“جمال العراق الخفي”.. مسيرة مُصوّر عراقي التقط أيام العراق الجميلة

لا ريب أن كل من يبحث على شبكة الإنترنت عن صور قديمة عن العراق سيتعثر بصوره التي أضحت أيقونية. إنه المصور العراقي الفوتوغرافي لطيف العاني الذي حفظ زمنا وشخصيات عراقية من النسيان، وهو ما لم يفعله أي مصور قبله أو بعده، رغم أنه توقف عن التصوير في شرخ شبابه، وبعد أن دخل العراق في نفق العنف والدمار الذي لم يخرج منها حتى اليوم.

ولعل المفاجأة الأولى التي يحملها الفيلم الوثائقي “جمال العراق الخفي” (The Invisible Beauty Of Iraq) للمخرجين العراقي الكردي سهيم عمر خليفة، والبلجيكي “يورغن بوديت”؛ هي أنه أعلمنا بأن لطيف العاني ما زال حيا، وهو الذي اختفت أخباره تماما منذ عقود، وربما ظن كثيرون بأنه لم يعد في عالمنا هذا، فالرجل بدأ التصوير في عام 1953، أي صارت تفصلنا 70 عاما عن انطلاق مسيرته المهنية المهيبة، والتي ستتعثر سريعا بالأحداث والتحولات السياسة العنيفة.

يبتكر المخرجان وسيلة مبدعة للحديث عن مسيرة المصور العراقي عبر السفر معه من شمال العراق إلى جنوبه، في محاكاة للرحلات التي كان يأخذها في شبابه لتصوير العراق والعراقيين، وأثمرت عن مجموعة من أجمل الصور الفوتوغرافية للعراق في القرن العشرين.

“لم يبق من العمر الكثير حتى يكون الإنسان سعيدا”

يسأل المخرج بطله لطيف العاني “هل أنت سعيد؟”، بعد أن تلقى مكالمة هاتفية من الولايات المتحدة الأمريكية تخبره أنه سيحصل على واحدة من أرفع الجوائز هناك في مجال التصوير الفوتوغرافي، فيرد قائلا: لم يبق من العمر الكثير حتى يكون الإنسان سعيدا.

وقد اكتُشف منجزه الفني قبل عقدين من الزمان، بعد أن غاب سنين طويلة في النسيان، فتُوّجت سنواته الأخيرة بالإنجازات والجوائز العالمية، ومعارض فنية كبيرة في مدن غربية، بيد أنه بقي بعيدا عن الاهتمام الإعلامي الرسمي في العراق نفسه.

وقبل أن يبدأ الفيلم برحلته الطويلة بالسيارة الكلاسيكية التي يعود تاريخ صناعتها إلى الستينيات من القرن الماضي، سترافق كاميرا الفيلم لطيف العاني وهو يتجول في مدينته بغداد، يعاين بحزن واضح حالها اليوم.

“لا يوجد جمال في بغداد”.. ذكريات الحقب الجميلة

يتحدث العاني بصوت ضعيف، فيما كان ينقل خطواته البطيئة في أحد شوارع بغداد، ثم يقول: لا يوجد جمال في بغداد، القبح في كل مكان.

ولعل الجولة التي سجلها الفيلم له في بغداد تُعد من المرات القليلة التي يخرج فيها العاني من بيته، حيث يعيش، وحيث ما زال يعمل أحيانا في غرفة تحميض الصور التي يجري العمل فيها بنفس تقنيات الماضي.

في ظلام معمله البيتي الصغير كان العاني يستعيد بهاء الصور الفوتوغرافية التي التقطها في شبابه، وبالخصوص قبل بدء ثورات العراق التي أذنت بنهاية ما يعتبر الآن أفضل فترات تاريخ العراق الحديث، وهو الأمر الذي ما ينفك العاني نفسه على تأكيده عبر زمن هذا الفيلم الوثائقي.

“هذه صورتي”.. معرض فني في عصر الملكية

تجسد صالة سينما غرناطة المهجورة وشبه المدمرة في بغداد حال الثقافة العراقية والعراق بشكل عام، بيد أن هذا لن يمنع الفيلم من إعادة الحياة لها على الأقل لساعات معدودات، فسوف تدور آلاتها فتعرض أفلاما أرشيفية قديمة من قبل الثورات العراقية في عام 1958.

