“أسطورة السينما الإيرانية”.. واقعية المحتوى وفنون الاحتيال على الرقيب

 

للسينما في إيران خصوصية لا نجدها لدى أي شعب آخر، وهي خصوصية -كما أرى- نابعة من طبيعة الشعب الإيراني، وطبيعة السلطات الحاكمة في إيران، سواء في عهد الشاه أو في عهد الجمهورية الإسلامية.

من بين ملامح هذه الخصوصية أن هذه السينما “نجحت في أفضل أعمالها في إعادة تشكيل الذات الإيرانية، وهو الأمر الذي أخفقت فيه الحداثة”، حسب تعبير الباحث الإيراني حميد دباشي الذي وضع كتابا عن هذه السينما تحت عنوان “لقطة مقربة- السينما الإيرانية ماضيا وحاضرا ومستقبلا”، وصدر بالإنجليزية عام 2001 وبالعربية عام 2003 عن المؤسسة العامة للسينما في دمشق.

لكن الحديث هنا لا يدور حول هذا الكتاب، بل حول فيلم بعنوان “أسطورة السينما الإيرانية” كان قد عُرض على شاشة الجزيرة الوثائقية، وهو فيلم وثائقي يقوم على مقابلات مع أهم وجوه هذه السينما، ومقاطع من أفلامهم، كل منهم يروي تأملاته في هذه السينما التي حققت نجاحات باهرة على الصعيد العالمي، ويتحدث عن تجربته في صنع أفلامه والمعارك التي خاضها مع الرقابة.

“نحن لسنا ضد السينما”.. فن على مقاس الخميني

اختار المخرج المشهد الافتتاحي لفيلمه ليكون حديثا عن علاقة السينما بالسلطة الدينية بعد انتصار الثورة، مقدما هذه العلاقة على نحو إيجابي. وذلك عندما يورد رأيا لآية الله الخميني بشأن فيلم “البقرة”، أهم علامة في تاريخ السينما الإيرانية حتى تلك اللحظة، فالخميني بعد مشاهدته الفيلم قال: نحن لسنا ضد السينما، بل ضد ما هو غير ديني، فيلم البقرة هو فيلم تعليمي واقعي.

وهنا يعلق مخرج الفيلم قائلا: وهكذا بدأ إطار السينما الإسلامي الصحيح بالظهور.

لقد شجعت السلطات الإيرانية الأفلام التي تُصوّر المجتمع وتحاكي الواقع، حسب تعبير المخرج “دريوش مهروي”، ثم أنشأت معهد صناعة السينما الذي درب حتى تاريخه، أكثر من تسعين ألف شخص على صناعة الأفلام، وفق ما يقول مدير المعهد.

وكان هدف صناع السينما الإيرانيين المشاركة بفيلم إيراني في كل مهرجان، ويمكن للمرء أن يتوقع أن ذلك هو أحد الأسباب التي ساهمت في رفع وتيرة الإنتاج السينمائي وجودته.

بعد نجاح الثورة شنّ “صدام حسين” حربه على إيران بدعم من الغرب، ورغم الحرب لم تتوقف صناعة السينما، واستمر المخرجون في تحقيق أفضل الأفلام، ومنها أفلام صُوّرت تحت القصف.

مخالفة الدعاية الرسمية وإهمال الدين.. عقبات الرقابة

كان “أمير نادري” أول مخرج محترف يصنع فيلما عن الحرب، مستلهما تجربة المخرج الإيطالي “روبرتو روسيليني”، في فيلمه “البحث الثاني” وقد صُوّر بعد شهرين من بدء الحرب، لكنه لم يوزع على الإطلاق، فالصورة التي قدمها عن الحرب لم تعجب النظام الحاكم، فهو يُصوّر الحرب على أنها جحيم آخر، بينما تقول الرواية الرسمية إن الشهداء سيدخلون الجنة.

