داخل حديقة الحيوانات.. أنظمة التكاثر من الكائنات الضخمة إلى الرخويات الصغيرة

تتواصل الرحلة داخل حديقة حيوانات إدنبرا ومتنزه هايلاند للحياة البرية في أسكتلندا، وهو المكان الوحيد في أوروبا الذي يختص بالحيوانات المعرضة للانقراض التي تكيفت مع الطقس البارد

وتأخذنا هذه الحلقة من هذه السلسلة التي تبثها قناة الجزيرة الوثائقية تحت عنوان “داخل حديقة الحيوانات” إلى تفاصيل شائقة وممتعة عن طريقة معيشة هذه الحيوانات، وطرق تدريبها، ومساعدتها على التكاثر.

ونتعرف في هذه الجولة الممتعة على زوجين من حيوان فرس النهر المعرض للانقراض، كما نتعرف على نمور المناطق الثلجية والظباء الرشيقة، كما تأخذنا كاميرا الفيلم للتعرف على ذباب الصنوبر.

فرس النهر.. كائن ضخم يُروّض بالمكافآت

فرس النهر واحد من الحيوانات المعرضة للانقراض، وموطنه الأصلي غرب إفريقيا، ويوجد منه في العالم ما بين 2500 إلى 3000 فرس فقط. والواضح أن سبب تناقصه يعود إلى قطع الأشجار التي يتغذى عليها وتجارة لحوم الحيوانات البرية. وفي حديقة حيوانات إدنبرا يوجد منه زوجان، الذكر “أوتو” والأنثى “غلوريا” التي لم تحبه في البداية، ولم تسمح له بالاقتراب منها، حتى ظن جميع العاملين في الحديقة أنهم لن يروا صغيرا لهما.

تدريب لفرس النهر على كيفية الوقوف مقابل مكافأة يحبها

استغرق الأمر وقتا طويلا، لكن فيما بعد تغير الحال، فهما الآن منسجمان معا، وقد تزاوجا، وبذلك ستضيف “غلوريا” فردا جديدا إلى أعدادها. ويظهر عليها الآن أنها حامل، ولكن لم يتثبت من حملها بشكل مؤكد، إذ تمتد فترة حمل أنثى فرس النهر إلى سبعة أشهر.

ويجهز المشرفون “غلوريا” للتدريب على عدم النفور من الأطباء البيطريين الذين سيحضرون لفحصها بالموجات فوق الصوتية للتأكد من حملها، ويشمل التدريب وقوف المشرف أمام أنثى فرس النهر، وتقديم قرص أصفر من البلاستيك لها، ثم طلب لمسه بأنفها، حتى تحصل على مكافأتها، وهي قطعة من الطعام الذي تفضله.

ويتحكم المدرب المشرف بمكان وقوف أنثى فرس النهر، فيقدمها أو يؤخرها بما يناسب وقوف الأطباء خلفها لفحصها، وهكذا يكون تدريبها على الوقوف، ويمكن أن ترجع إلى الخلف قليلا لتصبح قريبة بما يكفي من مكان وقوف الأطباء.

ثم يأتي مشرف آخر فيربّت بيده على مكان وضع مجس جهاز القياس، حيث المكان الذي سيفحصون من خلاله جسدها، وهكذا يستمر تدريب الإلهاء والاعتياد على لمس القرص الأصفر والحصول على المكافأة، بينما المشرف الآخر يربت على جزء من جسمها، كي تتدرب على تقبل الضغط على هذه المنطقة.

فحوص الحمل.. جنين ضخم يبشر بحياة جديدة في الحديقة

حين وصل الطبيبان البيطريان “ستيف” و”سايمون” لإجراء الفحص، كان سلوك “غلوريا” جيدا، رغم أنها كانت مضطربة بعض الشيء، ورغم الفحوصات المتعددة فقد أبلت بلاء حسنا وتصرفت بشكل طبيعي ولم تنزعج، وتأكد الفريق من خلال الفحص أنها حامل بجنين ضخم، ويمكن أن نرى صغير فرس النهر خلال شهر في الحديقة، وهي فرصة لفريق العمل إن حدثت الولادة خلال الليل لتصوير العملية بالفيديو.

أنثى فرس النهر تضع مولودها الصغير

وستمكنهم الكاميرا المثبتة في حظيرتها من رؤية ما يجري لحظة بلحظة، لأنهم سيحصلون على فكرة جيدة حول التفاصيل، وما إذا كانت “غلوريا” قد أرضعت صغيرها أم لا، وهي معلومة مهمة وضرورية، فقد تمر عدة ساعات قبل قدوم فريق العمل في الصباح.

لقد أنجبت “غلوريا” صغيرها الأول، لكن “أوتو” أنجب أفراسا من قبل، فقد ساهم في زيادة أعداد فصيلة فرس النهر القزم، وهو أمر جيد أن يحدث ذلك في الأَسر بخلاف طبيعته في البرية.

نمور المناطق القاسية.. تكاثر فصيلة مهددة بالانقراض

تناسب أشهر الشتاء الباردة حيوانات المتنزه جيدا، وخاصة نمري الثلج اللذين جُبِلا على العيش في البيئات الجبلية القاسية كالهيمالايا وسيبيريا. ومع تراجع أعدادها على الكوكب وتصنيفها بأنها فصيلة معرضة للانقراض، أصبحت هذه الحيوانات جزءا من برنامج التكاثر والاهتمام العالمي.

وضعت أنثى النمر “أنيماش” وعمرها سبع سنوات؛ مع ذكر أصغر منها يدعى “كوشي”، وعمره ثمانية عشر شهرا. وقد جُمع بينهما بهدف التكاثر والحصول على نمر ثلجي صغير، وهما معا منذ بضعة أسابيع.

