“إيكاروس”.. منشطات جسدية تحرق روح الرياضة في عالم أعمى

ثمة إحساس خاص يصعب وصفه، ينتاب غالبا المتلقي حين يُشاهد فيلما وثائقيا تدور أحداثه حول موضوع تجري وقائعه على الأرض لحظة عرضه، مما يستدعي منا معاينة الحدث بتأثير ما جاء في الفيلم. وقد “تُفسد” الحقائق الفيلمية أحيانا متعة متابعة الوقائع بتكاسل لذيذ، وتُجبرنا على النظر اليها بعين مختلفة؛ عين نقدية واعية.

فيلم “إيكاروس” (Icarus) الأمريكي، الذي زامنت شركة “نتفليكس” المنتجة عرضه مع انطلاق بطولة ألعاب القوى التي أقيمت في لندن (2017)، هو مثال تطبيقي لما ورد ذكره.

أجسام رياضية تتعاطى المنشطات.. مغامرة استقصائية

مشاهدة الأبطال وهم يحطمون الأرقام القياسية، لم يعد لها نفس الطعم الذي سبق مشاهدة الفيلم، لأنه أماط اللثام عن جوانب خطيرة من ظاهرة انتشار تعاطي المنشطات بين الرياضيين المحترفين، والأدهى تطبيقها عمليا على مخرج الفيلم نفسه، فقد اقترح الخضوع لتجربة تنشيط ممنهجة لم تمضِ إلى نهايتها، لأن مسار الفيلم نفسه انحرف نحو جانب لم يكن محسوبا، وبالتالي توزع متنه الحكائي بين قصتين.

أما القصة الأولى فهي شديدة الخصوصية، وقد خاض فيها المخرج “بريان فوغل” تجربة تشبه إلى حد كبير تجربة المخرج “مورغان سبورلوك” في فيلم “سوبر سايز مي” (Super Size Me).

بوستر فيلم “سوبر سايز مي” للمخرج “مورغان سبورلوك”

والقصة الثانية مغامرة استقصائية حول مصير واحد من العلماء الروس المسؤولين عن برنامج حقن أجسام الرياضيين المتنافسين في بطولات عالمية بمنشطات كيميائية محظورة، ثم محاولة هروبه من بلاده بعد كشفه تورط الدولة في عمليات التنشيط، وهي تذكرنا بتجربة المُسرب المعلوماتي الأمريكي “إدوارد سنودن” كما وردت في فيلم “المواطن الرابع” (Citizenfour).

صدمة البطل.. تجربة تتغلغل في عوالم الدراجات الهوائية

“بريان فوغل” المخرج وكاتب السيناريو، هو أيضا درّاج هاوٍ شارك في عدد من السباقات العالمية، لكنه لم يحترف الرياضة، وظل مأخوذا بقوة تحمل أبطالها، وكانت صدمته الكبرى فيها يوم سماعه اعتراف البطل العالمي “لانس أرمتسرونغ” -زميل فريقه السابق- بتعاطيه المنشطات المحظورة، وانهيار سمعته وتاريخه الحافل بالانتصارات إلى درجة رفعته إلى مصاف الأسطورة في عالم الدراجات الهوائية، خاصة بعد انتصاره على مرض السرطان وتفوقه المذهل في أصعب البطولات.

لم تزل آثار تلك الصدمة باقية في نفس المخرج، لدرجة أنه لم يرد أن يصدقها، غير أنه خلال محادثاته مع عدد من المشرفين على المؤسسات الخاصة بمكافحة تعاطي المنشطات بين الرياضيين قرر عام 2014 خوض التجربة بنفسه، بعد سماعه تأكيدا من المسؤول السابق للمنظمة أن بطله ومثله الأعلى قد تجاوز دون مشاكل أكثر من 500 فحص لعيّنات أخذت من بوله، ولم يكتشف الأطباء والكيميائيون فيها أثرا لوجود مواد منشطة، مما أثار حفيظته على نظام المراقبة، فقرر المشاركة في واحد من أكبر سباقات الدراجات الهوائية للهواة في فرنسا، ليرى بنفسه كيف يعمل نظام المراقبة والتفتيش، وهل ينجح في عبوره بعد أن يتناول منشطات قوية.

يبدو الجانب الشخصي في تجربة المخرج والهاوي واضحا لا لبس فيه، وإقدامه على المغامرة لا يخلو من غضب ورغبة في إدانة النظام المعمول به وكشف عيوبه، فليس مجرد محاولة أخلاقية لعرض خطر المنشطات على الروح الرياضية وقيمها.

مشهد من الفيلم أثناء قيامه بالركض

فمن ميزات اشتغال صاحب “إيكاروس” عدم ميله لملامسة الموضوعات الإشكالية بحدة كالفساد الموجود داخل اللجنة الأولمبية الدولية، وحجم التدخل السياسي في قراراتها، وغيرها من أمور سترد كلها في متنه السردي، لكنه فضّل تركها للمشاهد ليحكم بنفسه ويُقوم مقدار ما فيها من خلل.

