم الوعي الكافي لتقبل هذه الرسائل واستيعابها؟

لا تُحمّل هذه المسؤولية للجمهور، بالنسبة لي في حفلاتي أجد الجمهور يتفاعل مع ما أقدم من أغاني الطرب إلى الأغاني الإنسانية التي أطرح فيها قضية ما. في آخر حفل لي في مدينة الثقافة كانت القاعة مكتظة، واضطر المشرفون على التنظيم إلى إضافة 85 كرسيا، وأديت خلالها الموشح والدور والليالي، وقدمت أغاني مختلفة المواضيع، وتفاعل معي الجمهور تفاعلا كبيرا، ولم يقبل الجمهور مغادرة القاعة.

  • لا يخفى علينا أن العالم العربي يعيش أزمة فن، برأيك ما هو سبب الأزمة التي يعيشها الفن في العالم العربي؟

حين تعرف أن وزارات الثقافة في العالم العربي ميزانيتها أقل من ميزانية كل الوزارات الأخرى، فالنتيجة ستنعكس وجوبا على الفن.

لطفي بوشناق: يجب ضم الصفوف من أجل النهوض وبناء مستقبل أفضل

  • لماذا لا يولي السياسي العربي الثقافة الاهتمام الذي يلزمها؟

ذلك جزء من المؤامرة، فالشعوب اقتُلعت من جذورها وثقافتها، فالجميع ضحية تأثير الإعلام والعولمة والثقافة الوافدة، في حين تقلص وجود الأصالة وغابت شخصيتنا التي هي بصمتنا وهويتنا وسلاحنا، وإذا فقدت الهوية فهي النهاية. نحن نعيش التفسخ واستهلاك ما يقدمه لنا الآخرون ضمن ما يسمى بالعولمة. نحن لا نملك تكنولوجيا، ولسنا دولا مُصنِّعة، فلماذا لا نبدع في الفن ولا نستغل ما نملكه من موروث فنيّ أصيل؟

  • الغريب أننا أحيانا نتفاجأ أن الغرب يعطي قيمة كبيرة لموروثنا وإبداعنا، ويدعم ويشجع أكثر من العرب في حد ذاتهم.

صحيح والسبب أننا نجهل أنفسنا ونجهل بعضنا، ولا نحاول أن نمدّ أيدينا إلى بعضنا ولملمة جراحنا بأنفسنا، وهو أمر خطير جدا، وقد نصل إلى ما لا يُحمد عقباه.

  • هناك نوع من السوداوية في تشخيصك للمستقبل، هل هناك بصيص من الأمل؟

سأعطيك أمثلة، نقل سفارة إسرائيل إلى القدس، وما يحصل في عالمنا العربي اليوم من حروب وإرهاب وجهل وفقر كله يجعلني متوجسا من المستقبل، في ظلّ هذا الوضع لا يمكن أن أكون متفائلا، وإلا لكنتُ شبيها بمن يعاني من السرطان ويوهم نفسه بأنه مريض بالإنفلونزا.

هناك سرطان لكننا نقاوم ونغني. هذه ليست سوداوية بل واقعا، ولا بدّ من تسمية الأشياء بمسمياتها، فكل يوم نطالع أخبار الموت والتفجيرات، وهناك شعوب تسير نحو الاضمحلال، بينما دولة مثل إسرائيل تفعل ما تريد، في المقابل غابت القضية الفلسطينية منذ الربيع العربي، وهي غائبة في وعي الكثير من الشباب.

لطفي بوشناق: إرضاء الناس غاية لا تدرك، وستجد دائما من هو عليك ومن هو ضدك

  • هل هناك مؤامرة لإلهاء الشعوب العربية عن قضاياها؟

مما لا شك فيه، لكن المؤامرة تنجح كالمرض الذي يدخل الجسد ولا يجد فيه مناعة طبيعية فيحتله في وقت قصير دون مقاومة.

  • هل يتحمل الفنان العربي مسؤولية تناقص الوعي لدى الشعوب العربية؟

أكيد كلنا نتحمل المسؤولية، الفنانون والإعلاميون والسياسيون والمواطن العادي يتحمل أيضا جزءا من المسؤولية. لكن الصحوة العربية تكون عن طريق الثقافة، لذلك ألغيَ دور الثقافة في العالم العربي، لو أخذنا الغناء والموسيقى مثلا فإن الأغاني التي تبثها العديد من القنوات التلفزيونية لا تعبّر عن الأنا العربي، ولا عن همومه ولا عن قضاياه. مرة أخرى هويتنا وفننا هما سلاحنا.

  • ما هي كلمتك للعالم العربي؟

”ضموا الصفوف أزيلوا الفتن، وضحّوا جميعا لأجل الوطن، وكونوا حماة وكونوا بُناة ولا تستهينوا بغدر الزمن. إذا الشعب يوما أراد الحياة ينال الأماني بدفع الثمن“. وعليه يجب ضم الصفوف من أجل النهوض وبناء مستقبل أفضل.