“مملكة اليغوَر”.. حياة النمور الشرسة في أقاصي الكوكب

يتتبع فيلم “مملكة اليغور” -الذي بثته الجزيرة الوثائقية- حياة مجموعة من النمور الكبيرة الشهيرة التي تعيش في منطقة باناتنال المعروفة باسم “بلاد اليَغوَر” (Jaguar Land). إنه موطن نمور اليغور الذي يمكن أن تشاهدها فيه بكثرة لا توجد في مكان غيره في العالم، وهذه النمور هي الأكبر أيضا بين فصائل اليغور، إذ يصل وزن هذه الحيوانات المفترسة الرائعة إلى ضعف متوسط وزن النمور في أي مكان آخر.

في قلب البرازيل المغمور بالفيضانات، تقع كبرى الأراضي الرطبة في العالم، حيث تتراقص الحياة على أنغام الإيقاع الموسمي للماء، وبينما تنحسر الفيضانات وتتزاحم الحيوانات من أجل مكان على النهر يتسلل صياد من طرف خفي، إنه اليغور الذي يُشاهد هنا أكثر من أي مكان آخر في العالم.

هنا في بلاد اليغور على الملك (اليغور المسيطر) أن يتأهب للقتال ليحافظ على تاجه، وعلى صغاره أن يطوّروا مهاراتهم، فهم كمفترسات يلعبون لعبة القط والفأر مع تماسيح الكايمان التي تعيش في النهر، وبين كر وفر، يحدث كل ذلك تحت أنظار جمهور من عالم آخر هم السواح، لكن كلفة الحفاظ على بلاد العجائب هذه باهظة، لأنها تعني تحويل ألد أعداء الأمس إلى أصدقاء اليوم.. هذه هي الحياة في مملكة اليغور.

“جينجر”.. مطاردات الملكة الجائعة على الضفاف

أطبق موسم الجفاف على أرجاء البانتانال، وهذا ما جعل شبكة الأنهار والجداول التي تشكل مملكة اليغور تجذب المزيد من الحيوانات بعد أن شح الماء في أماكن أخرى، وعلى ضفاف المنطقة المشمسة ستتكشف إثارة لا مثيل لها.

تأخذ أنثى اليغور اليافعة هذه وقتها في الاستيقاظ كما هي عادتها. تميزها بقعها ووريداتها وكأنها بصمات أصابع، ومثل كل السنوريات هنا تحمل هذه الأنثى (في الفيلم الوثائقي) اسما معينا، إنها “جينجر”، وعمرها عامان، وقد أمضت الليلة في شجرة مفضلة لديها مطلة على النهر، وذلك مكان يسرها أن تسترخي فيه طيلة اليوم، غير أنها جائعة، لذا فعندما تكون جاهزة فستبدأ المطاردة.

عادة ما تجوب “جينجر” المستنقعات خلال الموسم المطير، لكن هذا شهر سبتمبر/أيلول والسماء لم تمطر منذ شهور، بينما تستمر الضفاف والشواطئ الجافة في الارتفاع جراء انحسار المياه. وأسلوب “جينجر” البسيط هو التسلل خلسة، إذ تجوب ضفة النهر في صمت إلى أن تعثر على شيء يصلح للأكل. وفي البانتانال يأتي اليغور في قمة السلسلة الغذائية.

وفي الوقت ذاتهـ تعج الأنهار بتماسيح الكايمان التي تتشمس على الضفاف الرملية، وبإمكان “جينجر” أن تهزم هذه الوحوش التي يصل طولها إلى قرابة مترين، ومقارنة بوزنه فإن اليغور هو صاحب أقوى عضة من بين جميع السنوريات، إذ يمكنه خرق جمجمة تمساح الكايمان، لكن “جينجر” تركز نظرها على شيء آخر الآن، إنها عائلة خنزير الماء، فالقوارض العملاقة هي فريستها المفضلة.

خنازير الماء.. عائلة من الفرائس الشهية يلوذ بالماء

لا تجيد صغار خنزير الماء السباحة في بداية حياتها، لذا تفضل البقاء على اليابسة، وفي عائلة صغيرة كهذه تضم أنثيين للتكاثر وتفتقد الذكور المساندة؛ يكون هذا الذكر رب الأسرة والأب لجميع الجراء، كما أنه الرقيب الرئيس عليها، ووفقا لهذا التوصيف الفضفاض فإنه في قمة اليقظة، ولكي يضمن هذا الأب لعائلته من خنازير الماء كل جزء من الثانية، فإنه ينتظر حتى الرمق الأخير لينجو بنفسه.

