“الإقليم”.. صراع السكان ضد المستوطنين الذين يخنقون رئة العالم

ينفتح الفيلم الوثائقي “الإقليم” أو “غابة الأمازون، أرضنا” (The Territory) الذي أنتج عام 2022 على أصوات المناشير الكهربائية التي تقطع الأشجار العملاقة والآلات التي تجرف المساحات الشاسعة من غابات الأمازون، لكن دلالة الحدث أبعد ما تكون عن مدح شجاعة الإنسان ومواجهته لجبروت الطبيعة واستصلاح للأراضي كما يوحي فيلم “رجل من آران” لـ”فلاهرتي” رائد السينما الوثائقية مثلا.

هذا التشويش السمعي والبصري مؤشر على تدمير ممنهج تواجهه الغابات المطيرة في زمن الاحتباس الحراري وارتفاع حرارة الأرض، وعبره يضعنا المخرج “أليكس بريتز” مباشرة في إشكالية الفيلم الذي صُوّر في الفترة الممتدّة بين 2018-2020. ومدارها على صراع السكان الأصليين مع غزاة يتعدون على محميتهم بالغابات المطيرة، فيحرقون الأشجار ويستولون على أراضيهم لاستغلالها في أعمال الفلاحة.

مقاومة المستوطنين.. ثقافة أمازونية تواجه خطر الإبادة

لن تستطيع أن تمنع نفسك إن كنت من خلفية عربية أو صاحب همّ إنساني من أن تتذكر عربدة المستوطنين في الضفة الغربية تحت الحماية الأمنية الإسرائيلية، وستكتشف أن للبرازيل أيضا ثقافة تواجه الإبادة، ومحافظين غلاة تغذي السياسة الرسمية تطرفهم، وضحايا منكوبين هم السكان الأصليون لشعب “أورو أو واو واو”.

ولإبراز تفاني هؤلاء المستضعفين في الدفاع عن وجودهم والتمسك بثقافتهم، يتبع الفيلم مسار الزعيم الشاب “بيتاتاي” الذي يقاتل ضد المزارعين الغزاة، فيقود أفراد القبيلة، ويعمل على حماية إقليمهم من الهجمات الاستيطانية، وعلى التعريف بقضية أهله. ويجد الدعم من “نايدينها بانديرا” الناشطة في مجال البيئة وحقوق الإنسان، فتعمل كل ما في وسعها لتبليغ صوت الأهالي للصحفيين والسياسيين وللرأي العام الوطني والدولي خاصة.

شرطة القبيلة.. طائرات مسيرة ودوريات تحمي المنطقة

لا يخلو الدفاع عن أرض الإقليم وعن أسلوبها في الحياة من مخاطرة، فجرّاءه قُتل الزعيم الشاب “آري” منسق دوريات القبلية، فقد عثر على جثته بجانب الطريق في منتصف أحداث الفيلم، ولم يتوصل القضاء لحسم لغز وفاته حتى نهاية تصويره.

تواجه الحقوقية “نايدينها بانديرا” أيضا تهديدات مستمرة بالقتل أو بإلحاق الأذى بعائلتها، ولسد الفراغ الذي خلفه الزعيم المغدور، فقد تولى “بيتاتاي” قيادة الدوريات، وجلب معه أفكارا جديدة، فعلّمهم تقنيات استخدام تكنولوجيا الطائرات بدون طيار، لتأمين أمن المراقبين وتوثيق تدخل المستوطنين ومراقبة حدود المنطقة، وبات للقبيلة جهاز شرطتها الخاص الذي يعتقل المهاجمين ويدمر مبانيهم، ويحتجز الأدوات الخاصة بهم في ظل غياب الدولة وتراخيها عن حمايتهم.

“سيرجيو”.. حجج المستعمرين المزيفة لاحتلال الأرض

يمارس المستوطنون حيلهم للتهرب من اللوائح الدولية، فهم يغزون الإقليم عبر صغار مربي الماشية، ويبدو الأمر تلقائيا، فهؤلاء يسكنون على تخوم القبيلة، ولا غرابة في أن يتماسوا معها وأن يختلفوا حول ملكية الأرض، لكنهم يأخذون في الزحف والتوغل باستمرار، مخلفين مساحات شاسعة وراءهم ليستغلها كبار المربين، وليشتروا منهم منتجاتهم في مزارعهم الجديدة.

