عُمان الساحرة.. سلطنة الشمس وجنة الصحراء

بين الجبال الراسيات والنخل الباسقات والهضاب والتلال، وحيث الشواطئ الرملية والشلالات الصخرية ومجرى سيول الأودية، ترسم سلطنة عمان حدودها مشكّلة لوحة فنية من التنوع وعبق التراث والتاريخ. تعيش بها ظباء المها العربية التي كادت تنقرض، وكثير من الغزلان النادرة، وتحتوي بساتينها على نظام الأفلاج الذي يعود تاريخه لـ600 سنة قبل الميلاد، وتضم جبالها كهوفا ترجع حقبها الزمنية إلى مليونَي عام.. هذه المناظر الخلابة والأجواء الساحرة تستقطب سنويا أكثر من 300 ألف سائح من العرب والأوروبيين.

وفي 2019 أنتجت الجزيرة الوثائقية فيلما وثائقيا بعنوان “عُمان الساحرة” عن جمال الطبيعة في عمان وما تزخر به هذه الدولة من كنوز التراث مع مسايرتها لركب الحضارة.

تقع عُمان في شبه الجزيرة العربية، وهي أول نقطة تشرق عليها الشمس في الوطن العربي، وتداعبها المحيطات رغم أن الصحراء تشكل نسبة كبيرة من إقليمها. وقد شهدت هذه السلطنة تعاقب أمم وأجيال عبر التاريخ، وهي من أساطير ألف ليلة وليلة، حيث حكت الأميرة فيها قصة سندباد البحّار الذي وُضع له تمثال كبير في وسط المدينة.

تعتبر العاصمة مسقط من أكثر المدن العمانية ازدهارا وتحضرا بفضل السلطان قابوس الذي يحكم البلاد منذ سبعينيات القرن الماضي، فقبل توليه حُكم البلاد درس في المدن الأوروبية وطاف بين حواضرها وأعجب بالحضارة هناك، كما كان أيضا بفضل تربية والده مهتما بالتاريخ والتراث، ويميل للمذاهب الدينية المعتدلة كما هو حال جميع العمانيين، وما بين الإعجاب بحضارة الغرب والالتزام بالقيم الثقافية تشكلت رؤية السلطان لبناء دولته، فأصبحت تعيش التقاليد وترحب بالحداثة.

رؤية السلطان قابوس.. النهضة المعمارية

عمل قابوس على إنشاء معالم وطنية تعكس هوية السلطنة وتجسد روح ثقافتها، فقام ببناء المسجد الأكبر في الدولة الذي يحمل اسمه، ويعتبر هذا الصرح المعماري من أجمل المعالم في السلطنة، وقد قامت بتصميمه شركتان في لندن واستغرق بناؤه ست سنوات، وشهدت المنشآت التعليمية حضورا لافتا في بناء الدولة الحديثة، كما لقيت الطرق والمنشآت الصحية والمؤسسات المالية اهتماما واسعا، فأصبحت السلطنة دولة رفاه صُنفت عاصمتها مرات عديدة من أنظف مدن العالم.

تزخر عمان بمخزون من النخيل يقدر عدده بثمانية ملايين، وتُصدر تمره للكثير من الدول

وفي مدينة صلالة التاريخية تقع جامعة ظفار إحدى التحف المعمارية في الدولة، وقد حملت في بنائها صبغة الحضارة المعمارية للمدينة التي يرجع تاريخ بنائها لعصر عاد وثمود. يتسع الحرم الجامعي لـ10 آلاف طالب، وتضم الجامعة الكثير من التخصصات الحديثة، وفيها حضور قوي للمرأة من خلال الفريق البيداغوجي.

وقد شهد التمدرس بشكل عام زيادة كبيرة في السلطنة، ذلك أنه قبل عقود كان في عمان بضع مدارس فقط لتحفيظ القرآن الكريم، أما في الوقت الحاضر فإن 90% من الأطفال يذهبون للمدارس ويحظون بمجانية التعليم.