فتراه لهذا عامَل موضوع المنشطات من زاوية شخصية، على الأقل في أول الأمر، مع أنه سمع أكثر من مرة ومن أكثر من مسؤول كبير في اللجنة وفروعها عن وجود خلل هيكلي يسمح لأغلبية الرياضيين بتناول المنشطات والهرمونات الممنوعة، دون خوف من كشف أمرهم.

تجاوز الاختبارات.. عبثية تفضح المسابقات الدولية

من بين الذين قبلوا الإشراف على تجربته الشخصية الدكتور “دون كاتلين” الرئيس السابق لمنظمة مكافحة المنشطات، وتسمى اختصارا “وادا”. فقد كان الرجل على يقين من أن “فوغل” قادر على تجاوز الاختبارات والحصول على جواز فيزيولوجي سليم، رغم تناوله المنشطات وأخذه العقاقير المقوية والهرمونات المكبرة للعضلات.

وبعد مدة من العمل على التجربة شعر الدكتور “كاتلين” بالإحراج والخوف على سمعته ونظافة اسمه فقرر الانسحاب، وحتى يستمر المخرج بتجربته رشح له صديقُه الروسيَّ “غريغوري رودتشينكوف” المسؤول عن مختبرات موسكو لفحص الرياضيين والخاضع إداريا لمركز “وادا” الدولي.

قبل الدكتور الكيميائي الروسي بالمهمة وراح بحماسة وبمزاج متهكم يتابع عملية تنشيط جسم المخرج بالمواد المحظورة عبر نظام “سكايب”، ووُضع له جدول دقيق لتناولها وحفظ عينات من البول المحتوي على نسب منها في درجات حرارة منخفضة.

مشهد من الفيلم للبطل وهو يتعاطى المنشطات

كان كل شيء يسير بيُسر، حتى قدومه إلى الولايات المتحدة، وأخذه العينات معه إلى مختبره في موسكو مرّ دون مشاكل. وكانت الخطة تقضي بأن تتدرج فحوصات المتسابق الأمريكي، وتأخذ طريقها إلى مختبر موسكو، وحينها يقوم الدكتور الروسي بكتابة تقرير يزكي سلامتها.

وصل العداء الهاوي إلى فرنسا، ومن دون مشاكل شارك في السباق، بعد ارتفاع في مستوى قدراته الجسدية تجاوز الـ20% عن ما كان عليه قبل تناوله المنشطات. عند هذا الحد تبدو الأمور سهلة وتبدو كل الوثائق والتسجيلات لعملية الفحص والمراقبة والمؤتمرات الصحفية للمشرفين عليها مدعاة للسخرية، لأنه تجاوز كل تلك الحواجز بسلام، أما فشله في الفوز فيعود إلى سوء الحظ لا إلى دقة الفحوصات. لقد تعطل نظام تغيير السرعات في دراجته الهوائية فتراجع وأبطأ عن المراكز المتقدمة التي وصلها.

مكانة روسيا.. دوافع التزوير الرياضي في دولة “بوتين”

ينعطف الوثائقي كثيرا عن مساره التجريبي من دون إرادة منه، ويتحول فجأة إلى فيلم مطاردة واستقصاء نكتشف من خلالها حقائق مرعبة عن حجم الغش والتلاعب غير الأخلاقي الذي تقوم به المؤسسات الرياضية الروسية، مما يتعارض كليا مع قيم الرياضية وروح الألعاب الأولمبية.

لقد ربط الروس وزعيمهم “بوتين” بقوة بين نيل الأوسمة والميداليات الذهبية، وبين مكانة روسيا وأهميتها على الخارطة السياسية العالمية، فتدخلت الدولة مباشرة وأشرفت على عمليات تزوير فحوصات لاعبيها ورياضييها.

صورة لعينات بول اللاعبين التي يتم فحصها قبل الدخول إلى المسابقة

وهنا يكمن الفرق الذي حرص الوثائقي على تثبيته، بين الغش والتنشيط الفردي وبين المؤسساتي. فـ”أرمسترونغ” ومدربوه تحملوا مسؤولية عملهم لا دولتهم، في حين تلعب الحكومات الروسية دور المشجع والمُسهل لتناول المنشطات وإخفائها عن أعين الرقابة الدولية بدهاء يندر وجوده، ولولا تجربة الدكتور “غريغوري” المشرف على برنامج التنشيط المركزي، لما اكتشف العالم الحقيقة، ولا أدرك ما كان يجري خلال عقود في السر.

تدخل المخابرات.. خطر يهدد حياة المتعاونين مع الفيلم

كان الفصل الثاني من الوثائقي مليئا بالإثارة والشدّ، فلعبة القط والفار بين مؤسسات الدولة الروسية وبين المجتمع الرياضي العالمي تظهر بوضوح، فعلى المستوى الداخلي كانت تجري عمليات تصفية جسدية ووظيفية لمسؤولين كبار أشرفوا على برنامج المنشطات، وفور اكتشاف أمرهم أمام العالم قامت أجهزة المخابرات (كي جي بس) بإزالة كل مخلفاتهم وقذاراتهم.

