“لا مكان لك في مدينتنا”.. توغل في عوالم الشغب بملاعب الكرة البلغارية

يتناول الوثائقي البلغاري “لا مكان لك في مدينتنا” (No Place for You in Our Town) ظاهرة السلوك العدائي لمشجعي الأندية الكروية وإثارتهم للشغب داخل الملاعب من منظور مختلف عن بقية أفلام تناولت نفس الموضوع، فقد ركز أغلبها على نقل السلوك الجماعي لمثيري الشغب الذين يحولون الملاعب الرياضية إلى ساحة معركة يعبرون من خلالها عن أفكارهم العنصرية وكراهيتهم للغير، وفي أكثر الأحيان من دون بحث في العوامل الموضوعية المؤثرة في سلوكهم، أو الاشتغال الصبور على عينات صغيرة منهم يمكن وضعها تحت المجهر السينمائي لمراقبة سلوكها وتحليله، كما يفعل المخرج البلغاري “نيكولاي ستيفانوف” في منجزه الوثائقي المهم الذي اشتغل عليه في مدينة بيرنيك التي نشأ فيها، وفور وصوله إلى المدينة قابل عددا من مثيري الشغب من مشجعي نادي “أف سي مينيور”، وبعد أن اطمأنوا لوجوده بينهم راح يوثق سلوكهم داخل ملعب المدينة وخارجه، مركزا بشكل خاص على شخصية “تسيسو” اللافتة في شدة تطرفها وقوة حضورها بين مجموعة “حليقي الرؤوس” العنصريين، وحاملي أفكار النازية الجديدة.

“تسيسو”.. مدخل الكاميرا إلى عالم حليقي الرؤوس

تَميُّز اشتغال المخرج البلغاري سينمائيا لا يأتي بسبب معرفته الجيدة بالمكان فحسب، بل لأسلوبه الخاص في التعاطي مع شخصيات فيلمه الرئيسية التي اعتنى برصد سلوكها من دون الحكم عليها مسبقا. تعامله الهادئ والمُقنِع مع “تسيسو” قاد إلى انفتاحه، إلى درجة أنه راح يبوح أمام الكاميرا بما يشعر به داخليا من دون حرج.

إلى جانب هذا، ساعدت محاولة المخرج الربط بين السلوك العنيف لبعض المشجعين وبين الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشونها، على معرفة المنطلقات والمحفزات التي تجعلهم يمضون أكثر في غلهم وعدائيتهم.

شتم لاعبي الفريق الخصم والتشويش عليهم

المشهد الافتتاحي الذي يظهر فيه المشجع “تسيسو” وهو يقطع الشارع الرئيسي في مدينة بيرنيك ـ الواقعة غرب بلغاريا والمعروفة تاريخيا باسم “مدينة الذهب الأسود” نسبة إلى الفحم الذي كان يستخرج من مناجمهاـ يجلي جانبا من تلك المنطلقات، ومن خلال ما يبوح به من أفكار يمكن فهم سلوك مثيري الشغب.

كان “تسيسو” وهو يمشي في طريقه إلى ملعب نادي المدينة، يتحدث مع صانع الوثائقي عن قناعاته وسبب ميله للعنف، وعن رؤيته ملاعب الكرة كساحات قتال لا مكان فيها للحب والسلام، وأنه فخور بعدم تسامحه مع الغير، ممن يختلف معهم.

أناشيد النازية.. إرث من الكراهية في ملاعب الكرة

تدخل الكاميرا مع “تسيسو” إلى ملعب السلام التابع للنادي، لتراقب وتوثق سلوكه مع بقية مشجعي نادي المدينة الذي يخوض مباراة كروية ضمن دوري فرق الدرجة الثالثة.

المجموعة التي ينضم إليها “تسيسو” تشاركه نفس الميول، وتحمل نفس الأفكار العنصرية والقومية المتطرفة التي تصف الخصوم بالغجر، تعبيرا عن كراهيتهم لهذه الشريحة من المجتمع، ووضع أنفسهم بالمقارنة بها موضع الرُقي والانتساب العرقي الأفضل.

تسيسو رفقة ابنه الذي يعلمه التشجيع العنصري وكراهية الاخر

تنطلق أناشيدهم التشجيعية من ماض قومي زائل، كلماتها تمجد تاريخ مدينة مناجم عرفت بصلابة رجالها، رغم نهاية العصر الذهبي للمدينة التي روج النظام الاشتراكي لها طويلا ولم يحقق الكثير لسكانها.

