حوارات

“محمد الكندي”:لا توجد لدينا سينما حقيقيّة

وسيم القربي

المخرج والمسرحي محمد الكندي مدير الجمعية العمانية للسينما.

تشهد الساحة الثقافيّة العمانيّة حركيّة ملحوظة من خلال تعدّد النشاطات والإنتاجات الفنيّة ومن ذلك المجال السينمائي، وقد كانت الفرصة سانحة للاطلاع عن قرب على هذه الحركيّة من خلال زيارتنا لمقر الجمعية العمانيّة للسينما. هناك تدبّ الحركة كخليّة نحل من خلال أنشطة الشباب العماني المولع بالسينما وهم بصدد التحضير لتنظيم الدورة العاشرة لمهرجان مسقط السينمائي الدولي خلال الأسبوع الأخير من شهر مارس القادم. الجزيرة الوثائقية التقت مدير الجمعية العمانية للسينما المخرج والمسرحي محمد بن سليمان الكندي للحديث عن رؤيته وعشقه للفنّ السينمائي ورصد أحلام سينمائيّة عمانيّة يأمل من خلالها استقطاب الجمهور العماني ونشر الثقافة السينمائية وإبراز صورة السلطنة على المستوى الدولي.

بداية، لو تعود بنا إلى أيّام الطفولة لتحدّثنا عن بداية الأحلام عبر الصورة في أوائل السبعينيّات؟

الفنّ متغلغل في داخلنا منذ الصغر حيث عايشت منذ طفولتي جيل السبعينيات الذي اعتبره بمثابة الجيل الذهبي، كنّا نستمتع بموسيقى أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم وفريد الأطرش وغيرهم. من جهة أخرى كنت أتابع بدقة أعمال أخي الفنّان التشكيلي، وأستمتع بما يرسمه فتكبر أحلامي أكثر وأهيم عبر مخيّلة طفولية في مجموعة من الصور الذهنيّة.

تعود بي الذاكرة إلى ذكريات زمن جميل، كنت حينها طفلا لم أتجاوز السادسة من عمري وكنت مع سائر أطفال الحيّ نجتمع لمشاهدة الأفلام الأمريكية والهندية والاستمتاع بالأغاني عند الجيران، الذين كانوا يعيشون خارج عمان وعادوا محمّلين بأجهزة حديثة آنذاك من ذلك جهاز التلفزيون والفيديو وأشرطة الأفلام… كانت متعة حقيقيّة لا أتذكّر من خلالها صورا محدّدة لكنّ كلّ ما أتذكّره هي تلك الصور التي كانت مشاهدتها تمثّل متعة حقيقيّة.

بدايتي كانت مع ذلك التكوين الشعبي الذي أنتج عشقا مهوسا بالفنّ عموما وبتلك الصور العجيبة التي تتحرّك عبر الشاشة الصغيرة. كبِرت وكبُرت معنا أحلامنا حيث انخرطت في بداية الثمانينيّات في المسرح المدرسي ومسرح الهيئة العامة للشباب، وانخطرت في التمثيل المسرحي، كما شاركت في بداية التسعينيّات في مهرجان مسرح الشباب وبدأت أتحسّس طريقي من خلال احتكاكي بالوسط الفنّي في السلطنة.

كواليس تصوير الفيلم الوثائقي عمان في قلب زاكورة .

تميّز مسارك بمحطّات متعدّدة انطلاقا من المسرح ومرورا بالتلفزيون للوصول إلى المجال السينمائي، فهل تعتبر هذا التعدّد بمثابة البحث عن الذات؟

لم يكن الدخول في المجال الفنّي عموما طريقا معبّدة، حيث كانت الاتجاهات متعدّدة والأفق ضبابيّا نوعا ما لكنّ هدفي كان ممارسة الفعل الثقافي انطلاقا من المسرح. الفنون تشترك وممارسة أشكال متنوّعة منها هو نقطة إيجابيّة في صقل التجربة. انطلقت من المسرح لأبلغ مرحلة الاشتغال في التمثيل في عدّة مسلسلات تلفزيونية حيث تتلمذت على يد مجموعة من الأساتذة في التلفزيون العماني على غرارعبد الكريم جواد وحسن أبو شعيرة وأمين عبد اللطيف وسعيد موسى، ودخلت حينها للاشتغال في تلفزيون عمان ووجدت التجربة مناسبة للاطلاع عن قرب على تجارب مختلفة. جمعت بين التمثيل والمساعدة على الإخراج لأصل إلى إخراج عدّة برامج أطفال باعتبار أنّ فترة الطفولة تمثّل بالنسبة لي ذلك الإلهام وزمن الأحلام.