وعلى أثر ذلك خاف الدكتور على حياته وحياة عائلته، فطلب من مخرج الفيلم مساعدته في الخروج من موسكو إلى الولايات المتحدة الأمريكية. الالتزام الأخلاقي من قبل منتج الفيلم ومخرجه يُحيلنا إلى أسئلة تتعلق بأخلاقيات المهنة ومقدار التزام صانع الفيلم ومنتجيه بسلامة الأشخاص المتعاونين معهم، حين يتعرضون للخطر بسبب تعاونهم.

البطل إلى جانب بوستر الفيلم

لقد وجد فريق العمل نفسه أمام موقف لا يمكنهم فيه ترك الرجل دون حماية، فساعدوه وأوصلوه إلى بلادهم، وهناك كشف لوسائل الإعلام والجهات القضائية أسرارا مذهلة عن عمليات تزوير العينات المختبرية، وكان هو بخبرته ودوره واطلاعه على كل التفاصيل والخفايا من أعطاها مصداقية وقوة، وبالتالي ساعد الوثائقي دون دراية منه، ليظهر متماسكا وموضوعيا.

لقد كان الدكتور الموهوب في مهنته وفي مخادعته لنفسه، هو من تولى كتابة التقارير الكاذبة للمنظمة الدولية للحد من المنشطات، وله يرجع الفضل الأكبر -كما يدّعي ساخرا- في نيل عشرات الرياضيين الروس الميداليات الذهبية.

كل الرياضيين الروس تقريبا تناولوا المنشطات بانتظام قبل كل دورة من الدورات الأولمبية، شتوية كانت أم صيفية، وحين كُشف أمرهم ونقلت وسائل الإعلام الأمريكية التفاصيل، سارعت الجهات الرسمية والحكومية الروسية إلى تكذيب مواطنها الهارب، وفي السر خططت لتصفيته في الخارج بعد أن صفّت كل الذين كانوا يعملون معه في مختبر موسكو، ثم أغلقوا المختبر وأتلفوا كل محتوياته.

البطل في في أحد المشاهد

تعدد مسارات القصص الفرعية وكثرة التفاصيل الضرورية كانت سببا في طول زمنه (أكثر من ساعتين). وبسبب تنوع مناخات وظروف عمله، فقد بلغت تكلفته خمسة ملايين دولار أمريكي، وهي ربما من بين أكبر الميزانيات الإنتاجية لفيلم وثائقي.

لكن السؤال المهم هنا هو: هل يستحق الفيلم كل تلك الأموال؟ الجواب دون تردد نعم وأكثر. فهذا الفيلم واحد من أهم الوثائقيات التي جمعت التجربة الشخصية لمخرجه، مع الاستقصاء والتحري السري الذي كاد أن يؤدي بأرواح من تعاونوا على إنجازه.

بطولات روسيا.. مفارقات الزعيم الرياضي المحب للرياضة

من بين أهم محاسن الفيلم عرضه الفساد والتلاعب والغش بطريقة سلسة غير عدائية، تدفع للسؤال عن تواطؤ المنظمة الدولية مع من يسعى لتشويه الرياضة وتسميم مباهجها.

ولا ينقطع الوثائقي رغم كل تلك الإشارات الواضحة لتداخل السياسي بالرياضي، ومن نتائجها المخزية تراجع اللجنة الأولمبية الدولية عن قراراتها بإبعاد وحرمان الرياضيين الروس، بعد كشف فضائح تناولهم المنشطات من المشاركة في بطولة ألعاب “ريو دي جانيرو”، فلم تكتفِ اللجنة بقبولهم، بل إنها سهلت عملية تنظيم بطولة “سوتشي” للألعاب الشتائية في روسيا، وقبِل الاتحاد الدولي لكرة القدم تنظيم روسيا بطولة كأس العالم القادمة.

هل كان فوز لاعبي روسيا بالأولمبياد بسبب تعاطيهم المنشطات؟

حول كل ذلك، سرّب الوثائقي أسئلة متهكمة تتعارض مع الشعارات الجوفاء لمسؤولي المنظمات الرياضية العالمية التي حرص الوثائقي على تثبيتها بالوثائق والتسجيلات، بنفس القدر من الحرص على عرض حال الرجل الهارب من روسيا طلبا للحماية.

فبينما هو متوار عن الأنظار، ويعيش حياة أقرب الى السجين خوفا على حياته، فإن الرئيس “بوتين” يتقدم الصفوف، ويقدم نفسه للعالم بوصفه زعيما محبا للرياضة، بل رياضيا حريصا على نقاوتها من شرور المنشطات وكل ما يسيء اليها.

صورتان متناقضتان قُدمتا في عمل مبهر يحيلنا اسمه إلى أسطورة “إيكاروس” اليونانية التي تحكي عن محاولة هروب إيكاروس مع والده من سجنه في جزيرة كريت، وذلك بصنعه أجنحة من ريش الطير طار بها، وما إن اقترب من الشمس حتى أحرقته أشعتها، ومات كما تموت روح الرياضة بداء المنشطات.