الجدار الأزرق.. عالم افتراضي ساحر يقلب حياة الإنسان المعاصر

لو أنك أخبرت أحدهم قبل عشرين سنة أن شبكات التواصل الاجتماعي ستملأ كل هذه المساحات الواسعة من حياتنا اليومية لاتّهمك بالجنون، لكن ها نحن نحيا واقعا اخترقت فيه تلك الشبكات كافة الثغرات الزمنية في حياتنا، بل وخلقت مساحتها الخاصة التي اقتطعتها من حياتنا اليومية.

يرصد فيلم “الجدار الأزرق” -الذي بثته الجزيرة الوثائقية- ظاهرة تعاظم دور شبكات التواصل الاجتماعي والتغيرات التي طرأت بسببها على المجتمع وطرق التواصل الإنساني، وما خلقته من واقع جديد واقتصاد جديد وإعلام جديد، بالإضافة إلى الآثار المترتبة على كل ما سبق.

ثورة الفيسبوك.. سحر يبدأ مع لحظات الاستيقاظ الأولى

يعمل بلال أحمد وصديقه شافعي السيد في مجال الطلاء، وهي مهنة ليست مكتبية بطبيعة الحال، ولا تحتاج إلى استخدام الكمبيوتر أو الهاتف المحمول، لكن هذا لم يمنعهما من ولوج عالم فيسبوك، فما بين ساعة وأخرى يختلسان دقائق لمتابعة جديد العالم الأزرق، قبل أن يُنهيا عملهما اليوم ليأتي الوقت الأكبر الذي يخصصانه للفيسبوك.

أما رنا شديد (مدير تطوير أعمال) فتقول إن متابعتها للفيسبوك تبدأ مع لحظات الاستيقاظ الأولى حتى قبل أن تغادر سريرها، وعلى حد قولها: يقلق أصدقائي عندما تقل منشوراتي على فيسبوك الذي يكاد يكون هو التطبيق الوحيد الذي أحرص على وجوده في كل أجهزة الاتصال الخاصة بي من هاتف محمول إلى جهاز لوحي وصولا إلى الحاسب المحمول والمكتبي.

رنا شديد تعرفت على عدد من صديقاتها القديمات عبر فيسبوك

وتضيف رنا أنها تعرفت على عدد من صديقاتها عبر فيسبوك، كما أنها عندما تحتاج لإجابة عن سؤال ما لا تتردد في كتابته على فيسبوك لتأتيها الردود في الحال.

وأما إيمان زكريا (معلمة تربية فنية) تقول إنها تعرفت على فيسبوك من أبنائها، ومنذ ذلك الحين فهي في وضع اتصال دائم على الموقع، حتى إنها تتواصل مع أبنائها برسائل نصية عبر فيسبوك، رغم وجودهم معا في نفس المكان.

رنا شديد تعرفت على عدد من صديقاتها القديمات عبر فيسبوك

لكن الجميل فيما تقوله إيمان هو أن الفيسبوك جمعها بأصدقائها بعد نحو 24 عاما من افتراقهم، وقد كان ذلك بداية لعودتهم إلى ممارسة فن الرسم من جديد، فمن يرسم لوحة ينشرها ويتلقى تعليقات باقي الزملاء والزميلات وتشجيعهم.

أما ابنها عمر علاء (طالب بالمرحلة الثانوية) فيقول إنه بدأ بمتابعة أخويه وأصدقائه قبل أن يجد نفسه مستغرقا في فيسبوك طيلة اليوم، خصوصا أيام الإجازات، الأمر الذي حرمه لاحقا من ممارسة هوايته في الجري ولعب كرة القدم.

“أصبحت أستفيد من فيسبوك في مزيد من العمل”

ويتواصل علاء مع أصدقائه خارج مصر عبر ماسينجر، الأمر الذي يُغنيه عن اتصالات دولية مُكلّفة، لكن الأعجب أنه يتواصل مع أفراد أسرته عبر فيسبوك، حتى عندما يكون الجميع في المنزل.

