“سُلطة بيلوسي”.. معارك المرأة الشرسة التي قلبت تاريخ الكونغرس الأمريكي

يرسم المخرج “مايكل كريك” صورة بصرية دقيقة للسياسية الأمريكية “نانسي بيلوسي” التي شكلت علامة فارقة في تاريخ السياسة الأمريكية، لكونها أول امرأة تتولى رئاسة مجلس النواب الأمريكي، وظلت في منصبها فترات طويلة رغم التقلبات السياسية الحادة والصراعات التقليدية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وقد ساهمت هي نفسها بدور فعال في تعميق الاستقطاب الحاصل بينهما، وتجسدت ملامح ذلك بشكل سافر في انقلاب الرئيس الأسبق “دونالد ترامب” على التقاليد الديمقراطية، من خلال الإيعاز لمؤيديه بمهاجمة مقر الكابتول (الكونغرس) واقتحامه، بعد خسارته الانتخابات الرئاسية وحصول منافسه “جو بايدن” على أعلى الأصوات.

في وثائقيه “سُلطَة بيلوسي” (Pelosi’s Power) يقدمها صانعه بوصفها امرأة محبة للسلطة، لا تخاف المواجهة، تذهب إلى أقصى حد في محاربة خصومها، ورغم مواقفها الليبرالية المعارضة للسياسة اليمينية التي يتبعها الجمهوريون، فإنها لا تختلف عن غيرها في ولائها للنظام السياسي وآلياته التي تبعد عمليا الأجيال الشابة الراغبة في رؤية تغيير حقيقي يحدث في هيكلية النظام السياسي الأمريكي، بعد أن رسخ تراتبية كرّست تاريخيا هيمنة الرجل الأبيض وأصحاب النفوذ الاقتصادي على القرار السياسي.

اقتحام الكونغرس.. تفتيش المكاتب بحثا عن عدوة الرئيس

قبل الشروع برسم بورتريه شخصي يبدأ الفيلم من طفولة “نانسي” ونشأتها في بيت ذاق طعم السلطة وحلاوة النفوذ السياسي، يخصص مفتتح الفيلم وقتا قصيرا ليُبيّن من خلاله للمُشاهد حدة مخاصمتها، وشراسة مواجهتها للرئيس السابق “دونالد ترامب” ومؤيديه في لحظة حاسمة من التاريخ السياسي الأمريكي.

ينقل الوثائقي مَشاهد مصورة للحظة التي اقتحم فيها مؤيدوه منبى الكونغرس وبحثهم عن “بيلوسي” بشكل خاص، فقد كانوا ينادونها باسمها، يفتشون عنها في كل مكاتب الكونغرس وزواياه.

المشهد المنقول بعدسات كاميرات محمولة يكشف حجم كراهية “الترامبيين” (مؤيدو ترامب) لها، وفي الوقت نفسه يُجسّد الخصومة التي أخذت طابعا شخصيا بينها وبين “ترامب”. بعد المُفتتح الاستهلالي يأخذ الوثائقي بسرد جوانب من حياة “بيلوسي” الشخصية، وشدة ارتباطها بعالم السياسة وألاعيبها.

“تعلمت عد أصوات الناخبين بدقة”.. إرث الأب السياسي

ولدت “نانسي بيلوسي” ونشأت في مقاطعة بالتيمور التي كان والدها محافظا لها، فقد تعلمت منه خفايا السياسة وألاعيبها، ومنذ طفولتها وجدت نفسها تتنفس هواءها، وعندما سُألت مرة عن الشيء الأهم الذي تعلمته من أبيها ونشاطه السياسي قالت “تعلمت عد أصوات الناخبين بدقة”.

مؤيدو ترامب لحظة اقتحامهم مبنى الكابتول وبحثهم عن نانسي بيلوسي بالاسم

ما تعلمته “نانسي” سوف يجعلها لاحقا نائبة تعرف كيف تكسب الأصوات لصالح حزبها الديمقراطي، وكيف تحشد التأييد اللازم لتمرير القرارات التي تريد تمريرها داخل مجلس النواب. رغم أنها الطفلة الوحيدة بين خمسة من الذكور، فقد حظيت بحب والدها لها، وتعلمت من أمها التحدي واتخاذ القرارات من دون ضجة.