خنازير الماء هي حيوانات شبه مائية، ويمكن أن تبقى تحت الماء لمدة تصل إلى 10 دقائق، ومتى ما كانت في الماء فإنها ستتفوق على “جينجر” في السباحة، لكنها قد لا تفوقها ذكاء.

خنازير الماء هي حيوانات شبه مائية يمكن أن تبقى تحت الماء لمدة تصل إلى 10 دقائق

وقد جدت عائلة خنزير الماء هذه مكانا ترتاح فيه، وهي تحافظ على الروابط الوثيقة بين أفرادها من خلال الاتصال الحميم، وفي مواجهة الخطر تدفع أنثى الغور المفترسة جميع أفراد عائلة الخنازير للاهتمام بالمجموعة وليس فقط بأنفسهم، فالخطر لا يكمن بعيدا أبدا.

إغاظة الكبار.. استفزازات أكبر قوارض العالم

لا تزال “جينجر” تحاول الصيد، وتطأ الأرض بهدوء قرب زوجين من طيور الصيَّاح الجنوبي، وكما يوحي اسم هذه الطيور فهي مشهورة بصيحاتها التحذيرية، وقد أفسدت على “جينجر” فرصتها الثانية لتناول وليمة من خنازير الماء، وبينما تهرب عائلته إلى وسط النهر يبقى الذكر على مقربة وكأنه يغيظ “جينجر”.

يزن خنزير الماء 70 كيلوغراما، وهو أكبر القوارض في العالم، لكن هذا الأب ليس ندا لأنثى اليغور، وهذا ما يجعل سلوكه أكثر إثارة للدهشة، إنها إستراتيجية محفوفة بالمخاطر، ونادرا ما تُشاهد، يبدو وكأن الأمر يروق “جينجر”، لكنها تبدو مرتبكة بعض الشيء.

لقد دافع الأب ببسالة عن نسله، وأما بالنسبة لليغور فإن واحدة فقط من كل 7 محاولات صيد على امتداد هذه الضفاف تُكلل بالنجاح، لكن “جينجر” خبيرة بالأنهار، والتحلي بالصبر يُؤتي ثماره دائما، إنها تعلم أن كل أشكال الحياة تعتمد على الماء، لذا فلا بد أن تأتي جميع حيوانات البانتانال إلى هنا لتروي عطشها.

موسم الجفاف.. مهرجان اصطياد تماسيح الكايمان

يشق نهر كويابا طريقه عبر مملكة اليغور وما ورائها، وهو أحد الروافد التي تغذي البانتانال، وباحتلاله قلب أميركا الجنوبية، يغطي سهل البانتانال الفيضي مساحة 170 ألف كيلو متر مربع، ويمتد إلى ما وراء البرازيل ليصل إلى بوليفيا والباراغواي.

حتى وإن كان لأراضي إيفرغلاديس الرطبة الاستوائية أن تغمر فلوريدا بأكملها، فإنها ستظل محجمة قياسا بهذه الأرض الرطبة غير المتناهية التي تعد موطنا لقرابة 700 نوع من الطيور، و100 صنف من الزواحف، وأكثر من 150 جنسا مختلفا من الثدييات، وهذا التنوع الهائل للحياة في البانتانال يجعلها إحدى أغنى الموائل في العالم، وكثير من قاطنيها الطبيعيين يتمتعون بالحماية بقوة القانون.

يشق نهر كويابا طريقه عبر مملكة اليغور وما ورائها، وهو أحد الروافد التي تغذي البانتانال

تستأثر مملكة اليغور بمساحة 1000 كيلومتر مربع من متنزه إنكونترو داس أغواس الوطني، ورغم أن الحدود لا ترى بالعين المجردة، فإن المنطقة مقسمة إلى أقاليم متداخلة، مُشكلّة ممالك تبسط ذكور اليغور القوية حكمها عليها، ويهيمن يغور واحد على كل 10 كيلومترات مربعة، ويدّعي حقه بالصيد فيها في موسم الجفاف، وهذا يعني أن قرابة 100 يغور ربما تعيش هنا.