لطيف العاني في صالة سينما غرناطة المهجورة وشبه المدمرة في بغداد

يتحدث أحد الأفلام الأرشيفية المعروضة عن مشاريع عملاقة نفذت أو كان يُعد لها في العهد الملكي العراقي، وهناك فيلم أرشيفي شديد الندرة عن معرض للمصور لطيف العاني نفسه، فقد جلس العاني يتفرج مندهشا على صوره في شبابه عندما كان يُحتفى به لعمله الذي أثار حينها الكثير من الإعجاب، وخُصص له معرض لوحده رغم عمره الفتي.

يشير العاني بحماس لصورة جميلة للملك العراقي فيصل الثاني، يظهر فيها ببدلة بيضاء أضافت وقارا إضافيا على عمره الذي لم يكن يتجاوز 16 عاما، ثم يقول: “هذه صورتي”، ويكمل حديثه بحزن وهو يتذكر مقتل الملك الشاب المأساوي على أيدي الثوار في عام 1958، ويقول: “كان بشعا قتله بتلك الطريقة”.

“العراق الجديد”.. بداية مهنية في الدعاية للوطن

اللافت أن مسيرة لطيف العاني المهنية بدأت في مجلة مصورة يحمل اسمها دلالة تكتسب اليوم حزنا مضاعفا، فقد اشتغل في مجلة “العراق الجديد” في بداية عقد الخمسينيات، وكانت مهمة المصور تصوير العراق والعراقيين بصور أُريد لها أن تكون جميلة ودعائية.

ينقل العاني أن المجلة العراقية الرسمية كانت ترسل بعض صورها إلى سفارات الدول الغربية في بغداد حينها، لكي تقوم السفارات بنقلها إلى دولها، ولتنشرها في قنوات متعددة للدعاية للعراق والسياحة فيه حينها.

واحدة من الصور التي التقطها المصور لطيف العاني لملوك ورؤساء عراقيين خلال زيارتهم إلى فرنسا

وقد عمل العاني مصورا رسميا أيضا في شركة “آي بي سي” (Ipc) البريطانية النفطية، وسيسجل الفيلم كيف كان يكتب على آلة طباعة قديمة رسالةً إلى مركز الشركة في لندن، يُطالب فيها بأرشيفه المصور الذي صوّره أثناء عمله معها.

“الجمال هو البساطة والذوق والحياة”

يبحث الفيلم الوثائقي في كردستان العراق عن خلفيات تاريخية واجتماعية لبعض الصور الأيقونية للعاني، ومنها صورة شهيرة لعراقيين يلبسون لباسا خاصا، ويطيلون شعرهم الذي ينظمونه بضفائر.

يتحدث رجل عراقي مسن كان برفقة المخرج إليه، والذي كان برفقة المخرج. إنهم من فقراء القومية العراقية الذين سيتصدرون الأخبار عند صعود داعش قبل أعوام، إذ قام التنظيم الإرهابي بقتل آلاف منهم وسبي نسائهم. أما صورة المرأة الكردية التي صورها المخرج بلقطة مقربة كثيرا، فهي أيضا تنتمي إلى الريف الكردي المهمش، حيث كان المهمشون لهم حصة دائمة في صور لطيف العاني.

يشير العاني من نافذة السيارة إلى البنايات العالية في مدينة أربيل العراقية، ثم يقول: هذا ليس جمالا، الجمال هو البساطة والذوق والحياة، وهذا ليس موجودا هنا.

فتاة الموصل.. صورة تتنبأ بمستقبل المدينة المنكوب

يسير لطيف العاني بخطواته البطيئة في شوارع مدمرة بالكامل في مدينة الموصل العراقية، فقد غاب أكثر من أربعين سنة عن الموصل التي يُحب، وكان يظن أنه لن يراها أبدا في حياته، بعدما سمع عن الدمار الذي أصاب المدينة بعد تحريرها من داعش.

لطيف العاني مع مخرج الفيلم في شوارع الموصل

يضع المخرج شاشة عرض على أحد الجدران المهدمة، ويعرض صورا للعاني صوّرها من الموصل، منها واحدة شديدة الجمال لامرأة من ريف الموصل. كانت الفتاة العراقية في الصورة تنظر بنظرة غامضة يشوبها القلق إلى الكاميرا، وكأن الصورة التي صُوِّرت منذ أكثر من ستين عاما تتنبأ بالذي سيحصل يوما للمدينة العراقية الخاصة بتقاليدها وجغرافيتها.

“الجميع في هذه الصورة ماتوا”.. ذكريات بغداد

يصيب الوجوم والحزن الكبير لطيف العاني وهو يُقلّب صورا عائلية له التقطها بنفسه، وتظهر في الصور زوجته الشابة حينها وهي تحمل طفلها الصغير.

