“بلد متحضر”.. محاكمة تفضح جرائم الدانمارك في العراق

من فهمها لحقيقة ودور الفيلم الوثائقي باعتباره وسيلة تعبير فنية قادرة على مراجعة الحدث التاريخي مهما مر عليه الزمن، اقترحت المخرجة الدنماركية “نانا فرانك مولر” فتح ملف عملية “الصحراء الخضراء” للتأكد من الدور الذي لعبته الوحدات العسكرية الدنماركية فيها، والتدقيق في صحة الادعاءات بأنها سلّمت أسرى عراقيين في مدينة البصرة إلى قوات الأمن العراقية عام 2004، مع علمها باحتمال تعرُّضهم للتعذيب، مما يشكل خرقاً للأعراف العسكرية والقانونية؟

فكرة صناعة فيلم عن الحدث وتداعياته جاءت بعد اتصال مجموعة من العراقيين بمكتب محاماة في العاصمة كوبنهاغن، طلبوا منه في عام 2011 رفع دعوى باسمهم ضد وزارة الدفاع الدنماركية، باعتبارها طرفا متسببا رئيسا في ما تعرضوا إليه من تعذيب وانتهاك نفسي وجسدي.

وبتكليف من “مجلس تأهيل ضحايا التعذيب” دخل على خط الدعوى الطبيب الشرعي “يورغن تومسن” المختص بالطب العدلي وبالتحديد حالات التعذيب، ليشكل مع المحامي “كريستيان هارلانغ” أبرز الأطراف التي سيَبني فيلم “بلد متحضر” معماره السردي عليها، وسيُقيم من خلال ما سيتوصلون إليه من حقائق محكمةً “أخلاقية” تضع النظام القضائي والسياسي الدنماركي في قفص الاتهام.

الطبيب العدلي.. رحلة إلى بيروت لكشف الأسرار

شخصية الطبيب العدلي المتفردّة بروحها وعمق تفكيرها الإنساني أضفت على الوثائقي طابعا خاصا، فلم يعد استقصائيا بحتا، بل فيه من الاتساع المعرفي ما يغني مشاهده ويعمق نظرته لمفاهيم أبعد من سياسية، ذات صلة شديدة بفكرة الهيمنة والسلطة المتجبرة والموقف من الكائن الضعيف، ومبدأ رفض كل شكل من أشكال إهانته وانتهاك آدميته بسببها.

ويبدو أن تكليف المنظمة المدنية الدنماركية للطبيب العدلي ليتولى بنفسه فحص أحد عشر عراقيا من بين الذين تعرضوا للتعذيب أثناء عملية “الصحراء الخضراء”، إنما كان بسبب معرفتها الجيدة بشخصه وبقدراته المهنية.

يذهب الطبيب الشرعي إلى بيروت لمقابلة عدد من المُدعّين بتعرضهم للتعذيب على أيدي القوات الدنماركية في مدينة البصرة، الأمر الذي طالما رفضه رئيس الوزراء وحكومته، وبوجود مترجمين سجل شهاداتهم وتأكيدهم الأساليب المهينة التي اتبعها الجنود الدانماركيون معهم.

الطبيب العدلي الذي يتكلف بالتحقيق

بقايا التعذيب النفسي.. بصمات الجنود المؤذية للروح

أساليب الجنود الدانماركيين لا تترك أثرا جسديا ظاهرا، لكنها تؤذي الروح وتترك جروحا نفسية سجلها الطبيب بدقة، وأخذ إلى جانبها عينات وأدلة تدعم تقريره المحايد، ولم ينس وضع خطوط حمراء تحت عبارات أصرّ الضحايا على تسجيلها.

تضمنت الخطوط الحمراء الإشارة إلى مرافقة الجنود الدنماركيين للوحدات البريطانية التي اقتحمت بيوتهم، وقيام بعض جنودها بتصوير تفاصيلها بكاميرات فيديو من فوق ظهر إحدى الدبابات، واكتفائهم بالنظر إلى ما كان يجري لهم على أيدي البريطانيين دون تحريكهم ساكنا.

