“كل الجمال والدم المراق”.. مصورة تهز عرش العائلة التي بنت إمبراطورية من الألم

من المزايا الكبيرة للفيلم الوثائقي الفائز بجائزة “الأسد الذهبي” في مهرجان البندقية هذا العام، أنه يجمع ببراعة بين الخاص والعام، بين القيمة الخاصة للفرد، وبين دوره العام في حركة الوعي الاجتماعي.

الفيلم هو “كل الجمال والدم المراق” (All the Beauty and the Bloodshed) من إخراج “لاورا بويتراس” التي عرفت كإحدى أفضل مخرجات النوع الوثائقي في الولايات المتحدة والعالم. وهي تصل في فيلمها الجديد إلى ذروة النضج الفني، بعد أن تحررت من قيود المنهجية الصارمة، وأصبحت تمتلك القدرة على التحليق عاليا في آفاق السينما الفنية والتشكيلية الحرة التي تخلصت تماما من ضوابط السرد.

هنا يختلط الوثائقي بإعادة التمثيل، والصورة الفوتوغرافية بالوثيقة، والتصوير المباشر وقت وقوع الحدث بلقطات الأرشيف وشهادات الشهود واسترجاع الماضي وربطه بالحاضر.

“لاورا بويتراس”.. ثلاثية تزعج الحكومات وتحصد الأوسكار

“لاورا بويتراس” مخرجة مثيرة للمتاعب، فقد أثارتها منذ أول فيلم في ثلاثيتها الوثائقية، وهو فيلم “بلدي.. بلدي” (My Country, My Country) الذي صورته عام 2006 في العراق، وفيه تتناول بجرأة معاناة العراقيين العاديين تحت الاحتلال الأمريكي. ورغم أن الفيلم رُشح للأوسكار، فإنه أدى إلى وضع مخرجته ضمن قائمة الأشخاص الخطرين في قائمة وكالة الأمن الداخلي في الولايات المتحدة.

أما فيلمها الثاني في الثلاثية “القسم” (The Oath) الذي أخرجته عام 2012، فقد جاء عن رجلين من اليمن قبض عليهما واتهما بضلوعهما في العمل ضمن تنظيم القاعدة، والمشاركة في شن هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. الأول هو الحارس الشخصي السابق لأسامة بن لادن، والثاني سائقه الخاص. وتتابع “بويتراس” في فيلمها تفاصيل المحاكمة التي ستتسبب في تغيير القانون الأمريكي، كما سيثبت على المدى الطويل بطلانها، وبراءة الرجل الأول من تهمة ارتكاب جرائم حرب.

المخرجة لاورا بوتراس تحمل جائزة “الأسد الذهبي” التي نالتها في مهرجان البندقية

الفيلم الثالث في الثلاثية هو فيلم “المواطن 4” (Citizenfour) الذي أخرجته عام 2014، ويصور قصة المنشق “إدوارد سنودن” الذي كشف تفاصيل الرقابة المفروضة على المواطنين الأمريكيين من جانب وكالة الأمن القومي الأمريكي بدعوى مكافحة الإرهاب، وقد فاز هذا الفيلم بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي طويل عام 2015.

“نان غولدين”.. حملة ضد العائلة التي اشترت صمت العالم

في فيلمها الجديد “كل الجمال والدم المراق” تروي “لاورا بويتراس” قصة المصورة الفوتوغرافية والناشطة الأمريكية الشهيرة “نان غولدين” التي تجاوزت الآن الثامنة والستين من عمرها، كيف كانت حياتها، وكيف تألق فنها البصري، لكي تربط بين شخصيتها المتمردة منذ طفولتها ثم في شبابها الباكر، وبين ما اتخذته من طريق لها في الحياة تحذر وتنذر وتنظم الحملات الغاضبة ضد عائلة “ساكلر” التي اشترت صمت العالم عن طريق ما قدمته من تبرعات مالية شديدة السخاء للمتاحف في شتى أنحاء العالم.