بدأت الرؤية تتّضح أكثر وازداد ولعي بالصورة، وباعتبار حرصي على اكتشاف خبايا الممارسة التلفزيونيّة توجّهت رويدا رويدا نحو الرغبة في الاطلاع على التجربة الوثائقية، فانطلقت في دراسة الإنتاج والإخراج التلفزيوني والسينمائي بأستراليا. قرّرت أن أكون مخرج أفلام وثائقيّة وهي المحطّة التي برز فيها ذلك الحسّ الوثائقي وتلك الرغبة الجامحة في المرور إلى محطّة أخرى من مسيرتي التي أعتبرها بمثابة تجريب وبحث عن الذات.

لقطة من الفيلم الوثائقي كنوز عمان البحرية تصوير وإخراج محمد الكندي .

بعد إنجازك لمجموعة هامّة من الأفلام الوثائقية التلفزيونية أساسا، ما هي نظرتك الجماليّة والفكريّة للفيلم الوثائقي عموما؟

هناك مدارس مختلفة ينتهجها المخرج لكنّ الأسلوب يبقى خاصّا، أحبّذ ذلك النقل الأمين للواقع ورصد تلك العفويّة واقتناص الصّور واللحظات لتبقى الصورة وثيقة راسخة وذاكرة حدث. من جهة أخرى أرى أنّ اختيار زوايا التصوير يجب أن يكون متفرّدا عبر البحث عن زاوية غير مألوفة وهو ما سيُظهر الصورة بشكل آخر يكون بمثابة الرؤية الخاصّة. أحبّذ أيضا الاعتماد على اللقطات المكبّرة حيث تكون الكاميرا قريبة من الشخصيّة الرئيسيّة، كما أنّي أسعى إلى أن لا تربك الكاميرا شخصيّات الفيلم وأن تكون ذلك الحاضر الغائب قصد رصد الصور الحيّة وهو ما يفرض تخصيص فترة كبيرة للمعاينة وإدخال الألفة بين الكاميرا وشخصيّات الفيلم وهي فترة تستغرق أكثر من التصوير في حدّ ذاته. أحرص أيضا على جماليّة الصورة لتكون الصورة أمينة في مواكبة الحدث على أن تمتاز في الآن ذاته بجانب جمالي ورمزي.

على المستوى الفكري، رؤيتي تتّجه إلى ضرورة الاستناد على المرجعيّة الثقافيّة والتعبير عن الذات وطرح قضيّة معيّنة من خلال عمل وثائقي يحمل خاصّيّة التشويق والحبكة. كذلك أهتمّ من خلال أعمالي الوثائقيّة بالاشتغال على إبراز الهويّة العمانيّة من خلال الاهتمام خاصّة بالجانب التاريخي وتوثيق البيئة العمانية نظرا لما تكتنزه السلطنة من ثراء طبيعي. الفيلم الوثائقي حسب رؤيتي هو فيلم واقعي ينقل رؤية الذات عبر رؤية صادقة لكنّها مختلفة ومجدّدة في الآن ذاته.

تصويرك لفيلم “كنوز عمان البحريّة” هو غوص واكتشاف للبيئة البحريّة، لو تحدّثنا عن هذه التجربة؟

عادة ما أهيم في جمال الطبيعة المحليّة وأجعل من الضياع طريقا للتأمّل. تمّ تكليفي من طرف التلفزيون العماني لتصوير سواحل وموانئ عمان القديمة من رأس مسندم إلى ضربة علي قرب الحدود اليمنيّة، كنت أتأمّل البحر وأتساءل: ماذا يحتوي هذا البحر؟ لماذا لا نصوّر عمق بحارنا مثلما تفعل ذلك القنوات العالميّة؟ هل تختلف أعماقه عن بحار العالم الأخرى؟ ثم يراودني سؤال مضادّ: كيف لابن منطقة داخليّة أن يقتحم بحرا لا يعرف خباياه؟

لكنّي مع تقدّمي في تصوير الموانئ، كان البحر يروي لي رواياته ويثير شغفي للتصوير في أعماقه، وكان لا بدّ لي من أغوص في أعماقه وأخرج فيلما وثائقيا يستخرج مكنونات هذا البحر لنُعرّف بصورنا وبثراء الصورة العمانيّة.

