بلوتو العائد إلى الحياة.. جليد وبراكين وماء في أعماق إله العالم السفلي

الغلاف الجوي الأزرق لكوكب بلوتو كما شاهدته مركبة نيوهورايزنز في 2015

في العام 2006 أطلقت ناسا مهمة رائدة، تتمثل في إرسال مركبة فضائية إلى أبعد رحلة في تاريخ الفضاء، بهدف استكشاف أقاصي نظامنا الشمسي، والتقاط أول صورة عن قرب لكوكب بلوتو، قبل متابعة التقدم في الفضاء السحيق، وسوف تستغرق الرحلة أكثر من 9 سنوات، تقطع خلالها المركبة أكثر من 5.5 مليار كيلومتر.

وقد حملت المركبة مسبار “نيوهورايزنز” الذي سيقوم بالتقاط صورٍ من أقرب مسافة لبلوتو، بينما سيقوم المطياف المرافق بالتحليل الكيميائي والجيولوجي لسطح بلوتو وغلافه الجوي. هذه الرحلة المهمة والاكتشافات العظيمة خلالها، كانت موضوع الفيلم الذي عرضته قناة الجزيرة الوثائقية بعنوان: “بلوتو.. العائد إلى الحياة”.

بلوتو.. أول صورة مشوشة من الكوكب الغامض

كانت أول صورة غير واضحة المعالم، التقطها تلسكوب “هابل” لبلوتو، قبل انطلاق مهمة “نيوهورايزنز” بكثير، لم تظهر فيها تفاصيل تذكر، ولكنها دفعت العلماء بشغف من أجل محاولة استكشاف هذا الكوكب الغامض.

في التسعينيات، التقط تلسكوب هابل الفضائي أفضل صورة لكوكب بلوتو وقمره، وهي بضعة بكسلات لا غير

في 2015، وقبل 10 أيام من وصول هورايزنز، بدأ الفريق الأرضي في تحميل أوامر الحاسوب للمسبار بتوجيه المركبة الفضائية لما يجب فعله عند وصولها إلى بلوتو، لكن لم تسر الأمور على ما يرام، فعند إرسال الأوامر الأخيرة انقطع الاتصال مع المركبة.

لقد صُمِّم المسبار “نيوهورايزنز” للتحليق قرب بلوتو، والتقاط الصور لدى مروره بمحاذاته، وإذا لم يعاود الاتصال فسيمر المسبار دون تسجيل أي شيء، ولكن بعد ساعة عاصفة من الترقب والانتظار، تلقى الفريق إشارة ضعيفة من المسبار، لقد كانت المركبة في حالة لا تسمح لها بالاقتراب من بلوتو.

يبدو أن ضخامة حجم الأوامر المرسلة كانت فوق طاقة الحاسوب الرئيسي، مما استدعى تحويل بعض العمليات إلى الحاسوب الاحتياطي، ويبدو أن هذا التحول قد أدى إلى مسح كثير من الأوامر التي تجعل المسبار يقترب من بلوتو، وهذا أدى إلى إغلاق جميع الأنظمة المساعدة بما فيها الكاميرات.

أول صورة كاملة وحقيقية لكوكب بلوتو، ويظهر فيها معلم قلب الحب

تطلّب الأمر إعادة التواصل مع الحاسب الرئيسي وتلقيم الأوامر مرة أخرى، واستغرق هذا العمل 3 أيام إضافية دون استراحة، وأثناء المرور بمحاذاة بلوتو بسرعة هائلة، تطلّب الأمر قطع الاتصال مع الأرض، من أجل تنفيذ سيل الأوامر بدقة متناهية، وكان على الفريق على الأرض الانتظار فحسب.

إله العالم السفلي.. الكرة المتجمدة تفصح عن أسرارها

أعيد الاتصال مع المسبار، وكانت الأجواء متوترة جدا، كان الجميع ينتظرون وصول بيانات تشير إلى أن أنظمة المركبة تعمل بشكل سليم، لحظات ثم انطلقت فرحة عارمة وسعادة غامرة وتصفيق حادّ، لقد وصلت المعلومات، وها هو سطح بلوتو يظهر بوضوح للمرة الأولى، إنه أمر مذهل، “أبهرنا هذا الجمال، وكأن وجه بلوتو يعاتبنا أننا لم نزره من قبل”.

التقط المسبار آلاف الصور لسطح وتضاريس بلوتو، ورسم مطيافه مكونات السطح، فانكشفت أسراره لأول مرة بشكل مذهل، والمطلوب الآن فك طلاسم هذا العالم الغامض، لقد فوجئ الفريق بمظهر بلوتو كأنه مألوف؛ جبال تشبه جبال الأرض وتغطيها الثلوج، ويبلغ ارتفاع بعضها 4 آلاف متر مثل جبال روكي، ولكنها مكونة من الجليد لا الصخور.

