“المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري”.. كتاب يسعى لصقل لآلئ الفكر العربي

“إن الثقافة، ثقافة الأقدمين أو المعاصرين هي طرائق عيش، فإذا كان عند أسلافنا طريقة تفيدنا في معاشنا الراهن أخذناها، وكان ذلك هو الجانب الذي نحييه من التراث، وأما ما لا ينفع نفعا علميا تطبيقيا فهو الذي نتركه غير آسفين”.

كان هذا مقتطفا من كتاب “المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري”، للدكتور زكي نجيب محمود، ذلك الكتاب الذي كان مدار حوار وجدل على مدى العقود الأربعة الماضية، وأصبح موضوع حلقة من برنامج “خارج النص”، وقد استضافت له قناة الجزيرة الفضائية مجموعة من النقاد والباحثين لإلقاء الضوء على مضامين الكتاب.

“التخلي عن التراث هو انتحار حضاري”.. تقلبات الفكر

حمل انفتاح الشرق على أوروبا في القرن الـ19 كثيرا من الأسئلة السياسية والاجتماعية والثقافية، وكان أحد أهم هذه الأسئلة حول الموقف من التراث العربي، ونشأ السؤال في أغلب الأحيان للبحث عن سبيل للحاق بحضارة بدت زاهية في عيون العرب آنذاك، وقد تعددت المحاولات للبحث عن حل لهذه المعادلة، منذ عهد البعثات الأولى إلى فرنسا في زمن محمد علي باشا وإلى اليوم.

الدكتور زكي نجيب محمود فيلسوف مصري معاصر ولد في 1905

هناك في المكتبة العامة بالمبنى الرئيسي لجامعة لندن، وفي العام 1946 تحديدا، لمعت الفكرة في ذهن الباحث المصري زكي نجيب محمود، لتشتعل شرارة بحث ظلت متوقدة لأكثر من أربعة عقود تالية، توَّجها بكتابه “المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري”.

الدكتور زكي نجيب محمود هو فيلسوف مصري معاصر، ولد في 1905، وساهم كثيرا بالترجمة والكتابة في الحياة الثقافية، ثم ذهب لكتابة رسالة دكتوراه في جامعة لندن سنة 1942 وكانت عن فكرة الجبر الذاتي. ويتميز بأنه لا ينتسب إلى المدرسة القارية، وإنما إلى المدرسة السكسونية، فهو ينظر إلى الثقافة بمنظار مختلف كليا عن النظرة الفرنسية السائدة منذ عهد محمد علي.

قد يظهر للبعض أن هنالك انقلابا حصل في فكر زكي نجيب، فعندما ذهب إلى لندن ليدرس الفلسفة تبنّى المنهج الوضعي بشكل رئيسي، ودعم الفكر (العلموي) في كتاباته، أمّا أنه صار ينزع إلى الفكرة التراثية في كتاباته الأخيرة، فمن أجل أن يجد في التراث ما يوافق رؤيته الحداثية فقط. على أنه يسجل له في سنين حياته الأخيرة أنه أطلق مقولته المشهورة: “التخلي عن التراث هو انتحار حضاري”.

“آثرت لنفسي أن أحتفظ بعصري وثقافتي”

“وقد أردتُ بهذا الكتاب الذي بين يديك أن أقف مع الأسلاف في نظراتهم العقلية وفي شطحاتهم اللاعقلية كليهما، فأقف معهم عند لقطات التقطتها من حياتهم الثقافية لأرى من أي نوع كانت مشكلاتهم الفكرية؟ وكيف التمسوا لها الحلول؟ لكنني إذ فعلت ذلك، لم أكن أحاول أن أعاصرهم وأتقمص أرواحهم لأرى بعيونهم وأحس بقلوبهم، بل آثرت لنفسي أن أحتفظ بعصري وثقافتي، ثم أستمع إليهم كأنني الزائر جلس صامتا لينصت إلى ما يدور حوله من نقاش، ثم يدلي فيه بعد ذلك لنفسه ولمعاصريه برأي يقبل به هذا ويرفض ذاك”.

أراد زكي نجيب من هذا الكتاب أن يكون توأما لكتابه الآخر “تجديد الفكر العربي”، والغرض من الكتابين هو إعادة الكرّة في غزوته السابقة من خلال كتابه “خرافة الميتافيزيقيا”، ومحاولةٌ لإعادة التقريب بين التراث القديم، واستنباط المعقول منه بما يتناسب مع الفلسفة الحديثة.

مؤلفات كثيرة وضعها الكاتب زكي نجيب محمود

لكنْ يؤخذ على البحث أنه جاء بأفكار مسبقة، أخذ جزءا منها من “برتراند راسل” ونظرته في التفريق بين المنطق والتصوف، فكان يرى أن المنطق به حركة استدلالية، فهنالك أسباب ومقدمات تخلص إلى نتيجة، أما في حالة التصوف فلا توجد حركة، بل نوعٌ من السكون، أو فيض علميّ ينزل بدون أسباب.