لكن ما يفعله بلال أحمد على العكس من ذلك. يقول إنه يستخدم فيسبوك في تجميع أصدقائه والاتفاق على مكان وزمان محددين للعب الكرة. ويضيف أنه يتابع عددا من صفحات الأندية الرياضية التي يشجعها، وكذلك صفحات شركات تصنيع مستلزمات الدهان، باعتباره دهّانا. وقد أنشأ مع صديقه لاحقا صفحة ينشران فيها أعمالهما في مجال الدهان، الأمر الذي فتح لهما آفاقا جديدة للعمل. ويقول: أصبحت أستفيد من فيسبوك في مزيد من العمل، بعد أن كان مجرد أداة ترفيه وتضييع للوقت.

المدون الساخر هشام عفيفي يقضي معظم وقته على فيسبوك

ويسترجع المدون الساخر هشام عفيفي ذكرياته مع تطور فيسبوك الذي لم يكن يضم خيارات عدة في بداياته، إلى أن ظهرت المجموعات والخصائص الأخرى المتعددة التي أضافت مميزات للتطبيق أوصلت المستخدمين إلى إدمانه لاحقا.

ويضيف أنه يقضي معظم وقته على فيسبوك، وإن كان ذلك دون تخصيص وقت له، فهو دائم الاطلاع على التطبيق حتى أثناء انشغاله بمهام أخرى، يطالع الإشعارات التي تأتيه، ويرد على رسائل الأصدقاء، وينشر صورا أو منشورات.

فسابكة المنزل.. مجتمع “أصبحت حياته منتهكة”

تقول رنا شديد إنها كانت تفضل الجلوس في المنزل أحيانا كثيرة من أجل متابعة فيسبوك على الخروج، قبل أن يصبح ذلك متاحا عبر الهواتف الذكية. وتضيف أن فيسبوك ساهم أيضا في صلة الرحم واستعادة الذكريات بين أشخاص فرقت بينهم الأيام ومشاغل الحياة.

كما ساهم فيسبوك -بحسب رنا شديد- في التفاعل مع الأحداث من أفراح وأتراح ومناسبات اجتماعية وعملية مختلفة، خصوصا في ظل وجود خاصية التذكير بالحدث قبل موعده، إضافة إلى متابعته لاحقا بالتفاعل مع مقاطع الفيديو والصور التي نُشرت عنه.

المدون الساحر هشام عفيفي يقول أن فيسبوك فتح له هذه الخاصية آفاقا جديدة في العمل

يشير هشام عفيفي إلى بدء خاصية المتابعة التي أتاح بها فيسبوك للآلاف -وربما الملايين- أن يتابعوا شخصا ما ويتفاعلون مع ما ينشره، وقد فتحت له هذه الخاصية آفاقا جديدة في العمل مثل كتابة أغان وبرامج ساخرة انطلاقا مما يكتبه على صفحته الشخصية.

لكنه يلفت إلى زاوية أخرى باعتباره شخصية مشهورة في مجتمع فيسبوك، فقد حرمه ذلك من نشر صور عائلية مثلا أو أن يمشي بشكل طبيعي في الشارع أو يجلس في مقهى، بعد أن “أصبحت حياته منتهكة”، كما يقول.

ويقول: في مجتمع الفيسبوك تتحول إلى كتاب مفتوح أمام الناس؛ كيف تفكر؟ وكيف تعيش؟ من هم أفراد أسرتك؟ لكنه في المقابل “يتضايق” عندما لا يحظى أحد منشوراته على فيسبوك بتفاعل كبير.

آفاق النقاشات.. اختلافات في الرأي تفسد الود

وقد أتاح فيسبوك لإيمان زكريا التعرف على أناس كثيرين، صداقة عمّقتها الاهتمامات المشتركة بالفن والرسم خصوصا، لكن أكثر ما يسعدها هو التهاني بعيد ميلادها التي تنهال عليها من أصدقاء الفيسبوك.