التقاء الشواطئ والجبال.. العناق الدافئ

تمتلك عمان شريطا ساحليا يمتد لمسافة طويلة على خليج عمان وبحر العرب، وتتنوع طبيعة هذا الشريط من مكان لآخر ما بين الشواطئ الرملية والسواحل الصخرية، وتقع مسقط على شواطئ أهمها شاطئ القرم الذي يتميز بالهدوء ويزدحم بالزائرين، وكذلك شاطئ البستان الذي يقع فيه فندق قصر البستان الفريد.

ورغم كثرة الشواطئ وتنوعها فإن ثلاثة أرباع مساحة الدولة تتكون من الرمال والجبال الشاهقة، ففي محافظة الداخلية على بُعد 200 كلم من العاصمة يقع جبل الشمس الأكثر ارتفاعا، وهو أول ما تشرق عليه الشمس وآخر ما تغيب عنه في الدولة، ويتميز باعتدال درجة الحرارة في الصيف بحيث لا تتجاوز 25 مئوية، وبفضل مناخه يقصده السائحون من كل مكان.

تحتفظ مدينة نزوى بالكثير من التراث الذي لا تزال تعيشه

وفي نفس المحافظة يقع كهف الهوتة الذي يمتد عمره لأكثر من مليوني عام، ويمتد الكهف لخمسة كيلومترات في الجبل، وتقع فيه بحيرة السمكة الكبيرة التي تعيش فيها أسماك الجارة العمياء. وفي نفس المحافظة تقع ولاية نزوى التي صُنفت عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2015، وكانت عاصمة للدولة في الحقب الغابرة، وتعرف قديما بنبضة الإسلام، وبها أماكن سياحية وأثرية عتيقة كقلعة نزوى.

وتحتفظ مدينة نزوى بالكثير من التراث الذي لا تزال تعيشه، حيث تعتمد في الزراعة على نظام الأفلاج، وهو وسيلة الري القديمة التي وصلت إلى البلاد منذ حوالي 600 سنة قبل الميلاد عن طريق الفرس، ويقع في المدينة سوق قديم للمنتجات المحلية، وكذلك سوق الماشية الذي ينظم أسبوعيا، ويقصده المنَمُّون من كل النواحي لعرض ماشيتهم.

جنة الخليج.. جمال واكتفاء ذاتي

تزخر عمان بمخزون من النخيل يقدر عدده بثمانية ملايين، وتُصدر تمره للكثير من الدول، وأكمامه تزين الشوارع والأماكن العمومية، وتشكل بساتين النخيل في شمال عمان عاملا مساعدا للزراعة، ذلك أن ظله يوفر الدفء لزراعة بعض الفواكه التي لا تثمر مع أشعة الشمس. ورغم تطور وسائل الزراعة فإن العمانيين ما زالوا يعتنون به ويعملون عليه بأيديهم. يقول سالم السعدي: تعلمنا من الأوائل كيف نحافظ على النخيل، ولا بد من العناية به والعمل فيه يدويا.

وفي “وادي طيوي” بمنطقة جنوب الشرقية بولاية صور تزدهر زراعة الموز والفواكه الأخرى، ويقع الواد بين الجبال الشامخة، وبفعل جماله وتنوعه البيئي أصبح قبلة للسائحين.

وفي مدينة صلالة توجد الواحات والبساتين الزراعية التي تؤمّن حاجة الدولة من الفواكه والخضار، فلا تستورد السلطنة شيئا بفضل وديان وشواطئ صلالة التي تسمى جنة الخليج، وغير بعيد من الواحات يعرض المزارعون منتجاتهم الطازجة التي يقصدها المواطنون وقت جنْيِها قبل أن تصدّر للأسواق العامة.

وعلى طريق الخور المؤدي لصلالة وظفار لا تفتر عيون القادمين للمدينتين بسبب اختلاف التضاريس وتنوع الطبيعة، فالتلال والهضاب والأودية السائلة والرمال الذهبية والعيون والأنهار المنشقة من الجبال مناظر بادية على طول هذه الطريق.