عندما يسود الجفاف وتنحصر الحياة على الأنهار، تجتمع نمور اليغور للظفر بأكبر حصة من هذه الغنيمة الموسمية، وتساعدها وفرة تماسيح الكايمان على زيادة أحجامها وقوتها، وهذا ما يُسهّل مهمة صيد الفرائس الكبيرة في الأنهار العميقة.

“بايرات”.. ملك مهزوم يقضي أيامه الأخيرة في المنفى

هذا هو “بايرات” أو القرصان، وقد حكم هذه المنطقة لسنوات طوال، وبعد أن فقد إحدى عينيه في معركة مع أحد خصومه، بات عليه تجنب الصراع بأي ثمن، فلم تعد هذه منطقته بعد الآن.

لا يحكم مملكة اليغور إلا ملك واحد فقط ينفرد بسلطته، والملك في هذا الوقت هو “جورو” البالغ الذي يزن 135 كيلوغراما، ولا يفوقه حجما سوى الأسود والنمور، وبعمره البالغ 4 أعوام فهو في ذروة عطائه، أما بالنسبة لغريم أكبر سنا وأشد ضعفا مثل “بايرات”، فإن الانسحاب هو الخيار الوحيد.

يتعين على “بايرات” الآن أن يُمضي أيامه الأخيرة في منفى دائم، بينما يُميّز “جورو” منطقته برائحته الفريدة، في رسالة واضحة تماما للذكور الآخرين، مفادها: إياكم والاقتراب.

ثعلب النهر العملاق.. عائلة تذود بشراسة عن أوكارها

غير بعيد من منبع النهر يفرض مقيم آخر في مملكة اليغور سيطرته وينثر عبقه بذات الجديّة، إنه ثعلب النهر العملاق الذي يبدأ يومه بإفراغ محتويات معدته، وهذه أولوية له، والمكان المفضل للقيام بذلك بالنسبة لثعالب النهر هذه -البالغ طولها مترين- هو المكان المكشوف تماما، فروثها الذي يُثير الريبة سرعان ما يجذب الانتباه.

لكن ثعالب النهر لا تكتفي بذلك، فهي تقوم بخلط ناعم يؤدي إلى تعميق أثر الرائحة ونثرها، وقوائمها المكففة التي تماثل حجم يد الإنسان تجعل المهمة أسهل.

يبلغ طول ثعالب النهر مترين وتعيش جنبا إلى جنب مع اليغور

هنا في مملكة اليغور يأتي التهديد الرئيس من ثعالب النهر الأخرى الراغبة بالانتقال إلى هنا، لذا فإن وضع علامة “ممنوع التجاوز” على حدود مسكنها على ضفاف النهر سيكون فكرة رائعة، خاصة إذا كانت العائلة بأكملها ستقضي اليوم بالخارج.

العائلة المكونة من الأب والأم وجيلين من الأبناء تذود بشراسة عن أرضها، وتجتمع معا مشكلة يدا واحدة لصد أي متتطفل غازٍ، حتى ولو كان اليغور.

قد يقتلك الذكر المهيمن أو الجوع.. تحديات الصغار

“تور” ذكر يغور يافع لا يتجاوز عمره 10 أشهر، وقد تركته أمه لتوها بمفرده ليتعلم الدفاع عن نفسه، وفي كل بقعة يرتاح فيها سيكون الخطر حاضرا حيث سيقتله أي ذكر مهيمن بمجرد رؤيته، وهذا يعني أن عليه أن يعيش حالة ترقب أبدية.

يقترب ذكر آخر، لكن “تور” يبقى صامدا، إنه شقيقه التوأم “كيم”، وفي الوقت الحالي ليس الشقيقان يفترقان، فالأشقاء اليافعون في عائلة اليغور غالبا ما يظلون معا، حتى يمتلكوا الخبرة الكافية للاعتماد على أنفسهم، لكن هذين الشقيقين لا يزالان يشقان طريقهما.

“تور” ذكر يغور يافع لا يتجاوز عمره 10 أشهر، وقد تركته أمه لتوها بمفرده ليتعلم الدفاع عن نفسه

“كيم” و”تور” كلاهما جائعان وعازمان على الصيد، وفي هذا الوقت من العام تكثر الفرائس حول النهر، لكن سيكون على هذين الشيقيقين تحسين مهارتهما في الصيد في الماء إذا أرادا الحصول على وجبة.