وبالرغم من الجو المحافظ السائد في بالتيمور، فقد استطاعت وقتها والدتها تجاوز رفض عائلتها السماح لها بالدراسة في الجامعة، فقد أقنعتهم في النهاية ودخلت الجامعة.

استعان الوثائقي بخبرات المؤرخين والصحفيين الذين اهتموا بتوثيق حياة الشابة “نانسي”، ولا تخفي شهاداتهم الجو المحافظ السائد في بيت والدها، ولا تشير إلى معاندة من قبلها للأعراف والتقاليد السائدة في ذلك الوقت، والتي كرست سيطرة ذكورية أبعدت المرأة عن النشاط السياسي، ومالت إلى تزويجها ورعاية أسرتها في منزلها.

ستساير “بيلوسي” السائد وتتزوج من رجل تعرفت عليه أثناء دراستها الجامعية اسمه “بول بيلوسي”، ويعمل في حقل الاستثمارات المالية، وبعد زواجهما انتقلت معه إلى مدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا، وأنجبت منه خمسة أطفال. لم يبعد الأولاد ولا الزواج من ذهنها فكرة خوض معترك السياسة.

حب السلطة.. حرب هادئة لاقتحام عصابة النواب

بسبب نشأتها، استطاعت “بيلوسي” بسرعة دخول عالم السياسة، من خلال ترشيحها للانتخابات المحلية في ولاية سان فرانسيسكو، والفوز بأحد مقاعدها عام 1987، وقد مهّد ذلك إلى وصولها في العام نفسه إلى مجلس النواب الأمريكي، فعندما دخلته كان عدد النساء فيه 23 فقط، أما بقية الكراسي فكانت من حصة النواب الرجال.

نانسي بيلوسي عُرفت بحبها للسلطة، وهذا ما جعلها سياسية برغماتية ناجحة

تصف “بيلوسي” الهيمنة الذكورية في المجلس من خلال لقاءاتها الأسبوعية في مطعم اعتادت “عصابة” النواب -كما يطلق عليهم- الجلوس فيه، لمناقشة القضايا السياسية الراهنة بعيدا عن الأطر الرسمية.

لم يستمع أحد إليها أثناء وجودها بينهم، ورغم ذلك فلم تتذمر علنا، وعرفت كيف تتجاوز ذلك الإهمال، وتحوّل حضورها بينهم إلى واقع فرضت من خلاله احترامها، والاعتراف بها كسياسية تعرف ما تريد، وتعرف كيف تقدم نفسها وتأخذ مكانها.

يؤكد المؤرخون أن حُب السلطة لديها لا يضاهيه أي حب آخر، وهذا ما جعلها سياسية برغماتية ناجحة، قادرة على التكيف مع الأوضاع السياسية والتوافق مع السياسيين في اللحظة التي تحتاج إلى التوافق معهم.

أساليب الصدام العدائي.. آلية جديدة لوقف خسارة الديمقراطيين

يربط الوثائقي بين مسيرتها السياسية وصعودها وبين الظرف العام الذي تعيشه الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحقب التي عاشت فيها، ونشطت فيها في المجال السياسي، ويتوقف عند مرحلة التسعينيات من القرن المنصرم، وبروز شخصيات نسوية كسرت التقاليد المحافظة، ولعب بعضهن أدوارا سياسية ومهنية مهمة، فقد أضحت المرأة أكثر حضورا في المشهد السياسي والاجتماعي، وهذا مهّد بدوره لتدخل “نانسي بيلوسي” التاريخ السياسي من أوسع أبوابه.

استغلت “بيلوسي” خلال بداية الألفية الثالثة الخسارات المتكررة للديمقراطيين في الانتخابات وضعف حضورهم في مجلس النواب، وقد قررت وقف خساراتهم من خلال إحداث تغيير في آلية عمل نوابه داخل المجلس، بعد أن كانت تأخذ طابعا رياضيا، حسب وصف بعض المؤرخين المشاركين في الوثائقي.

كانت الفِرق المتنافسة تتبارى بهدوء فيما بينها، ويحصل الفائز على مكافأته، لكن تلك الآلية لم تعجب “بيلوسي”، وفكرت في تغييرها من خلال إدخال عناصر صراع جديدة عليها تكتسي طابعا عدائيا تصادميا، ولتحقيق ذلك استعانت بالنائب “رام أمانويل” المتمتع بصفات تؤهله لتحقيق ذلك الغرض، لقد كان مثل “بيلوسي”؛ إذا أراد الحصول على شيء فإنه سيحصل عليه.