الزعيم الشاب “بيتاتاي” الذي يقاتل ضد المزارعين الغزاة

يستجوب المخرج هؤلاء المستوطنين ليعرض رأيهم، فيقابل “سيرجيو” البالغ من العمر 49 عاما ورمز حركة الغزو، فيقدّم له الخرائط حتى يثبت ملكيتهم للأرض، لكنها وفق الفيلم أوراق مزيفة اصطنعت لتبدو قديمة.

يتكلم “سيرجيو” عن هذا الحق، فيكشف عن مخلّفات للمركزية الأوروبية التي تحكم ذهنه وتوجه تصوراته، ويجسد الجشعَ الرأسمالي بصريا بينما يحمل خرائطه المرسومة يدويا للأرض التي يريد بيعها، ويذكرنا بالمبررات الأولى للمستولين على أراضي الهنود عند اكتشاف العالم الجديد في القرنين الخامس والسادس عشر، فقد كانوا يبررون ما يفعلون بأن العالم الجديد أرض غفل وثروات تُهدر، بسبب انحطاط العرق الذي يقيم عليها وعجزه عن استثمارها.

حقوق السكان الأصليين.. بيروقراطية ثقيلة تعطل تطبيق الدستور

رغم أن الدستور البرازيلي صادق على حقوق السكان الأصليين في ملكية الأراضي التي يقيمون فيها، فقد أنشأ “سيرجيو” جمعية تستهدف انتزاع هذه الأراضي، مستعينا بشعارات جذابة وعناوين تنموية، ووجد الدعم من هيئات محلية تجيز للبيض الحق في الاستيلاء على ما ليس لهم، وبهذا الخطاب يعيد الشعارات التي يرفعها اليمين البرازيلي، فيربط تقدم البلاد بالتخلص من الغابات المطيرة، ويجدها عائقا أمام الازدهار الفلاحي.

وتبدو مسؤولية الدولة فيما تواجهه الأقليات جسيمة، فبسبب البيروقراطيات الإدارية لم يعترف بعد بكون عدد من أقاليم ذات الوضع الشبيه بقبيلة “أورو أو واو واو” محميات رسمية، وما اعترف به لا يطبق فيه القانون على المخالفين.

هذا ما يشجّع الغزاة على التمادي في تجاوزاتهم، وبالقدر نفسه يحمّل السكان الأصليين المسؤولية إلى أوروبا وأمريكا، فليس استيلاء صغار المزارعين على الأراضي غير القطعة الصغيرة البارزة من جبل الجليد، فقانون السوق الذي يحكم الاقتصاد الرأسمالي يجعل تجارة اللحوم والجلود البرازيلية تزدهر وتربح معركة التنافس، ويشجع المربين هناك على المزيد من الاستيلاء على الأراضي لتربية المزيد من المواشي.

وبسبب جهل العالم الخارجي الباحث عن السلع البرازيلية بحقيقة ما يجري، كان الأهالي يتعاونون مع مخرج الفيلم لفضح ما يتعرضون له من الاستبداد. يقول أحد الأهالي: نحن ندرك أن المشترين الدوليين يفتقرون غالبا إلى الوعي الكامل بكيفية تأثير مشترياتهم على مناطق السكان الأصليين، فقد يجهلون أن اللحوم وفول الصويا يأتيان مباشرة من أراضينا التي نعتمد عليها لإعالة أنفسنا.

رئة الأرض.. حزام الزراعة يخنق الغابات المطيرة

تمثل رغبةُ بعض الأفراد في السيطرة على أراضي الغابات المطيرة الوجهَ الأول للصراع، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالوجه الأخطر من هذا الصراع هو أن الغزاة المدمرين للطبيعة محافظون ومدعومون من السلطات الرسمية، ومن الرئيس البرازيلي (حينها) “جايير بولسونارو”، وعملهم يتنزل ضمن خطط أكبر لا يمكن فك شفراتها دون البحث خارج شاشات العرض، ودون تنزيلها ضمن السياق السياسي محليا ودوليا.