حققت تلك العائلة المليارات من بيع منتجات شركة الأدوية التي كانت تمتلكها، والتي أنتجت وسوقت ووزعت وجنت أرباحا طائلة من عقار الـ”أوكسيكونتين”، وهو عقار مخفف للألم، لكنه شديد التأثير على المخ، بحيث يسبب الإدمان لمن يتعاطونه، وقد تسبب في وفاة عشرات الآلاف في الولايات المتحدة عبر سنوات.

يبدأ الفيلم بمشهد مصور داخل متحف المتروبوليتان في نيويورك، حيث يتجمع نشطاء الحملة يهتفون “آل ساكلر كاذبون، آل ساكلر، الناس يموتون”. ويتمدد النشطاء على الأرض كأنهم موتى، وهي محاكاة للحملة التي شهدتها أمريكا في الثمانينيات ضد إهمال الحكومة الأمريكية لضحايا مرض فقدان المناعة المكتسبة (الإيدز)، وسوف يتكرر هذا المشهد كثيرا في أماكن أخرى فيما بعد.

من هذا المشهد الأول ننتقل إلى الخاص، إلى منزل “غولدين” ونشاهد ونسمع ما دونته من ذكريات عبر خمسين سنة، من خلال أعمال التصوير والفن فيما يمكن اعتباره أكثر سجل مصور لتاريخ المهمشين في مدينة نيويورك.

سلاح الكاميرا.. قارب الإنقاذ من أمواج الطفولة المحطمة

منذ طفولتها أبدت “نان غولدين” مقاومة للالتزام بنصائح أبويها الذين جاءا إلى نيويورك من الريف، وقد أهملها والداها، لكنها وجدت الحب والحنان والفهم من أختها الكبيرة “باربرا”، فكانت ترعاها وتهتم بها وتوجهها، لكنها كانت أيضا من النوع المتمرد على التقاليد العائلية، وقد اتهمها والداها بالاضطراب العقلي، وأودعوها دارا للأيتام، وبعد مرور سنتين انتحرت، ولا شك أنها عانت طويلا من الاكتئاب الحاد، وقد ترك انتحار “باربرا” تأثيره الكبير على “نان”.

من أجواء السبعينيات البوهيمية التي انغمست فيها غولدين

لقد ظلت لمدة سنة كاملة عاجزة عن الحديث كما تروي في الفيلم، ثم أودعها أهلها دارا للأطفال الذين يخضعون لرعاية الدولة أو يتبنون رسميا، وبعد طردها من عدة مدارس قبلتها مدرسة ذات توجه تقدمي، ومنحوها كاميرا أصبحت سلاحها الوحيد في مواجهة العالم.

اتجهت “غولدين” للتعبير عن أكثر أفكارها جنونا عبر فن التصوير الفوتوغرافي الذي مارسته بطريقة فنية غير تقليدية، وكانت تتدخل في الصور، وتستخدم الإضاءة بطريقة خاصة، والتحمت بالعالم الفني البوهيمي في نيويورك في السبعينيات. وفي الفيلم تستعرض “لاورا بويتراس” الكثير من أعمال “غولدين” الفنية، وتتوقف أمام علاقة صورها بالبشر وبالعالم.

دعايات التضليل.. حملات حقوقية بأساليب فنية صارخة

تنتقل المخرجة من الماضي إلى الحاضر في سياق جدلي ممتع بصريا وصوتيا، يمزج بين المعلومات والشهادات المباشرة والأعمال الفنية، ويربط بين الفن والاحتجاج السياسي، إنها تجري مثلا مقابلة مع الصحفي الاستقصائي المعروف “باتريك رادين” الذي نشر مقالا في مجلة “نيويوركر” عام 2017 بعنوان “العائلة التي بنت إمبراطورية من الألم”، ويفضح فيه عائلة “ساكلر”، وكيف بنت ثروتها على الترويج لبضاعة فاسدة، وقد أدى نشره هذا المقال إلى طرده من منزله والاستيلاء عليه من قبل البنوك.

تستخدم “بويتراس” أيضا الكثير من الإعلانات القديمة التي كانت تبثها في التسعينيات شركة “بيرديو” للأدوية التي يمتلكها “آل ساكلر” للترويج للعقار المهدئ، ثم كيف بثت إعلانات أخرى في عموم الولايات المتحدة لتهدئة مخاوف الناس بشأن ما يسببه العقار من إدمان، بعد أن انتشرت الأنباء عن أضراره، فنرى رجلا يتحدث مباشرة إلى الكاميرا يروي الكثير من الأكاذيب، مؤكدا أن العقار لا يسبب الإدمان.