إرث سان فرانسيسكو.. امرأة استثنائية تصل إلى القمة

يسجل المؤرخون ملاحظة مهمة تقول إن شدة الاستقطاب الحاصل اليوم بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي يعود جزء منه إلى سياسة “بيلوسي” ومنهجها العدائي في كسب المعارك السياسية داخل مجلس النواب، فقد اتبعت خلال فترة رئاستها مجلس النواب “سياسة التصادم”، وبموجبها أبعدت كل شكل من أشكال التعاون مع الجمهوريين، أو حتى التوافق معهم على إقرار بعض القرارات المهمة.

يحيل الصحفيون والمؤرخون مرد ذلك السلوك السياسي إلى الفترة التي تعلمت فيها السياسة في سان فرانسيسكو، حيث لم يكن هناك مجال للرحمة، لقد كان الصراع بين الحزبين يتخذ دوما طابعا عدائيا.

نانسي بيلوسي شغلت منصب أول امرأة رئيسة لمجلس النواب الأمريكي

يشهد عام 2006 أثناء الانتخابات البرلمانية النصفية نجاحا لأسلوبها، وبفضله سيحصل حزبها على أغلبية برلمانية بعد طول انتظار، وسيمهد ذلك لاحقا في العام الذي يليه لترؤسها مجلس النواب، في واحدة من الاستثناءات التاريخية التي تحصل فيها امرأة أمريكية على ذلك المنصب الحساس الذي يضع صاحبه في المرتبة التالية من حيث الأهمية بعد نائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

حرب العراق.. وقود إحراق الرئيس وحزبه الجمهوري

حول براغماتية “نانسي بيلوسي” السياسية وقدرتها على استغلال الظروف لصالحها يتوقف الوثائقي عند الحرب العراقية، وكيف استغلتها لإضعاف الرئيس الأمريكي السابق “جورج بوش” وحزبه الجمهوري، لقد شجعت قادة حزبها على معارضتها واستغلال المزاج الشعبي الرافض لها.

يؤكد الخبراء أن الحرب قد شقت مواقف الحزبين، لكن “بيلوسي” وقادة حزبها الديمقراطي ساهموا أيضا في شق البلاد معها، لقد كانت -حسب المقربين منها- تشعر بقوة حضورها السياسي وقوة نفوذها، وذلك من خلال صراعاتها السياسية التي يغلب عليها الطابع العدائي.

لم يعارض القادة الديمقراطيون سياستها داخل مجلس النواب الذي تدير كتلتهم فيه، لأن نتائجه النهائية كانت تصب في صالحهم. لقد كانت هي بالنسبة إليهم مثل وقود يزيد من شدة الحرائق السياسية التي يستغلونها ويغتنمون نتائجها.

يخصص الوثائقي وقتا ليتوقف عند سياسات الرئيس “أوباما”، وحماستها لتمريرها داخل مجلس النواب، ويقدمه كمثال على العلاقة الملتبسة بينها وبين بقية الأطراف القريبة منها.

“أوباما كير”.. صدمة خذلان الأقربين وشراسة الخصوم

لا يختلف المؤرخون كثيرا حول مواقفها الليبرالية المنحازة لصالح الطبقة الوسطى والفقراء، والمراعية لأحوال العائلة الأمريكية عموما. لهذا تبنت مشروع “أوباما كير” (نظام أوباما الصحي) لتحسين الوضع الصحي للفقراء من الأمريكيين، ولم تعبأ لمعارضة الجمهوريين له، فراحت تعمل على تحقيقه.

مشروع “أوباما كير” الذي يسعى إلى تحسين الوضع الصحي للفقراء من الأمريكيين

استغل منافسوها حماستها، وراحوا يُشَغلون مكانتهم الإعلامية ضدها، فقد وصفوها بالاشتراكية التي تريد تخريب النظام الصحي الأمريكي، ونعتوها بأسوأ النعوت، لكن تطورات الموقف من المشروع وإفشاله في نهاية المطاف تحيله “بيلوسي” إلى خذلان زملائها الديمقراطيين لها، وعدم اقتناع الكثير منهم به من الأساس.