وقد صنع المخرج “بهرام بيضائي” فيلما بعنوان “باشو: الغريب الصغير” عن طفل يتمته الحرب. وقد منع عرضه أربع سنوات وطُلب من مخرجه إجراء 47 تعديلا عليه، لكنه رفض، ومن بين الاعتراضات على الفيلم أنه كان يخلو من مشاهد الصلاة، فالرقيب السينمائي آنذاك لم يكن بوسعه تصوّر فيلم سينمائي يخلو من الصلاة، أو على الأقل الدعوة إليها.

قد يكون ذلك الرقيب شيخا لأحد الجوامع قبل تعيينه رقيبا على الأفلام السينمائية، وهذا أمر يحدث كثيرا في إيران.

“قد لا تكون هنا في السنة القادمة”.. أسرار النجاح الإيراني

يُجمل راوي الفيلم العناصر الجمالية التي تشكل أسس نجاح الأفلام الإيرانية، وهي شخصية الطفل، والشعر الفارسي، والقيم التقليدية، والطبيعة.

المخرج محسن مخملباف يقول إن من الممكن القول إن شجرة السينما الإيرانية وجدت جذورها في الشعر الفارسي، ويتحدث عن تجربته مع الرقابة وكيف استطاع الهروب من سطوتها وتمرير بعض المشاهد التي لم تكن لترضى عنها السلطات المختصة في فيلم “زوج المباركين”، وهو فيلم عن الحرب.

أما المخرجة رخشان بني اعتماد فتتحدث عن مسؤوليتها تجاه مجتمعها وعن مواجهتها للرقابة وإصرارها على صناعة فيلمها، وكان بعنوان “نرجس”، ويروي قصة حب بعد الحرب في طهران، وقد أعطاها الرقيب قائمة بالتعديلات لا يمكن صنع الفيلم إلا إذا طبقتها، فكان جوابها أنها ستصنع الفيلم بعد أن يترك الرقيب هذا المنصب، قالت له: اليوم أنت في هذا المنصب، قد تُعيَّن غداً في دائرة المرور، وبعده في مؤسسة استيراد اللحوم، قد لا تكون هنا في السنة القادمة، وسأنتظر ذلك.

وهذا ما حدث بالضبط، وأنجزت فيلمها دون الالتزام بتعليمات الرقيب.

صنّاع السينما الإيرانيين.. حملة أعلام الجمهورية إلى العالم

لقد أصبح صناع الأفلام في إيران سفرائها في الخارج، فبفضل عباس كياروستامي ومحسن مخملباف إلى جانب بهرام بيضائي وجعفر بناهي وأبو الفضل جلالي وبهمن قبادي؛ أصبحت السينما الإيرانية حاضرة في أهم المهرجانات العالمية مثل مهرجان كان، والبندقية، وبرلين ولوكارنو.

إن السينما الإيرانية، كما يعبر المخرج “ابراهيم حاتمكيا”،

يتحدث المخرج إبراهيم حاتمكيا عن المشاركة في المهرجانات قائلا: بالنسبة للجمهورية الإسلامية، فإنّ صور علم الجمهورية الإسلامية يرفف في مهرجان لوكارنو هو أمر مهم، بل أهم بكثير من محتوى الفيلم نفسه.

كسر الصورة النمطية.. حينما يدافع الفيلم عن صورة البلد الواقعية

ينهي مخرج فيلم “أسطورة السينما الإيرانية” فيلمَه بمقطع مقابلة مع المخرج محسن مخملباف يتأمل فيه حال السينما الإيرانية، ويقول: إن الإعلام صور الشعب الإيراني على أنه قادر فقط على الصلاة، بينما استطاعت السينما تقديم صورة أكثر واقعية، إن السينما مكنتنا من إظهار من نكون، وليس كما ينظر إلينا.

وهكذا استطاع المخرجون الإيرانيون تحقيق “أسطورة السينما الإيرانية”، رغم كل العوائق والمحظورات الرقابية؛ كما أن تجربة العلاقة بين السينمائيين الإيرانيين والسلطات الرقابية لهي تجربة تحتذى بالنسبة للسينمائيين الذين يعيشون في ظل أنظمة رقابية مشابهة.