ومن الطابق العلوي داخل مبنى متحف “غيغنهايم” يلقي نشطاء الحملة آلاف الوصفات الطبية للعقار المقصود وسط تهليل جمهور الزائرين، وفي مشهد آخر أمام متحف متروبوليتان يوزع النشطاء على أرضية المتحف علب العقار في تكوينات فنية مع شعارات وعبارات مكتوبة ومصممة تكشف بشاعته، بحيث تتحول الأرضية إلى ما يشبه لوحة فنية بديعة، ثم يتمدد النشطاء خارج متحف “اللوفر” الشهير في باريس.

امرأة شجاعة تقع فريسة للعقار المدمر.. بداية المعركة

نعود إلى “غولدين” وذكرياتها، وكيف قامت بتوثيق الحياة الحميمية لأصدقائها من الفنانين، كما عبرت في رسوماتها وصورها عن الاحتفال بالناس بتركيز خاص على ثقافة الأقليات أو “الثقافة المضادة” الهامشية، كما صورت نفسها وشركاءها والمتعاونين معها، وهي فئات تواجه الاستنكار عادة من جانب المجتمع العام، وتستعرض في الفيلم الكثير من الشخصيات التي عرفتها من خلال عرض الشرائح لأعمالها الفنية، مثل “قصيدة التبعية الجنسية” (1985)، والمعرض المتعدد الأوجه الذي رعته ونظمته بعنوان “شهود.. ضد اختفائنا” عام 1985.

نان غولدين في صورة تظهر ما تعرضت له من اعتداء بسبب نشاطها

تظهر “غولدين” في الفيلم بصورتها تروي وتعلق وتشرح وتستعرض علاقاتها بالأصدقاء من الفنانين، وتبدو كما لو كانت تروي شريطا من حياتها وحياة الآخرين، كيف بدأوا وكيف انتهوا، في سلسلة من القصص التراجيدية.

لكننا سنصل إلى مشكلتها الشخصية الكبرى عندما تتحدث وتصور تعاطيها عقار “الأوكسيكونتين” في عام 2017، ثم كيف وقعت في حلقة الإدمان وكادت أن تفقد حياتها، إلا أنها انتبهت وبحثت عن العلاج واستطاعت بصعوبة بالغة الخروج من حالتها السيئة.

كرست هذه المرأة الشجاعة حياتها منذ ذلك الوقت لكشف حقيقة العقار المدمر، وتعرية من يقفون وراء إنتاجه بوفرة، وكيف راكموا أرباحا بالمليارات من الدولارات من بيعه وتسويقه، وكيف اشتروا صمت “المؤسسة الرسمية”، واكتسبوا سمعة جيدة في المحافل الفنية في العالم عن طريق ما قدموه من تبرعات سخية لمتاحف الفنون وغيرها، ومن أشهرها متحف “اللوفر” في باريس ومتحف “غوغنهايم” ومتحف “المتروبوليتان” في نيويورك.

“التدخل الفوري الآن ضد وصفة الإدمان”

يعتمد أسلوب المخرجة “لاورا بويتراس” هنا على المتابعة الحيّة المباشرة لما تقوم به بطلة فيلمها “غولدين”، على غرار أسلوب صحافة الاستقصاء التي تقترب كثيرا من الأحداث وقت وقوعها، وتصور-على سبيل المثال- تطورات الحملة التي قادتها “غولدين” عن طريق الجماعة التي أسستها وأطلقت عليها (P.A.I.N)، وهي الحروف الأولى من شعار الجماعة (Prescription Addiction Intervention Now)، أي “التدخل الفوري الآن ضد وصفة الإدمان”.

ويصور الفيلم كيف توسعت هذه الجماعة وضمت أعدادا متزايدة من النشطاء، وكيف ذهبت من مدينة إلى أخرى لكشف الحقائق، بل وكيف واجهت “غولدين” بنفسها آل “ساكلر” أمام الرأي العام، وكشفت تجاوزاتهم بكل شجاعة.

