“البرج”.. نكبة فلسطين بلسانٍ أعجمي مبين

قد تصادفك أفلام عدة تتحدث عن النكبة الفلسطينية عام 1948، حين طرد الاحتلال الإسرائيلي آلاف الفلسطينيين من قراهم بقوة السلاح والترهيب والمجازر التي ارتكبها في مختلف القرى الفلسطينية، لكن نادرا ما تجد فيلما يَعلق في ذهنك، ويكون بتلك الرشاقة من سرد الحكاية دون أن تشعر بالتكرار ذاته في كل مرة، أو الخطابة المباشرة لبثّ المشاعر الوطنية.. هكذا كان فيلم “البرج” (The Tower) للمخرج النرويجي “ماتس غرورد”.

ركز المخرج على أدق التفاصيل لدرجة تدفعك للتساؤل كيف عرف كل هذا عن مخيم برج البراجنة الذي يسكنه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان؟ فقد أعاد “غرورد” في الفيلم تشكيل بيئة المخيم من جديد باستخدام تقنية الرسوم المتحركة الإيقافية (Stop Motion)، ونجح في نقل تفاصيل المخيم الحقيقية ولهجة أهله وحكاياتهم، وأزقته وغرفه المبنية فوق بعضها، فالسلطات اللبنانية لا تسمح بالتوسع الأفقي في البناء، مما يجعل الأبراج الرفيعة تملأ فضاءه، ويعود أحد هذه الأبراج لعائلة وردة، ويعلوه برج لطيور الحمام.

بذور الجوافة الحمراء.. آخر ما بقي من أرض فلسطين

ليس المخيم وحده ما يعيد المخرج تشكيله، بل تاريخ المخيم أيضا منذ وضع الخيمة الأولى فيه، مرورا بموت الجيل الأول من اللاجئين الفلسطينيين، ثم الثورة على الاحتلال عام 1969، وبعدها قصف المخيم في حرب 1982، وحصاره من قبل الفصائل في الحرب الأهلية في بيروت عام 1986.

يقدم فيلم “البرج”حكاية النكبة والمخيم دون مقدمات خطابية أو دراما تراجيدية بل يجعله تاريخا إنسانيا

وهكذا يكبر الأطفال مع ذكريات متتابعة من الألم والفقد، وأحدهم جدُّ وردة المسمى لطفي، ومن قبله هناك والد لطفي المولع بالمذياع والجوّافة الحمراء التي حمل معه بذروها من أرضه في الجليل، لتكون شجرةُ الجوافة الحمراء وسط المخيم الأمرَ الوحيد الباقي من فلسطين، وتمر جميع هذه الأحداث في لقطات سريعة من التذكر، لكن هذه المرة برسوم متحركة ثنائية الأبعاد.

وليست التفاصيل وحدها ما نجح المخرج في نقله ببراعة، بل نجح أيضا في نقلك إلى شعور جديد وأنت تشاهد حكاية النكبة، كأنك تشاهد تاريخا لأناس آخرين، بمعنى أنك تشاهدها بحيادية ورشاقة نادرة، فالمخرج عرضها كحكاية أيّ عائلة تهجّر من منزلها تحت ترهيب العدو.

“كما قتلونا قتلناهم”.. تاريخ إنساني مجرد من الانتماءات

ولم تكن هناك في الفيلم إشارة أو عبارة أو صورة تربط بين قومية أو فكر أو حزب وبين حكاية هذه العائلة في المخيم، بل هو إعادة تكوين لحكاية اللاجئ بشكل مستقل تماما على أرض اسمها فلسطين.

فبعد أن أغرقنا المخرج بتفاصيل المخيم، نقلنا بسلاسة إلى عالمية الوجع بالتهجير من الأرض، فهو يقدم حكاية النكبة والمخيم، دون مقدمات خطابية أو دراما تراجيدية، بل يجعله تاريخا إنسانيا بحتا. فمثلا حين رجع بالزمن إلى الجليل قبل النكبة بشهر، عرض تفاصيل عائلة ريفية سعيدة في أرضها تزرع وتفلح، ولديها أيضا كلبة اسمها “لوسي”، لكن بعد النكبة غادرت العائلة أرضها مضطرة أن تترك “لوسي” وهي تنظر إليها بحزن. وكذلك يفعل جدّ وردة حين كان طفلا، لكن يبقى محتفظا بمفتاحه على أمل رجوعهم قريبا كأي متعلق بمنزله يتركه مُكرها، فقد جرد الفيلم أحداث النكبة من كل ما يتعلق بها من شعارات سياسية دون أن يقلل منها.