بعد فترة من التدريب على الغوص في الأعماق، قرّرت رفقة فريق تقني محترف مواجهة مخاطر التيّارات البحريّة، وكنّا نغوص في عمق يتجاوز الثلاثين مترا لفترة تستغرق كلّ مرّة حوالي ساعة من الزمن، كما عشنا مغامرات متعدّدة التي وصلت حدّ التوهان بالإضافة إلى التقلّبات الجويّة ووجود الشوائب في قاع البحر…

استطعنا استخراج صور لم أكن أتوقّعها، حيث ضمّ الوثائقي مشاهدا لتوالد الأسماك بالإضافة إلى دراسة جيولوجيّة استعنّا من خلالها بخبراء في علوم البحار.

يقول الكندي أنه متشوّق لمشاهدة الأفلام الوثائقية العمانيّة لما تزخر به من البيئة العمانية من موروث ثقافي وتاريخي وإنساني.

على الرغم من توفّر المجال الملائم في السلطنة إلا أنّنا لم نشهد بداية سينمائيّة حقيقيّة. بماذا تفسّر غياب السينما العمانيّة ببعديها الروائي والوثائقي؟

السينما بدأت عندنا فعليّا منذ سنة 1911 في الجغرافيا التي كانت تنضوي تحت الإمبراطورية العمانيّة، وعلى الرغم من أنّ جمهور الخليج العربي والوطن العربي متشوّق لمشاهدة الأفلام الوثائقية العمانيّة لما تزخر به من البيئة العمانية من موروث ثقافي وتاريخي وإنساني مهمّ وتراث مادّي ولا مادّي إلا أنّ الاجتهادات تركّزت منذ تأسيس التلفزيون العماني سنة 1974 على الاهتمام بالأفلام الوثائقية التلفزيونيّة.

السينما العمانيّة شهدت بداية متأخّرة، حيث تمّ إخراج أوّل فيلم سينمائي طويل سنة 2006 وهو فيلم “البوم” لخالد الزدجالي. إلاّ أنّ السينما بقيت فعليّا مرتكزة على اجتهادات شخصيّة حيث نعتبر أنّه إلى يومنا هذا لا توجد عندنا سينما حقيقيّة، وهناك حاجة ماسّة لتأسيس معاهد متخصّصة في السمعي البصري والسينما خاصّة مع بروز جيل شبابي قادر على تأمين هذه البداية، وبالتالي لا بدّ من الاشتغال على برامج تأسيسيّة لهذا المجال.

ينعقد مهرجان مسقط السينمائي الدولي في الفترة الفاصلة بين 26 و31 مارس المقبل، فأين وصلت استعداداتكم لهذا الحدث؟

بالفعل هذه الدورة هي العاشرة في تاريخ المهرجان وستكون بمثابة الاحتفاء بالسينما العربية والعالمية. عندما نتذكّر البدايات سنة 2001، كانت السينما نخبويّة وكان هناك عزوف باعتبار تعوّد الجمهور على الأفلام الغربية وأفلام الحركة وغيرها من الأفلام التجارية. اليوم كبرت أحلامنا، خاصّة في ظلّ بروز مجموعة من الشباب المولعين وبفضل الدعم الحكومي الهامّ للمهرجان وللجمعيّة وكذلك دعم القطاع الخاص.

توصّلنا بحوالي خمسمائة فيلم من كافة أنحاء العالم، وطبعا خصّصنا عدّة مسابقات للأفلام الروائية والوثائقية وجائزة للسيناريو وجائزة لأعمال الطلبة العمانيين. كما ستكون هناك دعوات لعدّة ضيوف من دول صديقة، وستتركب لجان التحكيم من سينمائيين عرب وأجانب نتحفّظ عن ذكر أسمائهم في الوقت الحالي.