إنهما أشبه بهريرتين تتعلمان لتصبحا قطتين بالغتين، فحيوانات اليغور التي تفتقد الجرأة المطلوبة للصيد قد تجد من الأسهل أن تغادر المتنزه بحثا عن فرائس أقل عناء، لكن هذا المسار يقود إلى اصطدام مباشر مع عدو أزلي.

ماشية برامان.. بين يدي الرعاة وخيول الغزاة

خلف ضفاف مملكة اليغور التي تزين الأشجار جانبيها، تتنحى الغابة جانبا لتتجلى الأراضي العشبية، ولطالما مارس اليغور الصيد هنا، لكن الآن تحول أكثر من 95% من أراضي البانتانال إلى مزارع ومحميات تحتضن 4 ملايين رأس من الماشية.

في محمية سانتانا يحافظ رعاة البقر على أسلوب حياة مستمر من القرن الـ18، ويعني نمط التحول السنوي من الطوفان إلى الجفاف أن طريق العجلات أصبح صعبا، ليصبح اقتياد الماشية طيلة أسبوع كامل عبر التضاريس الوعرة هو الطريقة الوحيدة لنقل الماشية إلى السوق، وبخطاه الواثقة وتحمله الشديد فإن حصان البانتانال أكثر من قادر على القيام بهذه المهمة.

في محمية سنتانا يصطاد اليغور من القطيع 3 بقرات في الأسبوع

يُعتقد أن حصان البانتانال هو سليل الجياد التي امتطاها الغزاة الإسبان، وهو يعيش هنا منذ فترة طويلة كانت كافية له ليتكيف مع الحياة في البانتانال، وفي موسم الأمطار ترعي هذه الأحصنة ووجوهها مغمورة تحت مياه الفيضان، أما في لهيب الصيف فإنها تتمرغ في برك الماء للحصول على حمام بارد، وبمجرد أن تنتعش تصبح جاهزة للعودة إلى العمل، أما الأبقار فهي حديثة العهد نسبيا بالمنطقة.

تنتج ماشية برامان ذات الأصول الآسيوية كميات كبيرة من اللحوم، لكنها أقل قدرة على التكيف مع الظروف الموسمية، لذا يعطل رعاة البقر عملهم ليُثبّتوا الأبقار التي تحتاج إلى علاج من الذباب الأزرق، وقد يتطلب الأمر 4 رعاة بقر لطرح بقرة واحدة على الأرض، إلا أن يغورا واحدا بمفرده قادر على القيام بهذه المهمة.

في الماضي كان رعاة البقر يقتلون حيوانات اليغور من أجل حماية ماشيتهم، لكن في عام 1967 فُرض حظر على قتل اليغور لتزداد أعداده تدريجيا، ومع ذلك لا يزال القتل غير القانوني لليغور مستمرا في بعض المحميات بشكل سري.

وفي محمية سنتانا يتقبل رعاة البقر خسائرهم، رغم أن اليغور يقتنص من هذا القطيع وحده 3 بقرات في الأسبوع، أي أن قرابة 3% من مجموع حالات استنزاف القطيع سنويا سببها الافتراس، وهي نسبة لا يعوض عنها. وبالنسبة لمن يقيمون هنا فإن اليغور لطالما كان مشكلة عويصة، لكن اليوم هناك شعور متزايد أن ثمة حلا يلوح في الأفق.

موسم السياحة.. ألفة المصالح بين الإنسان والمفترسات

يزور أكثر من مليون سائح سنويا منطقة البانتانال للاستمتاع بجمالها الكامن في أقاصي الدنيا، وقد بدأت تلقى رواجا فكرة أن السياحة البيئية تجر ربحا أكثر من أرباح تربية المواشي، فقلة قليلة من الأماكن في العالم تحظى بمثل هذه الأراضي الرطبة الساحرة.

على مدار العقدين الماضيين بات اليغور يُشاهد أكثر فأكثر على امتداد أنهار البانتانال، كما أن منظر السيّاح المدججين بالكاميرات والمكدسين في القوارب بات مشهدا مألوفا في مملكة اليغور، فكلما اعتاد اليغور على وجود البشر، أصبحت رؤيته متاحة أكثر، وزاد توافد السائحين على البانتانال.