الغزاة المدمرون للطبيعة وهم مدمرون للأرض ومدعومون من السلطات الرسمية

محليا ظهر حول غابات الأمازون ما بات يسمى اليوم بـ”الحزام الزراعي”، الأمر الذي جعل الفلاحة تتحول إلى المحرك الأساسي للاقتصاد في البرازيل، وفتح أسواق الصين أمام منتجاتها واسعة، ومنح العاملين فيها نفوذا وسلطانا.

هؤلاء مؤيدون للرئيس “بولسونارو”، وهم يرون في خطابه اليمني الحالم دولتَهم تبسط نفوذها على أسواق الغذاء العالمية، استجابة لتطلعاتهم نحو الثروة والهيمنة الاجتماعية، ويمثل كبارهم أعتى ممولي حملاته الانتخابية، فتذكر المصادر البرازيلية مثلا أن الملياردير “هوغو ريبيرو” الذي يبيع حوالي 40% من حبوب فول الصويا إلى الصين، من أكثر هؤلاء الداعمين سخاء.

أما على المستوى العالمي فيواجه هذا التيار صدّا من الدول الكبرى التي ترى في حرائق غابات الأمازون توسيعا لهذا الحزام الزراعي على حساب التوازنات البيئية، خاصة أن تلك المنطقة تعد رئة الأرض لدورها في امتصاص ثاني أوكسيد الكربون وتوفير الأوكسيجين.

وفي الآن نفسه تحمّل منظمة العفو الدولية المسؤولية عن هذه الحرائق للرئيس “جايير بولسونار”، فتلاحظ أنها ارتفعت في عهده بنسبة 80%، وأن نسبة 99% منها مفتعل، وتؤكد أن حكومته تتبنى سياسة كارثية متمثلة في فتح الغابات المطيرة للتدمير.

تلقيح العرق المنحط بنطفة متحضرة.. نظريات إفناء الهنود

كتاب “الجماعات المتخيّلة.. تأملات في أصل القومية وانتشارها” لـ”بندكت أندرسن” الذي ترجمه ثائر ديب وقدّم له عزمي بشارة؛ يتيح لنا فهمَ الأسباب البعيدة لهذا الصدام، فقد طُرح سؤال الطريقة الأنسب للتخلص من الهنود الحمر على غزاة العالم الجديد البيض.

وصاغ الكولمبي الليبرالي “بيدرو فيرمين دي فارغاس” في بداية القرن الـ19 تصوره للتخلص من هؤلاء “البرابرة” والهيمنة على أراضيهم، ويقول: لكي نتوسع في زراعتنا من الضروري أسبنة هنودنا، ذلك أن بلادتهم وغباوتهم وعدم مبالاتهم بالمساعي المعتادة؛ تدفع المرء لأن يحسب أنهم قد تحدروا من عرق منحط يزداد تدهورا كلما ابتعد عن أصله. إنه لمن المرغوب فيه كثيرا أن يفنى الهنود، عبر تزاوجهم مع البيض وإعفائهم من الخراج وسواه ومن الالتزامات وتمليكهم الأرض ملكية خاصة.

ويعلّق “بندكت أندرسن” على المقترح بقوله: إنه لمن المدهش أن هذا الليبرالي لا يزال يدعو إلى إفناء هنوده عن طريق “إعفائهم من الخراج”، و”تمليكهم الأرض ملكية خاصة”، بدلا من القضاء عليهم بالبنادق والجراثيم، على النحو الذي سرعان ما مارسه ورثته بالبرازيل والأرجنتين والولايات المتّحدة.

البرازيليون المستوطنون لأرض الأمازون

وليلاحظ ما يميّز “فيرمين” من “تفاؤل كوني” إلى جانب “قسوته المتعطّفة”، فالهندي قابل للإصلاح في النهاية بإلقاحه بنطفة بيضاء “متحضّرة” ومنحه ملكية خاصّة، مثل أي أحد آخر. لكن يبدو أن هذا “العرق الرفيع” لم يتخلص كليا من الهندي، فقد وجد في أدغال الأمازون حماية له قبل أن يفرض عليه الحزام الزراعي طوقا جديدا.