ومن البحر يتخذ السكان وسيلة للعيش فيذهب الصيادون بزوارقهم للصيد الذي يعتبر من أهم المهن التقليدية والترفيهية للمواطنين، فعلاقة العمانيين مع البحر قديمة ومتجذرة، ويعتبر شاطئ صلالة من أغنى الشواطئ بالدلافين البحرية، وفي مدينة صور يوجد حوض لبناء السفن التقليدية الكبيرة وهو الوحيد في المنطقة، وتعمل في صناعة البواخر شركات وأياد محلية.

الصحراء العمانية.. مرتع الغزلان والمها

لا تزال عمان ملاذا للكثير من الحيوانات الوحشية النادرة التي تحتاج للشجر النادر في البراري الهادئة، ففي جنوب مسقط تعيش الغزلان العربية بكثرة وتبذل الدولة جهودا كبيرة في المحافظة عليها، وتشكل فرقا لحمايتها من هواة الصيد البري، كما يقول حامي الحيوانات علي الغاداني.

وفي وسط الصحراء بعمان تسكن ظباء المها بعدما جابت الكثير من البلدان والصحاري في المنطقة العربية وأوشكت على الانقراض، وقد وجدت المها العربية عناية خاصة من وزارة البيئة العمانية فأقامت عليها محميات كبيرة وشكلت لها فرقا من الخبراء وأطباء البيطرة من أجل العناية بها.

يزور صلالة في فترة الخريف 300 ألف سائح؛ 2000 منهم أوروبيون

وتعمل لجان الحماية بشكل دائم من أجل حمايتها من مخاطر الصيد، كما سنّت الدولة قوانين رادعة لمن يعبث بهذه الحيوانات النادرة، لكن زاهر سليم العلوي -وهو طبيب بيطري- يرى أنه لا بد أن يصدر قانون يعاقب بالسجن مدى الحياة لمن يحاول صيد المها حتى يرتدع الناس عنها.

وعلى مرتفعات جبال ظفار تعيش الفهود العربية النادرة التي تعتبر الأكبر في العالم، وتتخذ من الجبال العالية مساكن لها، وتلقى اهتماما وعناية من قبل حماية الطبيعة والحيوانات.

أما الطيور المهاجرة بمختلف أنواعها فإنها تعيش بكثرة على ضفاف شواطئ جنوب غرب عمان، كطائر النحام والواق الصغير.

وتعتبر بحيرة خوري من الأماكن القليلة التي تستحم فيها الجِمال، وتقع هذه البحيرة تحت قلعة بامهورام التي يرجع تاريخها للقرن الرابع قبل الميلاد.

موسم الخريف الآسر.. طبيعة تجذب السواح

تجمع عمان بين جمال الطبيعة والعمران ووسائل الاستجمام والراحة، ولا تنقطع عنها رحلات السياحة في جميع المواسم، لكن فترة الخريف الذي يصاحبه المطر الكثير تكون صلالة جنة الدنيا فيقصدها الناس من كل حدب وصوب. وقد ساهم مطار صلالة الدولي بجذب الزائرين للمدينة الأجمل في السلطنة، فأصبح يزورها في فترة الخريف 300 ألف سائح؛ 2000 منهم أوروبيون، وهذا العدد يضاعِف عدد سكان المدينة الأصليين.

وفي فترة الخريف تكاد دُلْحُ الدِّيم أن تعانق التراب فتصبح الأرض مخضرة، وتجري الشلالات الصخرية والعيون الجبلية، وتكون درجات الحرارة معتدلة، ولا ينقطع الرذاذ من السماء، فتزدحم صحراء صلالة بالخيام العربية والتجمعات العائلية بغرض الراحة والعيش في جمال الطبيعة الخلابة.