أصبح منظر السيّاح المدججين بالكاميرات والمكدسين في القوارب مشهدا مألوفا في مملكة اليغور

أمست نمور اليغور مطمئنة للصيد في وضح النهار، بينما تتبعها بسعادة أفواج السياح في قواربهم، وها هم اليوم ينطلقون في أعقاب “جينجر”، إنها لا تزال صغيرة ولم تعتد بعض هذا الكم الكبير من الرفقاء، لكن المرشدين يعرفون أنها صيادة واسعة الخبرة، وقد تمنحهم ما يريدون رؤيته.

مشهد المواجهة.. عرض فني تحت عدسات المصورين

لم يعد اليغور هنا في البانتانال يخشى على حياته من الصيد، لكنه يدفع ثمن ذلك من خلال شهرته، فهؤلاء المصورون الفضوليون مطالبون بالحفاظ على مسافة كافية غير أنهم ليسوا ملتزمين بذلك، مما يدفع “جينجر” لتغيير سلوكها.

استطاعت قلة قليلة من أمهر الصيادين في مملكة اليغور أن تتقن أسلوبا خاصا جدا، و”جينجر” واحدة منها، فهي تذهب إلى بقعتها المفضلة وتتسلق فوق الماء، ثم تنتظر بفارغ الصبر دخول إحدى وجباتها المفضلة في متناول قبضتها.

عشرات الأيدي تتأهب لالتقاط أروع المشاهد في البانتانال، مشهد يغور في مواجهة تمساح كايمان، لقد أصبحت فريسة “جينجر” في مرمى بصرها، لكن الجمهور كان أكثر من اللازم بالنسبة لها، فضاعت اللقطة على السائحين، وضاعت الوجبة على “جينجر”.

قطط البانتانال.. سلعة ثمينة تستحق الحماية

حولت العوائد التي باتت تأتي من السياحة القطط الكبيرة في مملكة اليغور إلى سلعة ثمينة تستحق الحماية، لكن في المقابل يتعين عليها أيضا أن تقوم بما هو متوقع منها على رؤوس الأشهاد.

ومع استمرار الموسم السياحي فمن المرجح أن تدوم هذه المشكلة، لكن تماسيح الكايمان استفادت هي الأخرى من الاهتمام الذي تحظى به المنطقة الآن، فقد كانت على شفير الانقراض بسبب صيدها من أجل جلودها، أما الآن بعد أن باتت من الأنواع المحمية، فقد وصلت أعدادها في البانتانال إلى حوالي 10 ملايين، وقد لعبت لحومها دورا في نمو حيوانات اليغور إلى أحجام غير مسبوقة.

ورغم أنه من أصغر أبناء عمومته التماسيح، فإن الكايمان في البانتانال يقوم بين الحين والآخر بمهاجمة ثعالب النهر العملاقة، غير أن ثعالب النهر تعرف محليا باسم “أريرانيا”، أي يغور الماء، وهي أكبر أنواع هذا الجنس في العالم، ويصل طولها إلى مترين ووزنها إلى 30 كيلوغراما أو أكثر.

تختلف ثعالب النهر العملاقة عن غيرها، إذ تتسم ثعالب النهر الأخرى بالانعزالية، أما ثعالب النهر العملاقة فتعيش وتصطاد في مجموعات عائلية، مما يعني أن على مهاجميها أن يتعاملوا مع 8 أو 9 مجموعات من هذه الأسنان الهائلة، كما أنها عائلة معروف عنها تقطيع أوصال تمساح كايمان طوله متر ونصف وتناوله على العشاء، لا يتعلق الأمر بالأمان الذي تُوحي به الأعداد فحسب، فالعمل الجماعي يشكل الفارق بين الحياة والموت.

انحسار الماء وانتشار الفرائس.. فرصة نادرة

حلّ شهر أكتوبر/تشرين الأول وهو ذروة موسم الجفاف، وبينما تصبحت الأنهار في أدنى مناسيبها، فإن تجمع الفرائس على طول الضفاف في أعلى مستوياته، والشقيقان الشابان “كيم” و”تور” أصبحا أكبر بشهر، وأكثر حكمة بقليل، وهذا هو الوقت الأمثل في العام ليتعلما الصيد بمفردهما.