أما ابنتها يارا علاء الطالبة بالمرحلة الإعدادية فتقول إن والدتها كانت تعتبرها مدمنة تلفزيون إلى أن بدأت تستخدم فيسبوك لتصبح مدمنة له. وتلفت إيمان زكريا إلى أن فيسبوك أصبح بيئة جيدة جدا لكل شيء، بدءا من المعلومات والتحليلات، وصولا إلى الشائعات.

شافعي الذي يعمل دهانا يرى أن فيسبوك مكان يُعبّر فيه عن رأيه بصراحة في أي أمر

لكن شافعي السيد يرى في فيسبوك أكثر من ذلك؛ فهو مكان يُعبّر فيه عن رأيه بصراحة في أي أمر. صراحة كثيرا ما قادت إلى الحظر، فالاختلاف في الرأي يفسد قضايا عدة على فيسبوك. وتُبدي إيمان تأثرها الشديد بما تجلبه نقاشات فيسبوك أحيانا من عداوات ما كان لها أن تكون لو تحاور أصحابها وجها لوجه، فتلجأ إلى حذف المنشور سريعا بمجرد أن يحتد النقاش في التعليقات بين متابعين لها.

إعلانات فيسبوك.. فتح عظيم في عالم التسويق

يقول مستشار الإعلام الاجتماعي أحمد حسام إن أعداد مستخدمي فيسبوك في مصر ارتفعت ما بين عامي 2011-2012 من 3 إلى 9.5 ملايين، وهو رقم ظل يتضاعف إلى يومنا هذا، ويُرجع ذلك إلى رغبة الناس في التعرف على هذا الموقع الذي ساهم في انطلاق ثورة 25 يناير 2011 في مصر.

وعن الإعلان على الموقع، يقول أحمد حسام إن فيسبوك منح المعلنين إمكانية اختيار جمهور معين يصله الإعلان؛ من حيث السن والاهتمامات والمنطقة الجغرافية وغيرها، وهي ميزة غير متوفرة في الإعلانات الموجودة في مواقع الإنترنت التقليدية.

مستشار الإعلام الاجتماعي أحمد حسام يتحدث عن ارتفاع أعداد مستخدمي فيسبوك في مصر

ويضيف أن فيسبوك فتح آفاقا واسعة لإنشاء الكثير من الشركات وخلق آلاف فرص العمل، ومن ذلك شركات التسويق على مواقع التواصل الاجتماعي، وإدارة الصفحات وخدمة عملاء الشركات وغيرها. ومع الإيقاع السريع للحياة، فقد ساهم فيسبوك -كما يقول أحمد حسام- في جمع شمل أفراد العائلة والأصدقاء، فمهما تباعدت المسافات يمكن للجميع متابعة أخبار بعضهم عبر فيسبوك.

حيوية الجدة.. عالم ساحر في عمر متقدم يصنع حياة جديد

تشكر الجدة رفيدة رضا حفيدها عمر الذي أدخلها عالم فيسبوك؛ ذلك الموقع الذي مكنها من التواصل مع من تحب كما لو كانوا معها في نفس المكان، ويأتيها أيضا بأخبار العالم حيث هي، كما تقول. وتقارن بين حياتها قبل ولوج عالم فيسبوك وبعده؛ فالأولى كانت حياة روتينية مملة، خصوصا في عمرها الكبير، أما الآن فقد ملأ فيسبوك حياتها.

إيمان زكريا التعرف على أناس كثيرين، صداقة عمّقتها الاهتمامات المشتركة بالفن والرسم خصوصا

ومع تأكيدها على تعلقها الشديد بفيسبوك، فإن إيمان زكريا تأخذ على مستخدمي الموقع الاكتفاء بالتواصل عبر فيسبوك دون تطوير ذلك إلى اتصالات هاتفية أو تجمعات وزيارات مباشرة، وتقرّ بأن فيسبوك أثّر سلبا على العلاقات بين أفراد أسرتها؛ بعد أن أصبح “كل واحد في حاله”، مما ولّد حالة “جفاء وفقدان للحميمية” بين أفراد الأسرة الواحدة.

