“روني”.. انتصارات وفضائح وعنف في حياة أسطورة الكرة الإنجليزية

يدخل المخرج “مات سميث” إلى حياة اللاعب الإنجليزي “واين روني” من زاوية شديدة الحساسية تتعلق بالأعباء الثقيلة التي تقع على عاتقه منذ صغره حين دخل عالم الاحتراف مبكرا، وقبل أن يكتمل تكوينه الجسدي والنفسي يجد نفسه تحت ضغوطات كبيرة يعجز أحيانا عن مواجهتها، فيلجأ إلى وسائل أخرى تعينه على التخفيف منها.

في الغالب تكون تلك الوسائل المساعدة عاملا سلبيا في مسيرة اللاعب، وربما تهدد بتدمير حياته وموهبته الكروية، هذا ما حدث مع اللاعب الموهوب “روني”، فقد مر بظروف صعبة جراء تناوله المشروبات الكحولية، وإقامة علاقات عاطفية خارج المؤسسة الزوجية، ولولا مراجعاته المسؤولة لسلوكه إلى جانب حب زوجته له، وحرصها على الحفاظ على عائلتها، لكانت نهايته كلاعب مختلفة تماما عن ما وصل إليه في عالم الساحرة المستديرة التي كرّس حياته لها، وبفضل ما قدمه في ملاعبها صار واحدا من ألمع أسماء لاعبي كرة القدم الإنجليزية.

“أن أكون إنسانا صالحا”.. أهداف الحياة بعد الاعتزال

في مفتتح فيلمه الوثائقي “روني” (Rooney) سأله صانع الفيلم عن سبب عدم تركه عالم الكرة، واختياره ليكون مدربا لنادي “ديربي كاونتي” رغم اعتزاله اللعب، فقال له بوضوح إنه لا يريد البقاء في المنزل ومصاحبة الأصدقاء في سهراتهم الليلية، فلا خير يأتي من هذا الطريق، بل إنه يبعدني عن هدفي في الحياة، وهو أن لا أكون لاعبا ومدربا جيدا فحسب، بل أن أكون إنسانا صالحا يظل الناس والأهل يتذكرون هذا الجانب المهم في شخصيتي أكثر من أي شيء آخر.

جواب يفتح ممرا للعبور منه إلى حياته (ولد في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 1985) ونشأته التي لا تنفصل عن بداياته الكروية، واتضاح موهبته فيها منذ كان طفلا صغيرا.

ينقل الوثائقي مقاطع من تسجيلات شخصية (فيديو) لمراسيم حفل زواجه من “كولين”؛ المرأة التي أحبها في صباه، وحلم أن يتزوج بها يوما، لقد كبرا سوية في مدينة ليفربول، وكانا يقيمان في نفس الحي الشعبي.

في شوارع ذلك الحي لعب مع أقرانه الكرة، ودخل في معارك كثيرة مع أطفال آخرين، لقد كان العنف -كما يقول- جزءا من الحياة اليومية في تلك المناطق التي تسكنها عوائل بسيطة الحال.

“طفل بجسد رجل”.. معارك الأحياء الشعبية تصنع المحاربين

يُحيل معارف “روني” الجانب القتالي في شخصيته كلاعب كرة قدم إلى نشأته الأولى، ويتذكر أنه في سن السابعة من عمره كان يحب الملاكمة، ويلعب الكرة في الشارع يوميا، وبعد انتهاء الدوام المدرسي لم يكن الأطفال يذهبون إلى بيوتهم مباشرة كما يفعل أطفال اليوم، بل كانوا يلعبون الكرة في الشوارع، هكذا يقارن “روني” بين نشأته، وبين نمط حياة الأطفال الذين في نفس عمره في الوقت الحاضر.

يذهب اليوم الأطفال مباشرة إلى بيوتهم بعد الدوام المدرسي، حيث يدخلون إلى غرفهم، ويبقون فيها بصحبة “الحواسيب”. في طفولته -كما يذكر- كانت المعارك بين أطفال الأحياء الشعبية لا تنقطع، لهذا لم يكن الصراع داخل الملاعب غريبا عليه.

تمتعه بجسم قوي جعله “طفلا بجسد رجل” كما يصفه زملاؤه، وهذا ساعد على قبوله لاعبا ضمن فريق شبيبة نادي “إيفرتون”. في عامه السادس عشر كتب عقد انضمامه للفريق، بعد أن تأكد مدربوه ومن دون أدنى شك بأنهم عثروا على موهبة كروية نادرة، وسرعان ما ستطلق عليه الصحافة لقب “الفتى الذهبي”.