ورغم إغلاق مناجمها اليوم وتراجع مستوى الحياة فيها، فما زالوا يعتبرون أنفسهم الأبناء النجب لأولئك الرجال، ويرون أنهم أشداء مثلهم، وللتدليل على قوتهم وصلابتهم ونقاوة عرقهم الأبيض مثل أجدادهم يرون دوما في النادي الآخر المتباري معهم عدوا يريد تجريدهم من كل مفاخرهم.

لهذا فإن كل خسارة بالنسبة إليهم هي إذلال لرجولتهم، ولمنعها لا بد من إحباط الفريق الآخر ومشجعيه بكل السبل؛ بالشتم والصراخ بعبارات عنصرية ورمي عبوات المياه على لاعبيه داخل الملعب، وخارجه يحاصرون مشجعيه ويضربوهم بقسوة مفرطة.

معسكر الغابة.. صناعة العنف تحت تأثير الكحول

لا يكتفي الوثائقي بنقل المشهد العام، بل يذهب لمعرفة تفاصيله، ومن بين ما يكتشفه أن مثيري الشغب يتحركون وفق خطط موضوعة مسبقا، يحددون خلالها تحركاتهم داخل الملعب وخارجه. يتهيؤون لملاقاة الخصم بشحن نفسي وجسدي، وتلعب المشروبات الكحولية دورا رئيسا في مدهم بطاقة إضافية دافعة لعنف أشد مما هو موجود في دواخلهم.

 

يرافق الوثائقي المجموعة نفسها داخل الغابة التي أقاموا فيها معسكرا مؤقتا، يتبادلون نفس الأفكار ويسمعون الأغاني العنصرية الممجدة للنازية وبتفوق البيض على غيرهم، أجسادهم موشومة برسومات نازية مثل الصليب المعقوف، ينظمون صفوفهم ويعملون على كسب مؤيدين جدد لهم من الشباب، وبشكل خاص من العاطلين عن العمل أو من الذين يعانون من مشاكل اجتماعية وإحباطات عائلية.

مدينة المناجم.. أمجاد ماض شيوعي في عصر الرأسمالية

يلاحظ صانع الوثائقي مرافقة ابن “تسيسو” له في كثير من تحركاته، ويتشارك مع البقية ذات الانفعالات وبشكل خاص حين يحضر معهم مباراة للنادي. يسمع منهم طيلة الوقت نفس الجمل المشجعة على العنف وكراهية الآخر، لكنه لا يلاحظ تلقينا مباشرا من الأب لابنه.

وعلى المستوى العام يستعين الوثائقي بتسجيلات أرشيفية (فيديو) قديمة تعكس مراحل تاريخية مرت بها المدينة، وقد شهدت تميزا عن بقية المدن البلغارية خلال حقبة النظام الاشتراكي، وأكثر التسجيلات تصور مناسبات وطنية يظهر فيها قادة الحزب الشيوعي البلغاري وهم يمجدون في خطاباتهم الطبقة العاملة، ويركزون فيها بشكل خاص على عمال المناجم والتعدين ويُذَكرون بدورهم المهم، والمعول عليه في إقامة دولة صناعية على أكتافهم من دون مقابل مجزي، غير الوعود والشعارات الرنانة.

النازيون الجدد يخططون لتحركاتهم في السر.

واليوم تعيش المدينة في عصر الرأسمالية، وتكاد تكون ميتة، فلا حركة عمرانية فيها ولا مشاريع، والسياسيون الجدد يتلاعبون بثرواتها الطبيعية ويسرقونها، حتى أن الماء أصبح شحيحا في خزانات سدودها، وأضحت أنهارها عرضة للجفاف.

ينقل الوثائقي مشاهد من اجتماعات رسمية يحضرها مثيرو الشغب، يطالبون خلالها مسؤولي البلدية بتوفير ميزانية تساعد النادي على انتقاله إلى الدرجة الثانية، وتلك خطوة يريدون بها تجسيد حلمهم في التقدم واستعادة مجد مدينة يعرفون أنه اضمحل، ولم يعد له وجود إلا في أذهان القوميين البُلغار المتشددين.

اعترافات المستشفى.. نوبة قلبية تحدث زلزالا داخليا

ينتقل الفيلم من المشهد العام وتفاصيله الفاضحة لأفكار وممارسات تصادمية، إلى الجانب الذاتي منه بعد نوبة قلبية تعرض لها “تسيسو” وكادت تقضي على حياته.

خلال مكوثه في المستشفى بدت تظهر على سلوكه علامات ندم، التقطها الوثائقي وراح يفسح المجال لعرضها من خلال ملازمته في وحدته أثناء فترة العلاج والاستجابة لرغبته في البوح عن ما يختلج في نفسه بعد صدمة المرض.