فكرة الربح الأقصى.. منطق رأسمالي يفتك بالمجتمعات الأصلية

يصر السكان الأصليون على المحافظة على أسلوب عيشهم ونسق حياتهم الهادئ الزاهد القنوع، وبالمقابل يتبنى الغزاة تصوّرا مختلفا للحياة، أساسُه مزيدٌ من العمل والإنتاج بحثا عن رفاهة تكلّفه مزيدا من العمل. وهكذا يستمر في الركض في الحلقة المفرغة إلى ما لا نهاية. إنه تصوّر مختلف للحياة لا تعنيه سلامة الطبيعة ولا التوازن البيئي، وإنما الهوس بفكرة الربح الأقصى، بحيث يكون المال هو القيمة الوحيدة الثابتة بعيدا عن حقوق الأقليات أو الاعتبارات الإنسانية.

وليس رد الرئيس البرازيلي الصارم على اقتراح الرئيس الفرنسي غير تجسيد لهذا التصور، فقد اقترح “مانويل ماكرون” مناقشة احتراق الغابات الأمازونية في اجتماع السبعة الكبار في تغريدته الشهيرة “بيتنا يحترق”، فأجاب “جايير بولسونار” بأن هذا الموقف ينمّ عن “عقلية استعمارية غير ملائمة في القرن الحادي والعشرين”، ثم تلته ملاسنات بين الرجلين.

ويبدو في موقفه شيء من الوجاهة، فهو يرفض أن تتحمل البرازيل عبء التلوث الصناعي في العالم بأسره، وتحرم من مقدراتها الطبيعية، في حين ترفض هذه الدول تقديم التنازلات الاقتصادية للحد من انبعاث الغازات الضارة، والحد من الاحتباس الحراري بالنتيجة. لكن ليس الأمر غير نصف الحقيقة، فالاقتصاديات الكبيرة جميعها ترفض أي إجراء عملي من شأنه أن يحد من إيقاعها لينقذ الأرض المختنقة.

أطفال الأمازون رئة العالم يلعبون بين المياه والخضرة

من هنا يضع الفيلم نسقين متضادين في حالة مواجهة؛ أولهما البداوة بما فيها من اطمئنان وسلام وحرية وبساطة وقيم روحية، والثاني العقلانية والحداثة بما يحملان من تطلع للرفاهة المادية غير المحدودة، وما تخلفان من الجشع وحب الذات، ومن ظلام الروح، رغم ما تدعيان من تنوير.

فضح المستوطنين.. كاميرا الفيلم تسد أحد ثغور المعركة

يخوض الفيلم في قضية شائكة يتداخل فيها الحقوقي بالبيئي والسياسي والاقتصادي، وهذا ما يمنحه عمقا خاصا، رغم كثرة الأصوات التي اتهمته بالمبالغة أو المغالطة والانخراط في سياق دعائي مناهض لسياسات المحافظين البرازيليين.

ومأتى طرافته الخاصة وجود مهمتين للكاميرا، مهمة كاميرا الزعيم الشاب “بيتاتاي” التي تتولى مراقبة أراضي السكان الأصليين، ومهمة كاميرا المخرج التي تنقل محنة السكان الأصليين للعالم.

وهذا ما أسهم في محاصرة جمعية “سيرجيو”، فقد خضعت للتحقيق بعد أن حظي فيلم “الإقليم” باهتمام وسائل الإعلام، وتراجع الساسة المحليون عن دعمها للحصول على التراخيص القانونية لمزاولة نشاطها.

لكن مأساة غابة الأمازون لا تتعلق بجمعية المستوطن “سرجيو” فحسب، فثمة آلاف الجمعيات في مختلف أنحاء البرازيل تقوم بالدور نفسه. وإنقاذها واحترام خصوصيات قطانها من السكان الأصليين وثقافتهم ونمط عيشهم رهينُ نبذ الجشع والأنانية محليا ودوليا. لكن ألا يبدو هذا الرهان مغرقا في المثالية؟

لعل أصوات المناشير الكهربائية التي ينتهي عليها الفيلم وهي تقطع الأشجار العملاقة والآلات التي تجرف المساحات الشاسعة أن تؤكد ذلك.