لطالما كان “كيم” أكثر جرأة من شقيقه، وهو يتولى القيادة في عملية بحثهما اليوم عن الطعام، وكالعادة يلعب “تور” دور التابع، وينبغي أن يكونا قد تعلما أن يتركا ثعالب النهر العملاقة وشأنها، لكن يبدو أنهما يفترضان في نفسيهما القدرة على مواجهة تمساح الكايمان، ويملك “تور” الفكرة الصائبة، فالصيد بدهاء يجري في دمه، فوالدته “هروث” هي أيضا جدة “جينجر”.

تمساح كايمان الكبير

قد لا يكون هذا التمساح تمساح كايمان كبيرا، لكنه بداية رائعة، وقد أثبت “تور” قدرته على إطعام نفسه، لذا قد تكون هذه بداية النهاية للتحالف بين الشقيقين، فرغم أن بعض ذكور اليغور تبقى معا لفترات طويلة جدا، فإن معظمها يفضل التحول إلى صفة الغريب، لذلك فإن الشقيقين قد يفترقان بمجرد بلوغهما مرحلة النضج الجنسي.

“شرورو” الشرس.. دماء الثور الإسباني المقاتل

بالاتجاه مع مجرى النهر عند أطراف المتنزه الوطني، تقع محمية جوفري الشرقية، حيث يمرح قطيع من 200 رأس من ماشية برامان في مراعٍ تمتد لمسافة 100 كيلومتر مربع على ضفاف النهر، لكنها ليست وحدها هنا، بل يقاسمها هذه المحمية ما بين 13 إلى 16 يغورا.

لذا يقوم رعاة الأبقار في البنتنال كل مساء بإدخال الماشية إلى الحظيرة، ومع دخول آخر بقرة، فإنهم يوكلون مهمة المراقبة لأحد الخبراء في التعامل مع اليغور، إنه ثور “كراكو” ضخم يدعى “شرورو”، ومن السخرية أن اسمه يعني “بكاء الطفل”.

وجدت سلالة “كراكو” في البرازيل منذ القرن الـ17، ويُقال إن دماء الثيران الإسبانية المقاتلة تجري في عروقها، وإذا نظرنا إليها وجها لوجه فسيسهل علينا تصديق ذلك، فهذا الثور البالغ يزن أكثر من 1000 كيلوغرام.

غريزة ماشية “برامان” تملي عليها الفرار من وجه المخاطر تاركة عجولها خلفها لتكون الضحية المثالية، وهذا تصرف لن يقبل به “شرورو” على الإطلاق في قطيعه، إنه يضع نفسه بين الأبقار لمواجهة أي تهديد محتمل، ويعلّم القطيع أن يكون يدا واحدة ليقلل فرصة استهداف أحد أفراده، وإذا نسي أحد القطيع هذا الدرس بالتحديد، فإن وكزة خفيفة بقرنه ستكون كفيلة بتذكيره.

جاموس الماء.. معركة عنيفة قبل وجبة الطعام

مع اشتداد ظلمة الغسق، يبرز خط دفاع ثانٍ خارج حدود الحظيرة، فلكي تتمكن من مواجهة اليغور على الجانب الآخر من السياج، فإن على هذه الحيوانات أن تكون قوية، ها هو ذا جاموس الماء سليل جنوب شرق آسيا، وهو لا يكتفي بالثبات بل يبحث عن خوض قتال حقيقي، فأي يغور راغب بالصيد سيكون عليه أولا أن يخوض معركة معه.

أبقار “برامان” عرضة للقتل أكثر بـ25 مرة من جواميس الماء، فقد تطورت هذه الحيوانات الهائلة برفقة النمور والأسود، لذا فقد تعلمت طرد الخوف من قلوبها، ويبدو أنها تقوم بعملها على أكمل وجه، وخلال الأشهر التسعة التي تلت إدخالها المحمية لم يفقد القطيع إلا بقرة واحدة فقط على يد اليغور.

يهاب الجميع مواجهة الجواميس، حتى “جورو” ملك مملكة اليغور

في فجر اليوم التالي ذهبت الجواميس في نزهة، فهي تستحق يوما ترفه فيه عن نفسها في النهر، لكن إذا تركت الجواميس على هواها لفترة طويلة فقد تصبح وحشية بحق، وربما شكّلت خطرا على البشر، غير أنها إذا وجدت الإدارة الصحيحة ستكون مصدرا جيدا للحليب واللحوم، إضافة لكونها أفضل حارس للقطيع.