“ترحال”.. هرب من سجن النت إلى حرية الحياة

أما أحمد ماهر مؤسس صفحة “ترحال” فله تجربة مختلفة، فقد استغرقه فيسبوك كثيرا إلى أن قرر أن يعيش حياة السفر، ومن ثَم ابتعد عن فيسبوك حتى أن أياما تمر عليه دون أن يطالع الموقع، لكنه مع ذلك يقرّ بفضل فيسبوك في تأسيس صفحة “ترحال” وتجميع الكثيرين للقيام برحلات عدة.

أحمد ماهر مؤسس صفحة “ترحال” قرر أن يعيش حياة السفر عبر الفيسبوك

ويرى ماهر أن علاقات فيسبوك سطحية، فرغم أنها تُوحي بالقرب بين أطرافها، فهي علاقات بعيدة في الواقع، لكن أقوى علاقاته هي تلك التي كوّنها من مواقف حقيقية مباشرة. ومع اكتشافه أن فيسبوك يأخذ حيزا كبيرا من حياته، قرر أن يلغي صفحته الشخصية، مكتفيا بصفحة “ترحال”.

ويتفق مع ذلك هشام عفيفي الذي يشعر أحيانا بأنه أهدر وقتا طويلا في فيسبوك، وأنه يحيى حياة غير حقيقية في ظل سيطرة فيسبوك على وقته وحياته، وإحساسه بمشاركة الآخرين له حياته.

نهاية الفيسبوك.. صدمة كبرى لجيل افتراضي صامت

يُشير أحمد ماهر إلى أن فيسبوك من أكثر الأمور التي أبعدت الإنسان عن أن يعيش الواقع كما هو، فكثيرون يريدون إثبات أنفسهم على الموقع لا في الحياة الحقيقية. ويقول عفيفي إن الكثيرين اختزلوا حياتهم في فيسبوك، حتى إن البعض يحزن من صديق له لم يضغط زر الإعجاب بما نشره.

ويقرّ عمر علاء -على صغر سنه- بأثر فيسبوك على حياته الاجتماعية؛ ويقول إنه يستطيع أن يجرى محادثة مدة ساعتين عبر فيسبوك، لكنه على أرض الواقع خجول لا يستطيع دخول حوار مباشر ولو لوقت قصير.

عمر علاء -على صغر سنه- بأثر فيسبوك على حياته الاجتماعية

وتتفق والدته إيمان زكريا مع ما قاله، وتشير إلى أنها في الوقت الذي تصادف فيه أناسا على فيسبوك يمتلئون طاقة واجتماعية، فإنها تتفاجأ بأنهم ليسوا كذلك في الحقيقة، بل إنهم يبحثون عن أوقات ينعزلون فيها عن المجتمع. وتقول أخته يارا إنهم كأسرة لم يعودوا يتحدثون مع بعضهم كثيرا.

وتحذّر إيمان من أن الجيل القادم سيكون “صامتا تماما لا يتحدث، لأنه لم يعرف معنى اجتماع العائلة والمشاركة الاجتماعية، واكتفوا بعلامة الإعجاب على فيسبوك”.

تستصعب الجدة رفيدة رضا ذلك، فهو الذي يشغلها ويملأ عليها حياتها. وبالنسبة لبلال أحمد، فسيخسر كثيرا من عمله الذي بات يعتمد على فيسبوك. بينما يشعر الطفل نور أحمد -التلميذ بالمرحلة الابتدائية- بأن حياته حينها ستصبح “ناقصة”.

لكن إيمان ترجّح وقوع تصادم في حياة الناس إلى أن يعتاد الجميع “الحياة الحقيقية بدلا عن حياة فيسبوك”. ويقر أحمد حسام بأن صدمة ستقع إذا اختفى فيسبوك من حياة الناس، لكنهم سيعتادون الأمر بمرور الوقت.