ستتم العروض بعدّة قاعات سينمائية في العاصمة مسقط وذلك بنيّة استقطاب أكبر عدد من الجمهور قصد الاحتفاء معنا بالثقافة السينمائية، وهدفنا تكريم المؤسّسين ولمّ شمل الأعضاء السابقين والأجيال السابقة.

كانت السينما نخبويّة وكان هناك عزوف باعتبار تعوّد الجمهور على الأفلام الغربية وأفلام الحركة وغيرها من الأفلام التجارية.

ما هي أبرز أنشطة الجمعيّة العمانيّة للسينما؟ وهل يمكننا الحديث عن نهضة سينمائيّة في المستقبل القريب؟

تمّ تعييني رئيسا للجمعيّة منذ سنة، ونحن نواصل الاشتغال قصد تكوين الشباب المولعين، وقد نجحنا في استقطابهم عبر تنظيم مجموعة من العروض السينمائية في الجمعية عبر أفلام هادفة، بالإضافة إلى تكثيف الورشات السينمائية في ما يخصّ كتابة السيناريو والإخراج والإنتاج… وقد قسّمنا أعضاء الجمعيّة إلى قسمين: القسم الروائي والقسم الوثائقي، وبدأنا بالفعل في الإنتاج حيث أنتجنا فيلمين إلى حدّ الآن، كما سخّرنا مجموعة من الأعضاء لتولّي لجان داخليّة مثل لجنة الإعلام ولجنة الإنتاج ولجنة الأرشيف ولجنة الأفلام… ونطمح قريبا لتفعيل فكرة المختبر السينمائي حيث نعتزم من خلالها مرور المتكوّنين بكافة مراحل الصناعة الفيلميّة وحلقة الإنتاج من الكتابة إلى الموازنة إلى المعاينة والتصوير وصولا إلى مرحلة ما بعد الإنتاج، هذا بالإضافة إلى فكرة المخيّم السينمائي. وبالتالي فإنّنا نطمح خلال الخمس سنوات القادمة أن يكون لدينا جيل قادر على المبادرة وإعلاء صورتنا السينمائية في المحافل الدولية.

شاركتم مؤخرا في عدّة تظاهرات سينمائيّة عربيّة، فما هي أبرز هذه المحطّات؟

بالفعل، وقّعنا في السنة الماضية إتفاقيّة توأمة مع مهرجان وجدة للفيلم المغاربي بالمغرب من أجل تبادل الخبرات وإقامة الورشات، كما شارك بعض أعضاء الجمعية بالمغرب أيضا في مهرجانات مثل الرباط والرشيديّة وزاكورة وذلك قصد الاطلاع على هذه التجارب المميّزة. شاركنا أيضا في لجنة تحكيم الفيلم القصير بنواكشوط بموريتانيا، ونطمح للمشاركة في تظاهرات عربيّة أخرى والتعاون مع المهرجانات والجمعيّات السينمائية بتونس والجزائر ومصر ولبنان وغيرها من الدول الصديقة.

انطلقنا أيضا في تصوير فيلم وثائقي مشترك بين جمعيّتنا وجمعية زاكورة بالمغرب من إخراج المخرج المغربي داود أولاد السيّد، حيث أنهينا الجزء الأوّل الذي تمّ تصويره بمدينة زاكورة وقريبا ننطلق في إكمال التصوير بالسلطنة، وهو فيلم يتناول تصوير القواسم المشتركة والتشابه بين بيئة الجنوب المغربي والبيئة العمانيّة، كما ركّزنا على تصوير “القصبات” (القلاع) والصناعات اليدوية والأهازيج الشعبية والأكلات التقليديّة…

نأمل أن تكون محطّاتنا القادمة أكثر فاعليّة خدمة للسينما العمانيّة وكذلك تفعيل الإنتاج المحلّي قصد إبراز هويّتنا العمانيّة ونقل صورنا المبهرة على شاشات العالم.

لقطة من مسلسل عمان في التاريخ .