يهاب الجميع مواجهة الجواميس، حتى “جورو” ملك مملكة اليغور، لن يدخل في مواجهة مع جاموس الماء، فلديه ما يكفي من المشاكل مع أحد أصغر قاطني البانتانال وأكثرهم إزعاجا، فمع اقتراب نهاية موسم الجفاف تجعل ذبابة الخيل من كل ما يتحرك هدفا لها، إنه موسم تكاثرها، وهي تحتاج لوجبة من الدم للتكاثر بفاعلية، حتى تمساح الكايمان بجلده السميك سيفي بالغرض.

“جورو” و”باتريشيا”.. قصة حب في موسم التزاوج

نهاية موسم الجفاف هي الوقت المثالي لتزاوج اليغور، لذا ينطلق “جورو” ليمشّط منطقته ويراقبها، ويعتبر بوله بمثابة بنك من المعلومات، فوضع العلامات بالرائحة هو رسالة واضحة للذكور المنافسين بأنه كبير وفي أوج قوته، لذا فإن عليهم البقاء بعيدا، كما أنه يُوصل ذات الرسالة إلى الإناث، لكن بتأثير مختلف تماما.

“جورو” الآن في عامه الرابع، ويمكن أن يحكم هنا لثلاث سنوات أخرى أو أكثر، كما يمكن أن يفقد ملكه غدا، لذا لا بد له من تربية أكبر عدد من الأشبال خلال توليه مقاليد السلطة، ومن أجل ذلك عليه أن يجذب رفيقة.

نهاية موسم الجفاف هي الوقت المثالي لتزاوج اليغور

هذه الأنثى واقعة في غرام “جورو” إلى أذنيها، وهي جاهزة للتزاوج ولا تستطيع مقاومة رائحته، إنها “باتريشيا” والدة “جينجر”، وقد تعقبت “جورو” للتزاوج معه.

نادرا ما يمضي أفراد اليغور الوقت معا خاصة إذا لم تكن بينهم علاقة، لذا قد يكون أي لقاء متوترا في بدايته، لكن حين تكون “باتريشيا” جاهزة، فإنها تعطي الإشارة، وبعدها سيبقى “جورو” و”باتريشيا” معا لثلاثة أيام أو أربعة، ويستمران خلالها بالتزاوج المتكرر.

إنه وقت يجسد رفقة نادرة لكائنات منعزلة، بالنسبة للذكر فهذا يضمن له التأكد بأنه الذكر الوحيد الذي يتزاوج معها، أما بالنسبة للأنثى فإن التزاوج مع الذكر المهيمن على المنطقة سيمنح صغارها الفرصة الفضلى للنجاة من المخاطر هنا.

لعبة الغميضة.. انتصار “جينجر” على خنزير البحر

عادت “جينجر” للتبختر من جديد، ولحق بها طابور من المعجبين، إنها تختفي وتعاود الظهور على امتداد النهر، ولعبة الغميضة هذه يمكن أن تستمر طوال اليوم. إنها تتسلل محاولة مباغتة عائلة من خنازير الماء من جديد.

تزعق خنازير الماء بصرخات تحذيرية رغم أنها لم تلاحظ مطارِدتها على الشاطئ بعد، ولأنها محاطة بالقوارب، فلا يمكنها تحديد مكمن الخطر، ربما تعلمت هنا في مملكة اليغور، أن ثمة علاقة بين وجود القوارب ووجود اليغور.

كانت “جينجر” في مكان بعكس اتجاه الريح، لذا فلم تشم الخنازير رائحتها أيضا، ولو كانت قد رأتها بالفعل لرحلت منذ فترة طويلة، لذا ففي هذه المرة ساهم التشويش الذي تسبب به السياح في نجاح عملية صيد “جينجر”.

وجود الكثير من الزوار قد يكون من شأنه القضاء على التوازن الدقيق بين الحياة والموت على النهر، إلا أنهم يضفون القيمة إلى هذا المكان، فرغبتهم في رؤية الحياة البرية تجعل هذه الحيوانات نفيسة، وتساعد في الحفاظ على موائلها الطبيعية، ولولا السياح لما كانت مملكة اليغور على ما هي عليه اليوم.

مع غروب الشمس فوق نهر كويابا، وحلول الخفافيش محل طيور السنونو، تعود القوارب السياحية إلى مقراتها أخيرا، وهكذا يصبح بمقدور الكائنات التي تتخذ من البانتانال موطنا لها أن تمضي في حياتها بسلام.