على مرتفعات جبال ظفار تعيش الفهود العربية النادرة التي تعتبر الأكبر في العالم

تقوم السلطات الإدارية بكل ما من شأنه أن يسعد الزائرين للمدينة من تسهيلات وحسن ضيافة، ويقام في فترة الخريف مهرجان صلالة السياحي على شرف الزائرين، ويحتوي على أيام لسباق الخيول العربية الأصيلة والجِمال الخليجية، وتتم فيه بعض الحركات التي تقام على الخيول المطوعة، وتنظم كذلك بعض الأماسي الغنائية التي تتخذ من التراث العماني طابعا لها، وعلى وتر أنغام الموسيقى المحلية تقام رقصة “العيالة” وهي رقصة أصيلة عند العمانيين يرقصها الرجال فقط.

الصناعات التقليدية في مدينة اللبان.. إرث الآباء

العمل في الصناعة التقليدية بالنسبة للعمانيين شرف وجزء من الهوية والمحافظة على التراث، ورغم أن كل من بلغ سن الرشد يحصل على قطعة أرضية سكنية، وتقوم الحكومة بمساعدة المواطنين في بناء المساكن، فإن كل ذلك لا يمنع السكان من التعلق بما عهدوا عليه الأوائل، فينحتون من الجبال بيوتا وينسجون من الصوف الفرش والنمارق. يقول سيف العبري الذي يقطن في منزل حديث ويمارس مهنة النسيج في بيته: هذا تراثنا ولا بد من المحافظة عليه، فما ورثناه من أجدادنا لا بد أن نعلّمه للأبناء.

وتعمل كثير من النساء في إنتاج البخور والعطور التقليدية، وتخرج النساء للفيافي في مدين

تعمل كثير من النساء في إنتاج البخور والعطور التقليدية، وتخرج النساء للفيافي في مدينة غفار من أجل الحصول على شجر اللبان

ة غفار من أجل الحصول على شجر اللبان الذي اشتهرت به المدينة. تقول فاطمة أردحيل: نخرج مرات عديدة بهدف الحصول على اللبان ولا نحصل عليه إلا بفعل شاق.

وينقسم اللبان إلى أنواع متعددة أفضلها الأبيض، وقد اشتهرت صلالة قديما بتجارة مشتقات ذلك الشجر حتى أطلق عليها اسم مدينة اللبان. وتنتج النساء من هذه الشجرة العمانية وبعض الخلطات الأخرى مادة البخور الذي يلقى رواجا كبيرا في سوق البازار التقليدي، وتؤكد النساء البائعات للنباتات وخلطات البخور في هذه السوق ارتياحهن الكبير لتجارة الصناعة التقليدية.

ويحتوي السوق على جناح خاص بـ”الكمه” والتي هي عبارة عن قبعة مطرزة يضعها الرجال على رؤوسهم وقت خروجهم مع العائلة وفي الاجتماعات القبلية.

الإنسان العماني المعاصر.. حداثة في قلب الأصالة

رغم ما تزخر به الدولة من مقومات الأصالة وتعلّق شعبها بالتراث، فإنها قطعت أشواطا كبيرة في التنمية والمشاركة في الحركة الاقتصادية الدولية، وتعمل على سد الفجوة بين التراث والانفتاح الرقمي، والحفاظ على الهوية مع الانفتاح على الشركات العالمية من خلال التعليم وإقامة المنشآت الاقتصادية وتطوير السياحة والصناعة التقليدية.

ووفقا لبرنامج التنمية التابع للأمم المتحدة فإن سلطنة عمان تحتل الصدارة في التحسين الاجتماعي خلال الأربعين عاما الماضية. وقد ساهمت الثورة التعليمية التي تشهدها الدولة في تغيير النمط التفكيري للإنسان العماني فأصبح كادحا من أجل الإنتاج والمساهمة في تطوير دولته.

تقول الأستاذة الجامعية خيار العنسي: إن عمان تتغير من التقاليد إلى الحداثة لكنها تحتفظ بهويتها.

ويتميز المجتمع العماني بالاعتدال والوسطية وتبني عقلية السلام، وتتعايش فيه المذاهب الفكرية المختلفة بانسجام ووئام كما تتعايش الجبال والرمال والهضاب والبحار بهدوء على تلك الأرض.