“جئت إلى هنا لأبقى”.. جينات تورث الصرامة من أجل البقاء

يسجل معارف “روني” وزملاء لعبوا معه في تلك الفترة انطباعاتهم عنه، أكثرهم يؤكد جانبا خاصا به يتمثل في حماسته وقوة اندفاعه الجسدية ضد خصومه داخل الملعب، وأكثر الأشياء لفتا في شخصيته هو رغبته في تسجيل الأهداف، والإصرار على البقاء في العالم الذي يحبه مهما كان الثمن.

يتذكر “روني” ذهابه اليومي في موسم الشتاء إلى ملعب النادي للتدريب رغم برودة الجو وبُعْد المكان، فالنادي يقع في منطقة بعيدة نسبيا عن بيتهم، ومع ذلك فقد كان مواظبا على الحضور، لقد ظل في تلك الفترة المبكرة من عمره الرياضي يردد مع نفسه عبارة “جئت إلى أنا هنا لأبقى”.

لقد تعلم الصرامة والصراع من أجل البقاء من والده الذي كان يصارع يوميا من أجل ضمان رزقه في ظروف عمل صعبة، ولن ينسى أنه في إحدى المرات تذمر على نوعية الطعام الذي قدمته والدته له، فما كان من والده إلا أن وجّه له صفعة على وجهه قائلا: لا تكن ناكرا لجهدنا من أجل تأمين لقمة عيش كريمة لك ولبقية العائلة.

روني تعلم أن يكون صارما وجادّا من والديه

لقد ربطته علاقة طيبة مع والده ووالدته، وبشكل خاص مع جدته التي كان يلجأ إليها كلما وجد نفسه بحاجة إلى حماية، أو حين يرغب في البوح بما يختلج في وجدانه. لن ينسى عربة جَدته التي كانت تبيع فيها الحلوى والمشروبات في حيّهم الشعبي، ويصفها بمرح بـ”عربة الغجر”.

مباراة “أرسنال”.. أول انتصارات الأمي القادم من الشوارع الفقيرة

في بداية عام 2003 وقع “روني” عقدا للعب مع نادي “إيفرتون”، وهو أحد أهم الأندية الكروية في إنجلترا، وقد دخل بعده عمليا إلى عالم الاحتراف واللعب بين الكبار وهو صبي لم يعرف عن الحياة الكثير، ولا كيف سيتعامل مع التحديات التي تواجهه خلال حياته الكروية.

في أول مباراة له مع النادي ضد “أرسنال” النادي العريق وصاحب الألقاب؛ يسجل وهو ابن 16 عاما هدفا مبهرا في مرمى “ديفيد سيمان” أحد أحسن حراس المرمي في تاريخ الكرة الإنجليزية، لقد خرج فريقه فائزا من المباراة بهدفين مقابل هدف واحد، كما خرج وهو مصحوب بإعجاب الجمهور.

لن تنسيه فرحته ما رافق توقيع عقده من تلميحات صحفية مؤلمة، فخلال حفل التوقيع توجه الصحفيون إليه بالأسئلة، فتلعثم ولم يجب عليها بلباقة، الأمر الذي دفع بعضهم لوصفه بالشخص غير المتعلم، والأُمّي القادم من شوارع الأحياء الفقيرة.

نشر الشائعات.. شبح الصحافة الرياضية يطارد “روني”

سيكتشف “روني” خلال مسيرته الرياضية شبحا يطارده ولا يكف عن خلق المتاعب له، ويدعى “الصحافة الرياضية البريطانية”، في المقابل تعلم كيف يتعامل معها، وكيف يتجنب قدر المستطاع مواجهتها.

“كولين” زوجة “روني” المتسامحة التي حافظت على زوجها وعائلتها

ينقل الوثائقي مقاطع مسجلة عن مطاردات الصحافة له، وعدم ترك أي جانب من حياته دون التدخل فيه، تشرح زوجته تدخلات الصحفيين في حياتهم الخاصة، فمع كل نجاح لزوجها داخل الملاعب كانت تصاحبه شائعات تمس العائلة وحياتها الخاصة.