 

وبعد خروجه وذهابه للعمل في وظيفته كحارس معمل، لم يتغيّر الكثير من سلوكه العنيف وميله للإكثار من شرب الكحول وخلق المشاكل في مدرجات الملعب وخارجه، لكنه صار أكثر انفتاحا للحديث عن نفسه.

يخبر صانع الوثائقي بالمشاكل التي سببها لوالديه أثناء فترة المراهقة حين انجرف فيها نحو المخدرات. حزن والدته وعجزها عن إصلاح سلوكه دفعها للانتحار، لكنها نجت من الموت، أما والده فأراد قتله ليضع حدا لتهوره وانجرافه في عالم المخدرات.

أيام المراهقة.. بداية مشرقة في صفوف النازيين الجدد

مثل كائن يحاور نفسه كان “تسيسو” يتحدث بهدوء وبصوت منخفض عن الفترة التي تلت مرحلة المراهقة وتعرفه على مجموعة من العنصريين والنازيين الجدد الذين رحبوا به وأحاطوه بعناية أشعرته بأهميته، فما كان منه إلا الاستجابة لطلباتهم والمضي معهم في كل خطوة يخطونها.

يحيل سلوكه العنيف إلى والده الذي كان يعمل في سلك الشرطة، وكان عند عودته من العمل يحدث العائلة عن ملاحقتهم للمجرمين وكيف كانوا يضربون الغجر ويطاردونهم، وقد التصق هذا الحديث عن العنف في ذاكرته، ومع الوقت صار جزءا من شخصيته.

يتأمل تلك الفترة ويتمنى أن لا يمر بها ولده، لأنه أدرك بعد كل تلك السنوات أن ذلك الطريق لا يوصل المرء إلا إلى نهايات خطيرة يعيش فيها الإنسان في صراعات لا يجني منها نفعا.

يعرض أمام الكاميرا آثار الكسور والجروح التي أصيب بها جراء المعارك التي خاضها ضد مشجعي فرق كروية، وأخرى بسبب مشاحناته مع أناس عاديين كان هو السبب في التحرش بهم وإهانتهم والتعامل معهم بتعالٍ مصدره قناعته بتفوقه عليهم.

رحلات الأب والابن إلى الغابة.. إيقاع هادئ

خلال الجزء الأخير من مسار الوثائقي يأخذ الإيقاع العنيف نبرة أقل حدة تتناسب مع ميل صاحب الشخصية الرئيسية لقضاء وقت أكبر مع ابنه بعيدا عن أجواء العنف داخل الملاعب، وينقل مشاهد من رحلاتهما في الطبيعة، ويسجل الحوارات التي تجري بينهما وكيف يحاول الأب إحاطة ولده بجو عائلي حميمي. فهل ينجح في إبعاده عن الطريق الذي سار هو فيه؟

ميل الشخصية الرئيسية لقضاء وقت أكبر مع ابنه بعيدا عن أجواء العنف داخل الملاعب

يترك الوثائقي ذلك السؤال معلقا كما يعلق بطله السؤال الخاص بسلوكه وما إذا كان قد قرر التخلي عنه بعد مرضه، لكن الوثائقي يعود ثانية إلى الجانب العام من المشهد، فحركة تجييش مثيري الشغب لم تتوقف، بل أخذت ترتفع مع اقتراب النادي من خوض مباراة فاصلة يتقرر فيها انتقاله إلى الدرجة الثانية من عدمه.

“ميمتو”.. امرأة تقود فوضى عالم ذكوري خطر

من داخل الحافلات المليئة بالمشجعين، تقوم “ميمتو” المرأة المنظمة لحركتها بإصدار تعليماتها لهم بخفض نبرات صوتهم وإخفاء الأدوات الحادة والسكاكين تحت المقاعد خوفا من كشف رجال الشرطة لها وحرمانهم من دخول الملعب.

لا يتوقف الوثائقي كثيرا عند المرأة، لكنه ينقل بعض المشاهد المصاحبة لحركتها بينهم، وجانبا من حوارات قصيرة تشارك فيها وتعبر من خلالها عن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها عائلتها.

الامرأة الوحيدة في المشهد المخزي لم تأخذ مساحتها المطلوبة

وجود امرأة وحيدة وسط حشد من الرجال يشير إلى ذكورية ذلك العالم، لكن عدم اكتراث الوثائقي بهذه النقطة في سياق نص سينمائي معني بتحليل الظاهرة يمثل نقصا كان بالإمكان تجاوزه، وفي الأحوال كافة لم تقلل كثيرا من أهمية منجز سينمائي تَميّز بالتفرد في تقريب عالم مثيري الشغب الذي نراه بعيونهم ومن خلال سلوكهم الشخصي، لا من خارجهم كما فعلت أفلام كثيرة تناولت نفس الموضوع.