فرحة عارمة تعم فريق مركبة الفضاء نيوهرايزونز لحظة وصولها إلى بلوتو وإرسال أول صورة له

من فرط بعده عن الشمس، كان العلماء يتخيلون بلوتو كرة متجمدة عديمة المعالم، لكن تبين أنه عالم معقد ومحير، فيه جبال جليدية، وحفر مختلفة الأحجام وأخاديد عميقة، وسهول شاسعة يغطيها صقيع النيتروجين وثلوج الميثان، متدرجة الألوان من الأحمر القاتم إلى الأبيض الناصع، لقد تكشَّف جمال بلوتو الحقيقي بعد 85 عاما على اكتشافه، من قبل العالم الأمريكي “كلايد تومبو”.

ولبعده عن الأرض فقد كان غامضا، مثل القصص التي استوحي منها اسمه، وهو إله العالم السفلي في الأساطير، ويعيش في مملكته تحت الأرض، حيث يذهب الناس عندما يموتون. إنه صغير الحجم وبعيد جدا، ونَجَم عن بُعده شح في المعلومات المعروفة عنه قبل وصول هورايزنز.

الأقمار الخمسة.. اصطدام ضخم يصنع أبناء بلوتو

كان علماء الفلك يعرفون عنه أنه صغير ومتجمد ولديه خمسة أقمار، إنه ليس وحيدا بل نظام متكامل من العوالم الجليدية تتشارك رقصة غريبة معقدة، وأكبر هذه الأقمار “قارون”، وقد أخذ اسمه من ربان القارب الذي يقود الأرواح إلى العالم السفلي بحسب الأسطورة اليونانية، ويعادل نصف حجم بلوتو ويدوران معا في مسار واحد حول نقطة وهمية.

القمر الثاني “ستيكس”، وهو النهر الذي يبحر فيه الربان قارون ناقلا الناس إلى العالم السفلي، وهو جرم صغير غير منتظم الشكل. والثالث قمر “نيكس”، ويبلغ قطره 50 كم، ويدور بطريقة غريبة وغير مفهومة، والرابع “كيربيراس”، والخامس “هايدرا”، ويدور بسرعة كبيرة دون سبب معروف.

على صغره، فإن بلوتو يمتلك خمسة أقمار تدور حوله

يظن العلماء أن بلوتو ربما تعرض لاصطدام ضخم مع جرم آخر كبير، نتج عنه تحطم بلوتو إلى شظايا صغيرة، تجمعت فيما بعد لتشكل نظام بلوتو الحالي بأقماره الخمسة. كان المسبار يحمل مطيافا للتحليل الكيميائي، وقد كشف أن معظم سطح بلوتو يكسوه جليد نيتروجيني، وأن كميات هائلة منه تملأ حفرة ضخمة على سطح بلوتو قطرها ألف كم، وأطلق عليها اسم “قلب بلوتو”.

والمستغرب لدى العلماء أن سطح هذه الحفرة ناعم تماما، ولا توجد فيه الحفر التي اعتادوا على رؤيتها في الكواكب الأخرى، ويعزونها إلى اصطدام الأجرام والكويكبات بهذه الكواكب عبر الزمن السحيق، والفرضية المعقولة أن عملية تغطية هذه الحفرة العظيمة جارية باستمرار على قدم وساق، فيبدو أن قلب بلوتو ينبض بالحياة.

براكين الجليد.. آثار النشاط الإشعاعي في أعماق الكوكب

هنالك أنماط غريبة تشكلت على سطح الكوكب توحي أن حرارة ما من الداخل هي المسؤولة عنها، وهنالك مواد تطفو على السطح بفعل تيارات الحمل الحراري، فمن أين تأتي هذه الحرارة في ذلك العالم الصلب المتجمد؟

معظم الطاقة الحرارية في الأرض تنتج من النشاط الإشعاعي لبعض الصخور، وهي التي تستخرج منها المواد المشعة التي تقوم بتشغيل المحطات النووية، أما في باطن بلوتو فهناك طاقة نووية تكفي لإنتاج 44 تريليون واط بصورة متواصلة. وبفضل صور “هورايزنز” أمكن مشاهدة جبال بارتفاع 5 كم فوق سطح بلوتو، مما يعني أن هنالك نشاطا إشعاعيا في باطنه.

حتى براكين بلوتو فإنها مكونة أيضا من الجليد

المحير أن إحدى الصور أظهرت وجود حفرة ضخمة يعادل عمقها ارتفاع الجبل الذي بجانبها، والتفسير الأنسب لهذه الحفرة هو ثوران بركان هائل في تلك المنطقة، لكن الفرضية مستبعدة لعدم وجود حمم بركانية على سطح بلوتو. إذن هل هو بركان جليدي؟

ولكن كيف يمكن أن تتدفق حمم جليدية في عالم تبلغ درجة حرارته 230 درجة تحت الصفر؟ إذ لا يمكن بحال أن تتدفق مياه سائلة في مثل تلك الأجواء، ولا يمكن كذلك عقد مقارنة بين الحمم البركانية على الأرض والحمم الجليدية على سطح بلوتو.

لقد اكتشف المطياف المحمول على متن المسبار وجود الأمونيا على سطح بلوتو، وهي المسؤولة عن خفض حرارة انصهار الماء، بحدود تصل إلى 100 درجة عن الحد الطبيعي، وهذا ما يرجح لدى العلماء استمرار تدفق الحمم الجليدية لمسافة على سطح بلوتو قبل أن تتجمد كليا.