يدخل الوثائقي في بيت “روني”، وينقل جانبا من يومياته فيه، يبدو اللاعب “الصدامي” داخله ودودا يلعب مع أطفاله الأربعة، ويحرص على تأمين جو مريح لهم بعيدا عن أنظار الصحافة، تتفهم الزوجة حالة زوجها، وتساعد على تأمين مَصدّات واقية ضد كل أشكال الضغط التي يتعرض إليها عقب كل مباراة.

“بيليه الأبيض”.. فضائح جنسية تهز القلعة من الداخل

ليست الصحافة وحدها ما يثير المتاعب لـ”روني”، فبعض سلوكياته تشجعهم على الاقتراب منه ومتابعة أخباره. ومن بين ما فضحته علاقته بشابة مرافقة للمنتخب الإنجليزي أقام معها علاقة جنسية، فقد كشفت الصحافة الفضيحة وأثرت سلبا على علاقته بزوجته، إلا أن مسامحة زوجته له منع انهيار العائلة، وساعد نقده المسؤول لنفسه على تجاوز المحنة.

حتى الزوجة لم تنجُ من مضايقات الصحافة، ففي إحدى البطولات العالمية سمح مدرب المنتخب الإنجليزي لزوجات اللاعبين بالحضور معهم في البطولة، لكن أثار وجود بعضهن من دون أزواجهن في المطاعم الليلية شائعات وأقاويل أثرت سلبا على معنويات اللاعبين.

عدا الجانب السلبي لدورهم، فإن الصحفيين البريطانيين على وجه الخصوص ساهموا في إبراز اسم “روني” بوصفه نجما أسطوريا في عالم الكرة، ومنحوه ألقابا كبيرة مثل “بيليه الأبيض”، وذلك تشبيها له باللاعب البرازيلي الأسطوري.

خيانة “الفتى الذهبي”.. مسيرة كروية حافلة بالألقاب والكؤوس

لا يهمل الوثائقي المحطات الكروية المهمة في حياة “روني” الحافلة بالأرقام المتميزة، ومنها حصوله عام 2002 على جائزة “بي بي سي لشخصية العام الرياضية”، كما حصل على لقب “الفتى الذهبي” بعد تسجيله 200 هدف في 200 مباراة.

يتوقف الوثائقي الممتع والحيوي عند بداياته في نادي “إيفرتون”، التي شهدت بروز نجمه على ملاعبه، وسيظل مشجعوه يتذكرون أهدافه الجميلة التي جعلته واحدا من أفضل المهاجمين في تاريخ النادي. هذا يفسر غضبهم عليه وتسميته بـ”الخائن” بعد إعلانه عام 2002 قرار تركه النادي والانتقال منه إلى “مانشستر يونايتد” مقابل عقد انتقال قيمته 48 مليون دولار أمريكي.

على يد مدرب النادي السير “أليكس فيرغسون” تعلم “روني” الكثير، وخلال وجوده معه حقق النادي كثيرا من البطولات المحلية والعالمية، من بينها فوزه بكأس الدوري الممتاز خمس مواسم، وحصوله على 4 بطولات من كأس الدرع الخيرية، إضافة إلى بطولة الدوري الأوروبي وكأس الاتحاد الإنجليزي، ولن ينسى جمهور “مانشستر يونايتد” أهدافه الثلاثة (هاتريك) ضد نادي “الأرسنال”، في المباراة التي انتهت نتيجتها بفوزهم ثمانية مقابل اثنين.

وعلى المستوى الدولي اقتنع المدرب السويدي “سفين ـ يوران إيركسون” الذي تولى تدريب المنتخب الإنجليزي عدة سنوات بضمه إلى صفوف المنتخب المشارك في مسابقات بطولتي كأس أوروبا وكأس العالم، فقد أثبت “روني” خلالها أنه لاعب بارع وشجاع، وبالرغم من صغر سنه فقد كان منافسا لكثير من نجوم الكرة، مثل زين الدين زيدان و”كريستيانو رونالدو” و”ديفيد بيكهام” وغيرهم من اللاعبين، كما أشاد بمهاراته وتفرده كثير من المدربين الذين شاركوا في الوثائقي، وقدموا خلاله شهادات صادقة توضح الأسباب التي تدفعهم للاقتناع بأن “روني” هو واحد من أفضل وأجمل ما أبدعته الكرة الإنجليزية خلال تاريخها.