لا يشرح الفيلم تفاصيل العقار وكيف يسبب الإدمان، ولا يلجأ للعلماء والأطباء لشرح الآلية التي يعمل بها في تأثيره على المخ البشري، فهذا جانب بعيد عن موضوع الفيلم، وهو “غولدين” نفسها، وكيف أصبحت فنانة بصرية من الطراز الأول، ثم تحولت إلى ناشطة من أجل الصحة العامة للإنسان في كل مكان، أي كيف خرجت من خصوصية ونرجسية الفنان إلى القيام بدور أكثر اتساعا وشمولية، فهي نفسها تركز أكثر على تصاعد أعداد ضحايا العقار ممن فقدوا حياتهم جراء إدمانهم الذي لم يستطيعوا له دفعا، وقد وصلوا إلى نصف مليون شخص في الولايات المتحدة.

إمبراطورية الدمار.. طرد من المتاحف وملاحقة في القضاء

لا شك في غرابة السياق الفني للفيلم، أي ذلك المزج بين الفن البصري واستخدام الكاميرا كأداة للتركيز عن قرب على التجربة الشخصية للإنسان، للشخصيات التي اقتربت منها “غولدين” وعايشتها وصورتها، بل وصورت نهاياتها أيضا، وبين الخروج على الدائرة الأكثر اتساعا، إلى العمل العام وتنظيم الحملات المناهضة لإمبراطورية الأدوية المدمرة التي يمتلكها آل “ساكلر”.

كان هدف حملة الاحتجاج العنيدة التي فضحت ما حصلت عليه المتاحف الشهيرة من منح سخية من “آل ساكلر”؛ هو دفع تلك المتاحف إلى رفض هذه الأموال، ثم إزالة اللوحات التذكارية المكرسة لتوجيه التحية والشكر إلى آل “ساكلر” داخل أجنحة خاصة في هذه المتاحف، وهو ما نجحت فيه الحملة نجاحا باهرا موثقا في الفيلم بشكل تاريخي، أي حسب زمن وقوعه.

إلا أن هدف الحملة التي اشترك فيها مع “غولدين” عدد من الفنانين والشعراء والكتاب كان مواجهة “آل ساكلر” في ساحة القضاء، وهو ما انتهى أيضا بالحكم عليهم بدفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بضحايا العقار المدمر.

إنها حلقة في سلسلة من المواجهات الناجحة التي تتصدى لاحتكارات الأدوية المشكوك في قيمتها، ومنها ما سيثبت فيما بعد انعدام فائدته، وأن هذه العقاقير وجدت لا لمصحة المرضى، بل لحساب شركات الدواء.

غرامة المحكمة.. هزة قضائية لا تمس العقار ولا العائلة

خلال سنوات عدة يخبرنا الفيلم أن شركة آل “ساكلر” للأدوية “بيرديو” (Purdue) التي ارتبط اسمها بعقار “الأوكسيكونتين” الضار، لم تواجه تحديا قضائيا حقيقيا، وأنها نجحت في التقليل من أثر الدعاوى القضائية التي رفعت ضدها.

في 2007 أقرت الشركة بأنها مذنبة بموجب الاتهامات الفيدرالية الموجهة إليها، أي بأنها ضللت الأطباء والمرضى على حد سواء حول إمكانية أن يؤدي العقار إلى الإدمان، وحكم عليها بدفع غرامة قدرها 600 مليون دولار، ورغم ذلك ظل اسم آل “ساكلر” خارج القضية، وواصلت شركة “بيرديو” تسويق العقار، وارتفعت أرباحهم محققة أرقاما جديدة، لذا فقد امتدت الحملة التي قادتها “غولدين” خارج النطاق القضائي.

تقول “غولدين” في الفيلم: لقد ركزت على آل “ساكلر” لأنني كنت أعرف الاسم باعتبارهم العائلة الأكثر دعما للفن الذي أحبه، ثم اكتشفت قذارة مصدر أموالهم، وعرفت أنهم من أنتجوا وروّجوا للعقار الذي كنت أنا نفسي قد أدمنت عليه.