يحدثنا العاني المخرج بلهجة خافتة قائلا: لقد ماتت زوجتي بسبب السرطان الذي تعذبت بسببه كثيرا. أما المأساة الشخصية فهي لا تتوقف عند موت الزوجة، بل إنها وصلت لواحد من أبناء المصور، فمات بعمر مبكر، من دون أن يكشف العاني أو الفيلم سبب أو ظروف وفاة الابن.

تصور الكاميرا لثوان طويلة وجه العاني وهو يغوص في حزنه العائلي الخاص، بينما كان الفيلم ينتقل دوريا إلى صور عائلية جميلة صورها العاني بنفسه لعائلته في وقت بدا شديد البعد عن الزمن الحالي.

وكان المخرج قد اقترح أن يذهب مع العاني إلى موقع لواحدة من الصور الشهيرة له في إحدى حدائق بغداد، حيث لم يبق من الحديقة شيء، وسيكشف العاني بلهجة حزينة أن الصورة كانت لعائلته، حيث قال: هذه أمي وهذه زوجتي، الجميع في هذه الصورة ماتوا، عدا هذه البنت الصغيرة في الصورة.

إلى الأهوار.. رحلة إلى جنة الله على أرضه

كانت الأهوار العراقية المحطة الختامية للرحلة الطويلة للفيلم، إذ يملك العاني ذكريات حميمية كثيرا في الأهوار التي أحب أهلها كثيرا، وما زال يتذكر طيبتهم وكرمهم وأسلوب حياتهم الخاص.

لطيف العاني في زيارته إلى الأهوار العراقية التي وُصفت قديما بأنها جنة الله على الأرض

وكحال مدينة الموصل لم يزر العاني منطقة الأهوار لعقود طويلة، وسيترك روحه لتستمع بجمال المكان الذي وُصف قديما بأنه جنة الله على الأرض.

تُصور الكاميرا العاني ينظر بشغف من القارب الذي كان ينقله للطبيعة من حوله، وفي منطقة الأهوار سيلتقط العاني مجموعة من صوره الأخيرة، إذ سيختار أطفالا من الأهوار ويلتقط لهم صورا قبل أن يكشف بحزن بأن شريط الصور الذي يستخدمه في كاميراته القديمة قد نفذ.

حرائق الثورة.. صورة تختزل التاريخ العراقي

استعاد لطيف العاني كثيرا العهد الملكي في العراق، ليس لأنه العهد الذي شهد أكثرَ محطات المصور العراقي إنتاجا وإبداعا، لكنه أيضا العهد الأخير قبل سقوط العراق في دوامة العنف التي شهد عليها العاني نفسه.

يستعيد الوثائقي مشاهد أرشيفية من تدمير ونهب وزارات عراقية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، ويكشف بأن هناك أكثر من ربع مليون شريط سالب لصور نادرة احترقت في تلك الحرب.

لطيف العاني يتجول وهو حزين على خراب العراق

ومن الصور الشديدة الدلالة صورة تلخص تاريخ العراق كله تلك للعاني، وقد صورها من داخل بناية السفارة البريطانية في العراق في الأيام الأولى لثورة 1958. وفي تلك الصورة الشهيرة كانت أعمدة الدخان تتصاعد من بنايات بعيدة في بغداد، بينما يفصل نهر دجلة بين الدمار وموقع تصوير الكاميرا.

تختزل تلك الصورة التاريخ العراقي في القرن العشرين، ويبدو قريب الشبه بأعمدة الدخان، إذ ما يخمد حريق ما في العراق، حتى يشتعل حريق جديد في دورة سرمدية للألم.

لطيف العاني.. اكتشاف متأخر للمصور المهموم

كشف العاني في معرض له في مدينة دبي الإماراتية بأنه يتمنى أن تُعرض صوره في معرض كبير في العاصمة الفرنسية باريس التي تحتل مكانة لا تنازعها مدينة أخرى في عالم التصوير الفوتوغرافي.

سيموت العاني بعد أيام من إقامة معرضه الباريسي في عام 2019، وبعد سنوات من حصوله على جوائز رفيعة، منها واحدة في هولندا، لكنه لا يبدو مهتما بالجوائز، فقد اكتُشف متأخرا ووصل للشهرة العالمية بعد أن تجاوز السبعينيات من العمر.

لقد بدا مثل كثير من العراقيين الذين يحبون وطنهم، حزينا لدرجة لا يفهمها إلا العراقيين، وهو الحزن الذي يظهر جليا في أغانيهم وفنهم.