لقد كانوا شهودا ومشاركين في عملية تسليمهم إلى القوات الأمنية العراقية رغم توسلاتهم بعدم القيام ذلك.

دمار البصرة.. صورة بانورامية توثق الحدث الأليم

يدعم الوثائقي مدخله الافتتاحي بتسجيلات نادرة من موقع الحدث، لم يعلن أول الأمر عن مصدرها، ويسجل بنفسه تفاصيل فحص الضحايا، إلى جانب تقديمه صورة بانورامية عن الحالة التي كانت تعيشها مدينة البصرة خلال الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، مدعومة بأشرطة فيلمية وتسجيلات فيديو مأخوذة من الأرشيف تعطي فكرة للمشاهد عن المناخ العام والفوضى التي سادت البلاد بسبب وجودهم، وتمهد بدورها لمتابعة تفاصيل سير القضية في المحاكم الدانماركية لاحقا.

في مكتب المحاماة جرى التركيز على التصوير، وطالب محاموه وزارة الدفاع بتسليمهم التسجيلات، باعتبارها جزءا من الأدلة الدامغة على خرق وحداتها للقوانين الدولية لحماية الأسرى، وتثبت أنها بتعمد وبوعي سلمتهم إلى الشرطة العراقية.

مطالب المحامين لوزارة الدفاع بتسليمهم التسجيلات السرية
سرية القضية.. شكوك التورط وإعادة نبش الملفات القديمة

نفت الوزارة علمها بوجود الأشرطة المصورة، بل أنكرت عملية التصوير برمتها، ولقطع الطريق على المحامين فقد اعتبرت القضية سرية لا يسمح الاطلاع عليها.

أثار منع القضية من التداول العام شكوكا لدى منظمات مدنية وإنسانية، وعزز قناعة مكتب المحاماة بأن هنالك أمرا ما تريد الدولة إبقاءه “تحت السجادة”، مما شجع وسائل الإعلام على إعادة فتح ملفات القضية مجددا، من خلال مراجعة كل ما كتب عنها في حينها، ولا بد لهم اليوم من نبش ما خفي منها.

عند هذه المرحلة تصاعدت وتيرة الوثائقي فصار أكثر ديناميكية، واقترب بسببها من أفلام “القضاء” و”الاستقصاء الحقوقي”، مع أنه ترك مجالا للطبيب العدلي، ليعرض أفكاره وموقفه الرافض لعمليات التعذيب في كل مكان من العالم.

أراده الوثائقي أن يكون معبرا وناطقا باسمهم ومعوضا عن غيابهم اللافت، فالضحايا لم يحضروا إلى المحاكم، ولم يدخلوا مستشفيات الطب العدلي الدنماركية إطلاقا، بل ظلوا خارجها وتركوا لأصحاب الضمائر الحية أمرَ التعبير عنهم، واعتبروهم ممثلين لهم في مواجهتهم مع الدولة الدانماركية.

ضابط المخابرات.. عنصر من الداخل يفضح الوزارة

غيَّر المعادلةَ دخولُ ضابط المخابرات “أنديش كارغارد” على الخط، فقد أحرج وزارته حين أعلن علمه بوجود التسجيلات، وأنه شاهد الأفلام المسجلة أثناء فترة خدمته في البصرة، وقد سلمها بنفسه إلى الضابط المسؤول عن الوحدة ليطلع عليها.

قبول الضابط تقديم شهادته أثار ضجة إعلامية كبيرة وأضعف دفاعات الدولة، التي تعكزت على “سرية القضية”، لكن وصول الفيديو الأصلي إلى يد محامي الدفاع سرّع في نقل القضية إلى مستوى أعلى، مما تطلّب بالمقابل تحرك الدولة لمنع تصعيدها، عبر إقامة حواجز قانونية سريعة في وجهها.

صار واضحا عند هذه النقطة أن على الوثائقي الدخول في معمعة القضاء وملاحقة تفاصيل المحاكم، لأن الأمر لم يعد محصورا بالمكاتب ولا سريا.