الفيلم شاهد حيّ على ذاكرة الوجوه في المخيم وحكايات هذه الوجوه، حتى في ألبوم الصور الذي تُقلّبه وردة مع قريبتها حنان

وهنا تبدو الثورة التي بدأت ضد الاحتلال وشارك فيها أحد أجداد الطفلة وردة ردا طبيعيا على ما يحدث، أو كما تقول حنان إحدى قريبات وردة “أنا لا أحس أنني أكرههم، كما قتلونا قتلناهم، أنا أكره من يكرهنا منهم”. الأمر بهذه البساطة دون دعايات من أي طرف ضد أي طرف.

وجوه المخيم.. حكايات وذاكرة وشاهد حيّ

ليس مطلوبا من المخرج ما هو أكثر من عرض التاريخ المجرد، فقد قدم فيلما بارعا منذ اللحظة الأولى، حين تطل جدران المخيم تقاطعها الأسلاك التي يمدها بعض أبناء المخيم ربما لوصل الإنترنت أو الكهرباء وسط نقاشات عن صعوبة الحياة وفقرها، وعن البطالة المتضخمة والحرمان من الحقوق في الدولة اللبنانية، ويلقي الحمام فضلاته على رأس أحد شباب المخيم المشاغبين خلال أحد النقاشات، فيتحول الجَد إلى هزل كما الحياة على حقيقتها في يوميات أي مخيم فلسطيني.

كذلك تشعر أن الشخصيات في الفيلم تشبه أناسا قد تكون قابلتهم في أي مخيم للاجئين؛ كصاحب الدكان أو قريبك الذي يئس وانشغل بتربية الحمام، أو ذاك الذي فقد ساقه بالحرب وبقي يراقب السماء، أو شاب يحب جارته لكنها تسافر إلى عريس في بلد غني كي تُريح عائلتها من المصاريف، أو جدك اليائس الذي لا ينتمي إلى كل هذا ويعيش في الماضي.

الفيلم شاهد حيّ على ذاكرة الوجوه في المخيم وحكايات هذه الوجوه، حتى في ألبوم الصور الذي تُقلّبه وردة مع قريبتها حنان، فهي صور حقيقية لأبناء وعائلات المخيم، تشبه كل ألبومات الصور التي يحتفظ بها أبناء المخيم منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

رسم القصة الفلسطينية.. منتج إبداعي يتحرر من المباشرة

عرض الفيلم القصة الفلسطينية كلها برشاقة وجودة في الصورة، خلال مدة لا تتجاوز 90 دقيقة، حتى بالنسبة لفيلم رسوم متحركة، فهناك عدة أفكار إبداعية لمشاهد مبتكرة، كرقص وردة للدبكة الفلسطينية في المطبخ مع قريبتها حنان، وطيران جدها حين كان معتقلا في شبابه بقفص مثبت إلى مروحية حربية تنقله إلى “إسرائيل”، وتمر بجانبه العصافير التي تطير مثله لكنها حرة، وهكذا أيضا في المشهد الأخير حين تحمل الحمامات جثمان جدّها من سريره في المخيم بين الزهور إلى أرضه للمرة الأخيرة.

قدم المخرج فيلما بارعا كثير التفاصيل للشوارع والجدران وللأبراج الدقيقة وحتى الحمام

هذا هو ما يحتاجه المنتج الإبداعي الفلسطيني؛ الاستقلال التام عن المباشرة الوطنية والخطابية، والانتماء للابتكار والإبداع قبل أي شيء. ومن دون شك فإن ما ساعد المخرج أنه نرويجي، وأحيانا تحييد الذات لصاحب العمل مهم في اكتشاف الفكرة من جديد.