كان الدكتور زكي نجيب يحاول في آخر فترات حياته أن يثبت فكرة انتمائه للتراث، ولكن بمرجعية عقلية أوروبية، وكان يتبنى القول الدارج “الفلسفة العربية هي مجرد فلسفة إغريقية بحروف عربية”، فهو إنما يدرس التراث فقط ليبحث عن سند يؤيد ما يراه من نظرٍ علمي. ويبحث في الفلسفة العربية الإسلامية عن ما يوافق منهجه العلمي الأوروبي.

تهميش الماورائيات.. نظرة في السحر والتنجيم والتصوف

“إن أصحاب اللاعقل في تراثنا وأتباعهم، ثم أتباع أتباعهم الذين لا يزالون يملؤون رحاب الأرض، إنما ينظرون إلى الطبيعة وتصاريفها نظرة الساحر لا نظرة العالم، فما السحر؟ هو محاولة استحداث النتائج عن غير أسبابها، فإذا كان نزول المطر نتيجة لعوامل مناخية معينة، يحاولون هم أن يستنزلوه بقراءة التعازيم من كلم يظنون به القدرة على فعل ما يريدون”.

ينزع زكي نجيب إلى تهميش الميتافيزيقيا والماورائيات، وهو في هذا متسق مع المنطقية الوضعية، ولكنه لم يجارِ مدى هذه الوضعية الذي يصل إلى الإلحاد، فبقي الدكتور ابن بيئته العربية الإسلامية، ولم ينجرّ وراء العقل المطلق الذي يفضي إلى الإلحاد.

كان زكي نجيب يرى في التصوف حالة بلا حركة وفيضا علميّا ينزل بدون أسباب

وهو يرى إلى حد كبير أن الإسلام دين عقلاني، ويحض على النظر والتدبر واستخدام العقل، وهو عندما يقسم كتابه إلى فصول يستخدم الآية القرآنية في سورة النور ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..﴾، فتأتي فصول الكتاب على قدر مراحل النور في الآية، وعندما يتحدث عن اللامعقول، فإنما يتحدث عن السحر والتنجيم والجانب اللاعقلاني في التصوف.

وهو لا يشكك في جميع المشاهدات الصوفية، وإنما يعتبرها حالات فردية، ولها تبريرها من جانب علماء النفس، لكنه يرى أنها لا يجب أن تعمم ولا أن تخرج إلى العامة على أنها طريق يجب اتباعه، فتلك كانت الطامة التي حدثت في العالم العربي، على حد تعبيره.

مزيج العلم والتصوف.. تراث ممزق بين الإبطال والاعتناق

مع صدور الكتاب واجه طرحُه نقدا واسعا من التيارات الثقافية آنذاك، فالذين يرون التخلي التام عن التراث ساءتهم محاولاته للإبقاء على جزء منه، والذين يرون ضرورة الالتزام بالتراث كما هو اعتبروا المحاولة خطوة مراوِغة في سبيل إبطال كامل التراث، وهذا ما عابه عليه “الطرابيشي” مثلا في نقده، فهو يرى أن الانتخاب من التراث يؤدي في النهاية إلى نبذ كامل التراث.

والحقيقة كما يرى معظم النقاد، هي أنه لا فكاك من التراث، فالدين مرتبط ارتباطا وثيقا بالتراث، على أنه يجب التسليم بأنْ ليس كل التراث معصوما، والدين في النهاية ليس خرافة، إنما مقاصد تُحتذى لتصلح بها الحياة، وفي هذا فإن الدكتور زكي نجيب أراد في بحثه أن يميز بين تدين الفقيه ورجل الحديث، وبين تدين المتصوف والفيلسوف.

لعل أعظم الناس هم أولئك الذين اجتمعت لهم عناصر المعرفة العقلية وعناصر الإدراك الصوفي في آن معا

“لقد سار الإنسان في محاولته أن يتصور العالَم من حيث هو كُلا واحدا، مدفوعا بدافعين مختلفين كل الاختلاف، وقد يتلاقى هذان الدافعان معا في إنسان واحد وقد لا يتلاقيان، فأولهما هو الذي يحفز الإنسان إلى النظر إلى الوجود نظرة المتصوف، وأما الثاني فيحفزه إلى النظر بوسيلة العقل نظرة العلماء. ولقد استطاع نفر أن يبلغوا قمة العبقرية بالدافع الأول وحده، كما استطاع نفر آخر بلوغ تلك القمة بالدافع الثاني وحده، لكن لعل أعظمهم جميعا هم أولئك الذين اجتمعت لهم عناصر المعرفة العقلية وعناصر الإدراك الصوفي في آن معا”.

﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..﴾.. تصنيفات القرون الأولى

الظاهر في أعمال زكي نجيب أنه يحاول الجمع بين النهج الصوفي والفكر التحليلي، وقد تتبّع في تبويب الكتاب أثر أبي حامد الغزالي في كتابه “مشكاة الأنوار”، فتأوّل الآية ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..﴾ من سورة النور، على وجهِ أن كل المفردات الموجودة في الآية هي مراحل من الوعي والإدراك، فأخذها زكي نجيب وطبّقها على القرون الخمسة الأولى من عصر الإسلام.

فأما “المشكاة” فهي ترمز للقرن الأول، والقرارات التي أخذت في هذه الفترة كانت دون تفكير، وبدون تقعيد للقواعد. ثم تليها فترة “المصباح”، وهنا بدأ وضع القواعد، واكتشف المسلمون العالم الآخر، وهناك أثيرت قضايا مهمة مثل تلك التي أثارها المعتزلة عن الصفات والكبائر وغيرها.

تأوّل زكي نجيب في تبويب كتابه “المعقول واللامعقول” آية ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..﴾

ثم جاء القرن الرابع الذي رمز له بـ”الكوكب الدرّي”، وهنا ازداد الضوء قوة، فانتقل المسلمون من مرحلة العلم إلى مرحلة فلسفة العلم، وظهرت الأسماء العظمى في تاريخ الإسلام. وفي مرحلة “الشجرة المباركة” دخل المسلمون عصر الانطلاق والإبداع الحضاري.

لكنه توقف عند القرن الخامس، أي مرحلة الغزالي، ولم يجاوزها إلى السادس حيث الشهروردي، ولم يذكر السابع والإبداعات الرياضية والفلكية فيه، ولم يتكلم عن الثامن حيث الإبداعات الفلسفية والاجتماعية، أي ابن خلدون وابن تيمية، وهؤلاء جميعا يمثلون ثورة أكثر تقدمية حتى من الحداثة الغربية. وعليه يمكن اعتبار هذا التقسيم أوليا أو تعليميا، وليس نهائيا جامعا.

مواطن الإبداع في العقل الإسلامي.. أنوار أهملها الكتاب

“لقيت الثقافة اليونانية عند نقلها إلى العرب أفكارا تُبايِن أشدَّ التباين الأفكارَ التي كانت تحملها تلك الثقافة اليونانية المنقولة، ونستطيع القول إنها عندما نُقِلت عن طريق العرب إلى أوروبا لم تجد أمامها فكرا يعارضها ويباينها، بل وجدت أناسا هم من جنس الناس الذين كانوا مبتكري تلك الثقافة اليونانية الأولى وخالقيها”.

ومن نقاط الضعف في الكتاب حديثه عن عصر الترجمة في بغداد، خاصة أنه تبنى رؤية المستشرق الألماني “كارل هنريش بيكر” ذي النزعة العنصرية، وهي أن ترجمة التراث اليوناني لم يؤثر في العرب لأنهم ذوو طبيعة وتكوين مختلفين عن هذا التراث، لكنه عندما وصل إلى الأوروبيين أثّر فيهم وأنتج.

لم يلتفت زكي نجيب إلى مواطن الإبداع الحقيقية في العقل العربي الإسلامي، فهو يشيد بابن خلدون وابن رشد، وهذان -على مكانتهما- يعتبران من هوامش التراث العربي الإسلامي، أما العمق فتجده عند الجرجاني والشاطبي والباقلاني والشافعي والأشعري. فابن رشد مثلا قد تلقف الفلسفة اليونانية بلون مشرقي، وجرّدها من كل رداء إسلامي، وسلمها إلى الأوروبيين.

رسالة الكتاب.. فقه الموازنة بين الأصالة والمعاصرة

جاء الكتاب ليأخذنا مؤلفه في رحلة عبر التراث العربي، وأراد من خلاله البحث عن ما يصلح من تراثنا لواقعنا اليوم، لئلا نكون مقطوعي الصلة عن تراثنا، وأن لا ترهقنا سنين من التراث امتلأت بالكثير مما لم يعد معقولا اليوم.

وكانت الرسالة التي أراد إيصالها لنا أن التاريخ له ما له وعليه ما عليه، ويجب أن نأخذه كله بما فيه، فالغزالي العبقري هو نفسه الغزالي الذي كتب “تهافت الفلاسفة”، وبسببه تضاءلت مكانة الفلسفة على مدى القرون الثمانية التي تلت.

نعم، لقد أثّر زكي نجيب في الثقافة العربية على مدى سبعة عقود، فقد امتلأت اللغة العربية المعاصرة بمفردات الفلسفة والمنطق، وهذا لم يكن قبل زكي نجيب ومعاصريه من المثقفين العرب. ونربأ به أن تكون بوصلته قد انحرفت عن التراث، ولكنه قد يكون جانَبه الصواب أحيانا، من حيث أراد تصفية هذا التراث من شوائب اللامعقولات.