كبش الفداء.. ضابط يحمل أوزار الحكومة الثقيلة

شهادة الضابط والضحايا عزّزت موقف المحامي، وشجعته على رفع قضية ضد وزارة الدفاع، مما يعني احتمال إدانة الحكومة الدانماركية بأكملها وتعرية أكاذيبها، والأخطر وضع قيمها وديمقراطيتها موضع الشك.

كان لا بد للدولة من إيجاد “كبش فداء” ولم يكن أمامها سوى الضابط المسؤول عن الوحدة الدنماركية في البصرة “جون دالبي”، الذي أنكر وكذّب أقوال ضابط المخابرات، لينحصر بعدها السجال بينهما، فتبدو الدولة كأنها لا علم لها بالأمر، وأن الضابط قد تلكأ في توصيل المعلومات، فظلت متداولة في حقل ضيق ومحصورة بينه وبين أفراد وحدته في البصرة. لكن السؤال الأهم بحسب الوثائقي هو: من أين جاء الفيديو إلى مكتب المحاماة؟

بعد عملية بحث وتقصٍّ يتوصل الفيلم إلى حقيقة وجود جندي يعمل في قسم أرشيف الوزارة تعاون مع ضابط المخابرات بعد اقتناعه بأقواله فسلّمه لهذا السبب الشريطَ، بشرط عدم الكشف عن اسمه. وسيتحمل الضابط لاحقا تبعات حفاظه على وعده، ويُحكم عليه بغرامة مالية كبيرة، بدعوى تسريبه أسرارا ومعلومات خطيرة تسيء إلى سمعة الدولة وأمنِها.

ألاعيب الدولة.. خطة التملص من القضية في المحكمة

يُظهر الوثائقي قدرة الدولة على استخدام إمكانياتها الكبيرة لحظة احتدام الصراع، ويكشف وجه السياسي البشع وقدرته على ليّ عنق الحقيقة لصالحه، خاصة حين يكون الخصم ضعيفا، بل في أشد لحظات ضعفه.

وبعد نشاط محموم للمحامين وافقت المحكمة العليا على حق رفع الشكوى ضد الوزارة، لكن الوزارة طالبت المحكمة بإلزام دفع المشتكين تأمينات “ضمان تكاليف القضية” قبل انعقادها (تقدر التأمينات بحوالي ثمانية آلاف دولار لكل مدّعٍ).

مطلب تعجيزي وغير إنساني، تعلم مسبقا بعجز الضحايا عن تأمينه، وبسببه سيتحول مسار القضية من إدانة الجاني وتكذيبه إلى العمل على إعفاء الضحايا من شروط ضمان التكاليف.

تقر المحكمة العليا مطلب مكتب المحاماة، لكنها ترفض في نفس الوقت تقديم المساعدة القضائية للعراقيين، وتقف أيضا ضد طلب المكتب بتجريم الوزارة وإدانتها بالكذب والتستر على الجريمة والمشاركة بها بما يتناقض مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.

إغلاق القضية.. محاكمة أخلاقية تدين احتلال العراق

بعد قرابة ثلاث سنوات أُغلقت القضية لسرّيتها، ولم تطل رأس المؤسسة العسكرية ولا الحكومة الدانماركية أي أحكام قضائية. لقد خسر الضحايا حقهم، لكن الوثائقي مضى في طريقه ليسجل تبعات الحدث والموقف الأخلاقي منه، عبر مراجعة ثانية لتاريخ القضية، وإصغائه جيدا إلى المدافعين عن حقوق المستضعفين.

حصيلة كل ذلك الجهد أهم من قرار المحكمة الرسمي، لأنها شكلت محاكمة موازية أخلاقية الطابع، فقد أدانت قرار الدولة بالمشاركة في احتلال العراق وكل تبعاته، ثم فضحت النظام القضائي الذي يجيز أحيانا للجاني أن يكون حكَما، بينما يُترك الضحية يواجه خسارته وعجزه بمرارة وغضب.