“القبيح بشكل جميل”.. أحاديث المخرج عن المخيم

يتحدث المخرج “ماتس غرورد” للجزيرة الوثائقية عن تفاصيل المخيم التي أتقنها في فيلمه “البرج”، إذ يقول: لقد عشت داخل المخيم مدة عام، لذا أرى أن لدي بعض الإحساس بالمكان، كما أخذت كثيرا من الصور بينما كنت أعيش هناك، وقد وجدت المخيم في عدد من الطرق بغاية الجمال، أو بالأحرى ما أدعوه القبيح بشكل جميل.

إن المخيم عبارة عن مزيج من البؤس والحب يصنعه أهل المخيم، وذلك من زراعة الحدائق على أسطح منازلهم أو تربية الحمام. يقول “غرورد”: كنت أصنع بالفعل رسوما متحركة عندما كنت في المخيم، وأحببت أوجه الشبه بين طريقة خلق عوالمنا في الرسوم المتحركة والعرائس، وبين قيام أبناء المخيم بإصلاح الكهرباء وصنع حياتهم من المواد المتاحة لهم كالخردة والبلاستيك، إنها إرادة الحياة.

وعن إتقان الشخصية الفلسطينية بالفيلم يقول “غرورد”: أظن أن حبي العميق لأصدقائي مكنني بطريقة ما من رؤيتهم وفهمهم، لقد قضيت الكثير من الوقت في التحدث معهم عن آبائهم وأخواتهم وأطفالهم، وعن أنفسهم وعلاقاتهم، وكيف يرون أنفسهم، وكيف يرى بعضهم البعض، كنت أرغب في معرفة مدى قدرتي على إظهار جمال أصدقائي بطريقة ما مثل روح الدعابة عندهم التي تكون مظلمة أحيانا، وعواطفهم التي شاركوني بها ونظرتهم للمستقبل.

رحلة الإنتاج.. مخاض سينمائي استغرق ثماني سنوات

استغرقت صناعة الفيلم حوالي ثماني سنوات، وكان التحدي الرئيس هو تمويل الفيلم والترويج لفكرته، فقد كان “البرج” إنتاجا مشتركا بين النرويج والسويد وفرنسا، وقد طور الفيلم في النرويج وبولندا عبر نقاش الفكرة والقصة، ثم صُممت الأصوات الإنجليزية في السويد، أما تلحين الموسيقى وتسجيلها وتلوين الصور فقد نُفذ في فالنس وستراسبورغ في فرنسا.

هكذا يكبر الأطفال مع ذكريات متتابعة من الألم والفقد، وأحدهم جدُّ وردة المسمى بـ”لطفي”

يقول مخرج الفيلم “غرورد”: خلال فترة الإنتاج عملت بجد أيضا لإنشاء رابط بين مخيمات لبنان والشتات الفلسطيني، فناقشت سيناريو الفيلم مع أصدقائي في المخيم وخارجه وحصلت على ملاحظاتهم، بالإضافة إلى الكثير من التفاصيل التي احتاجها الحوار، فقد كانت مهمتي جمع الاقتباسات الجيدة.

أيام فلسطين السينمائية.. أول عرض للنسخة العربية في رام الله

صدر الفيلم بشكل أساسي باللغة الإنجليزية، وساهم بهذه الأصوات نجلاء سعيد والفلسطينية هناء شمعون وغيرهم، أما بالنسخة بالعربية فهناك محمد بكري وصالح بكري وليلى النجار التي أدت صوت وردة، ومكرم خوري ومنى حوا ومراد حسن وغيرهم.

يعود الفيلم بالمشاهدين إلى الوراء حين طرد الفلسطينيون من أرضهم فهاجروا إلى لا مأوى

وكان حلم المخرج -الذي أصبح حقيقة- خلق حلقة داخل الفيلم بين الممثلين الفلسطينيين من الجليل وحيفا والشتات وبقية القرى الفلسطينية، وهذا ما نجح فيه، ليكون أول عرض له في العالم بالنسخة العربية في مدينة رام الله، وذلك ضمن فعاليات مهرجان “أيام فلسطين السينمائية” التي نظمتها مؤسسة “فيلم لاب” بنسخته الخامسة، وقد اختُتم نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2018 بعد عرض أكثر من 60 فيلما دوليا عربيا ومحليا في خمس مدن فلسطينية شملت العاصمة القدس ورام الله ونابلس وبيت لحم وغزة.