يستغل الجمهوريون إخفاقها في كل جانب من جوانب عملها السياسي والنيابي لزيادة الضغط عليها وتوجيه سهامهم ضدها. يؤجج وصول “ترامب” إلى دفة الحكم صراعا بينه وبينها، وسيظهر انعدام الود بينهما منذ اللحظة التي يستقبلها فيه في البيت الأبيض عقب فوزه بالانتخابات.

فضيحة أوكرانيا.. معركة محاكمة الرئيس الأمريكي في الكونغرس

يزعم الرئيس “ترامب” في لقائه مع “نانسي بيلوسي” أنه حصل على أصوات أكثر من المعلنة رسميا، ويلمح إلى تزوير جرى سرقت من خلاله تلك الأصوات.

كلامه المنقول عبر كاميرات وسائل الإعلام سيُعيد تكراره عقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، لكن ردها عليه أمام عدسات الكاميرات واتهامها له بشكل غير مباشر بالكذب زاد من كراهيته لها، وستزداد تلك الكراهية الشخصية عندما تنجح في عام 2018 أثناء الانتخابات النصفية في الحصول على الأصوات المطلوبة لجعل النواب الديمقراطيين أغلبية داخل المجلس.

وقعت فضيحة في البيت الأبيض إثر تسريبات تؤكد أن الرئيس “ترامب” طلب بإلحاح شديد من الرئيس الأوكراني تلفيق تهم أخلاقية ضد منافسه “جو بايدن”، وبعد الفضيحة زادت حدة الصراع بينهما، وقد اعترف الرئيس الأوكراني بها، وهو ما دفع “بيلوسي” للمطالبة بتقديم الرئيس للمحاسبة القانونية أمام أعضاء الكونغرس، وتوجيه تهمة خرق العدالة له، وقد برأه الكونغرس من التهمة، لكنه لم يسامح غريمته على ما فعلته به.

اتفاقات تحت الطاولة.. عاهات في الجسم السياسي الأمريكي

الصراع الشخصي والسياسي والفضائح الملازمة لهما يكشف عن عاهات مستديمة في الجسم السياسي الأمريكي، وأن آليات العمل البرلماني كثيرا ما تشوبها خروقات ومواقف انتهازية تتضح من خلال مواقف النواب لا من خصومهم فحسب، بل وأحيانا كثيرة من زملائهم في الحزب الواحد.

يقدم الوثائقي أدلة على انتهازية قادة جمهوريين كانوا في السر يتفقون مع “بيلوسي” ضد رئيسهم، وفي العلن وأثناء التصويت لإدانته على أي خرق يرتكبه يسرعون للتصويت لصالحه والوقوف ضد متهميه.

ذلك الموقف سيتجلى بوضوح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حين رفض “ترامب” القبول بنتائجها، وبينما كان عدد من نوابه يرفضون فكرة اقتحام الكونغرس، فإنهم في اللحظة التي تستوجب الإعلان عنها كانوا يتراجعون ويقفون إلى جانبه.

ضد النساء السود.. عنصرية حامية الديمقراطية الأولى

كانت “نانسي بيلوسي” هي من عاندت “ترامب” ووقفت ضده بشجاعة أثناء هجوم مؤيديه على الكونغرس، ويعترف أشد منتقديها بموقفها الحاسم الذي أسهم في إفشال غايات الهجوم.

خلال الأزمة لم تتراجع، وأصرّت على صيانة الديمقراطية، فقد رأت في “ترامب” وفي سلوكه جنونا ورغبة في سيطرة ديكتاتورية تلغي أسس الديمقراطية الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه لم تكن منفتحة على تغيير جذري يمس مصالح المنتفعين منها، لهذا وقفت ضد فكرة رفد قيادة الحزب الديمقراطي بوجوه شبابية جديدة، وبشكل خاص من السود.

اعتبرت النساء المرشحات للبرلمان من أصول أفريقية غير مؤهلات للعمل النيابي، فهن -حسب رأيها- لا يعرفن ولا يستطعن التوافق مع الآليات السياسية الأمريكية التي في النهاية تريدها أن تبقى كما هي عليه اليوم؛ لعبة تجيد هي ممارستها، ووسيلة تكرس بها سلطتها وسلطة الحزب الذي تمثله.