لكن اندفاع الماء من داخل بلوتو يقتضي وجود حرارة في باطن بلوتو، فما مصدرها؟ يمكن أن يعزى ذلك إلى نوع من الثلج يدعى “هيدرات الغاز”، له قوام الثلج وله برودة شديدة، ولكن تصدر منه غازات قابلة للاشتعال، وتحديدا غاز الميثان.

هيدرات الغاز.. دلائل وجود الماء السائل وغاز النيتروجين

توجد هيدرات الغاز على الأرض في أماكن محدودة جدا مثل القطبين، حيث تكون درجات الحرارة منخفضة جدا، وفي بلوتو هنالك أماكن تتوفر على نفس الشروط التي تحتاجها هيدرات الغاز على الأرض، ويعتقد العلماء أنها تشكل حاجزا حراريا بين سطح بلوتو البارد جدا وباطنه الدافئ.

إن هذا النشاط الذي يوحي بوجود الماء السائل، يجعل العلماء يفكرون فيما هو مستبعد أو مستحيل، وهو وجود حياة على سطح بلوتو، على اعتبار أن وجود الماء على الأرض يقترن بوجود الحياة، ولكن هنالك متطلبات أخرى معقدة من المركبات الكيميائية، فهل يمكن توفرها على بلوتو؟

الهيدرات، جليد مخلوط بالميثان يشتعل رغم ان درجة حرارته دون الصفر بكثير

كشف المطياف كذلك في صورة مبهرة لبلوتو من جانبه المظلم، أن غلافه الجوي يتكون غالبه من غاز النيتروجين مثل الأرض تماما، وفي أثناء ابتعاد المسبار عن بلوتو التقطت كاميراته بعيدة المدى واحدة من أهم صور بلوتو، إن لم تكن أهمها على الإطلاق.

أظهرت الصور وجود طبقات منتظمة في سديم بلوتو الجوي، يفصل بين كل طبقة وأخرى مسافة 20 كيلومترا، ويرتفع السديم لأكثر من 200 كيلومتر، فما سبب هذه الطبقات؟

يعزو العلماء السبب إلى وصول أشعة الشمس لذلك السديم، ولكن هذا يعني شيئا أعمق، وهو أن هذا السديم ليس متجانسا، أي أنه لم يتشكل من عنصر واحد وهو النيتروجين فحسب، مع وجود كميات ضئيلة من الميثان وأول أوكسيد الكربون.

وجود المواد العضوية.. مفتاح الآخرة يعود إلى الحياة

يحاول العلماء اليوم محاكاة الغلاف الجوي لبلوتو على الأرض، فالأشعة فوق البنفسجية تحلل الغازات المحيطة بسطح الكوكب ثم تعيد تشكيلها من جزيئات أكبر، تترتب في طبقات حسب ثقلها، ومقدار جذب الكوكب لها، وبعضها يتساقط على سطح الكوكب على شكل حبات غبار متفاوتة الألوان، مما يعطي للسطح ألوانه الجميلة من درجات البني إلى درجات الأحمر.

لاحظ العلماء أن المناطق الأكثر تعرضا للشمس من سطح بلوتو تميل ألوانها إلى الاحمرار، ولدى محاولة محاكاة النشاط الكيميائي الذي يحدث على سطح بلوتو، تبين للعلماء تشكُّل ما يسمى بطلائع الجزيئات أو القواعد النووية، وهي المكونات الأساسية للأحماض النووية DNA – RNA، وهما الأساس في كل أشكال الحياة على الأرض.

لقد أوضحت الصور التي التقطها “هورايزنز” أن الألوان على سطح بلوتو ناتجة عن مواد عضوية سقطت من السماء، والمواد العضوية مع وجود الماء السائل هي بيئة خصبة لإمكانية وجود حياة أولية، قد لا تكون على سطحه مباشرة، وإنما في الطبقات الداخلية للكوكب.

عالمان كوكبيان يقفان أمام صورة الجانب المظلم لبلوتو والتي تظهر غلافه الجوي الأزرق

لم يكن أكثر المتفائلين يتصور إمكانية وجود عناصر الحياة الأولية على كوكب بلوتو، ولكن بفضل الصور التي التقطها مسبار “هورايزنز” بات هذا الاحتمال واردا.

كانت تصورات العلماء والفلكيين أن بلوتو كيان بارد مهمل، ولكن الواقع أن هذا الكوكب أكثر تعقيدا وغموضا مما قد يتصور البعض، جبال منحوتة من الجليد تضاهي أكثر المناظر إدهاشا على الأرض، وبركان متجمد لا نظير له في النظام الشمسي، ونهر جليدي متماوج من النيتروجين يحير عقول العلماء، ويوحي بإمكانية الحياة خارج نطاق الأرض.

كان بلوتو عند الرومان مفتاح الحياة الآخرة، ولكن بعد “نيوهورايزنز” يمكن أن يكون بلوتو حارس أبواب الحياة الدنيا نفسها، لقد عاد بلوتو إلى الحياة من جديد.