نمر الثلج اللذي جُبل على العيش في البيئات الجبلية القاسية كالهيمالايا وسيبيري

وقد لاحظ المشرفون على الحديقة سلوكا إيجابيا منهما في اتجاه التعارف والتقارب، وما سيفعلونه هو أنهم سيدربونهما على التعرف على الصافرة التي يطلقها المشرفون بالقرب من الباب المنزلق، كي يتمكنوا من فتحه أو إغلاقه بآلية تسمح لهم بالتحكم في حركتهما، مقابل مكافأة هي قطعة من اللحم الذي يفضلونه، مع استمرار مراقبة سلوكياتهما، لأن احتمال أن يقتل أحدهما الآخر أو يؤذيه يبقى قائما.

دجاج غينيا.. سلوك عدائي بعد فقدان الشريك

بعض الحيوانات تتصرف بغرابة في حال فقدان الشريك أو وجود مشكلة معه، ومثال ذلك “فيليب” ذكر دجاج غينيا الذي يشبه الصقر، فقد فقدَ مؤخرا شريكته، ومنذ ذلك الحين تغير سلوكه لفترة من الزمن، لكنه هدأ بعد ذلك ولم يعد بتلك العدائية التي كان عليها.

منذ أن قفد “فيليب” ذكر دجاج غينيا شريكته، تغير سلوكه

كما يتمنى فريق إدارة الحديقة أن يتمكن “فيليب” من إنجاب صغار الدجاج الغيني في المستقبل. لذلك سيكون الفصل التالي من حياته هو نقله إلى مسكن الفراشات الاستوائية، وهو متنزه لحماية الحياة البرية، حيث سيكون برفقته بعض الإناث.

ميلاد في عائلة الظباء الرشيقة.. فرحة لم تكتمل

يعتني مشرفو فريق الزواحف والحيوانات ذات الحوافر في الحديقة بأكثر من ستين فصيلة من جميع أنحاء العالم. و”كير” ظبي صغير الحجم من مروج أفريقيا، لا يتجاوز طوله 40 سنتيمترا ووزنه 7 كيلوغرامات، وفي الحديقة ستة منها، بينها ذكران بالِغان، وأنثيان بالِغتان لديهما صغيرتان.

عائلة من ستة ظباء رشيقة تعيش في حديقة إدنبرا

وصلت إحدى الإناث إلى حديقة إدنبرا قبل بضع سنوات، ومن المتوقع أن تلد خلال الأسابيع القليلة المقبلة، إذ لا تظهر علامات الحمل على هذه الفصيلة حتى الأسابيع القليلة التي تسبق الولادة، لذلك تبقى رشيقة. وقد يلاحظ انخفاض بطنها قليلا، مما يشير إلى حملها، وعدا ذلك لا يمكنك أن تلاحظ أي فرق إن لم تنظر عن قرب.

لكن عندما يقترب موعد الولادة -كما في حالة “نودلز”- ستبدو منتفخة البطن، ويحدث هذا عندما يتغير موقع جسد الجنين داخله، وهي إحدى علامات قرب ولادتها للصغير السابع منذ وصول الزوجين إلى هنا. ومع وجود هذين الظبيين في الحديقة أصبح الزوار معتادين على رؤية صغار الظباء هنا.

ظبي حديث الولادة زاد عدد الظباء به واحدا لكنه بعد ذلك نفق

بعد مدة، وضعت “نودلز” صغيرها الذي أضفى وجوده جوا من البهجة لدى فريق العاملين، وكانت الأمور تسير على خير، وهو يبدو بحالة جيدة. وبعد مرور تسعين ساعة على ولادته كانت الصدمة في وفاة الظبي الصغير بشكل مفاجئ وبدون أي مقدمات، فقد وجدوه نافقا عن عمر ناهز الأسبوعين. وبما أنه لم يعرف السبب، فقد قام الفريق المختص بإرسال عينات من النسيج الخلوي إلى مختبر الجينات البرية في الموقع لتحليلها، وأظهرت نتائج الاختبارات أنه عانى من مشكلة في الجهاز الهضمي.

ذباب الصنوبر.. كائن محلي مهم في دورة الحياة الفطرية

رغم الجهود الحثيثة للجمعية الملكية الأسكتلندية لعلم الحيوان في الحفاظ على الحيوانات الغريبة، فإنها تحاول إنقاذ الأنواع المحلية أيضا، كالقط البري الأسكتلندي، وذبابة الصنوبر الصغيرة. فذبابة الصنوبر لها دور مهم في دورة الحياة الفطرية، ففي طور اليرقات تساعد الذبابة في تحلل الأشجار الميتة، وهو أمر مهم للتنوع الحيوي العام في النظام البيئي للغابة، أما عندما تبلغ، فإنها تعمل على تلقيح الزهور.

ومع تراجع أعداد كثير من فصائل النحل يصبح هذا النوع من الذباب أكثر أهمية.

ذبابة الصنوبر فصيلة على وشك الانقراض

وباعتبار ذبابة الصنوبر فصيلة على وشك الانقراض على نحو حرج، وأعدادها منخفضة جدا، يحاول القائمون على محمية هايلاند للحياة البرية الأسكتلندية كفالة هذا الذباب، فقد تكاثرت أعدادها فيها أكثر من تكاثرها في البرية، وهو إنجاز يسجل لها، وخطة حماية هذا الذباب بطرق متطورة لإعادة هذه الحشرات إلى البرية هو مشروع ضخم بلا شك.

ففي هذا العام -في برنامج التكاثر- أنتجت 160 يرقة، مما يعني أن هناك توسعة للمرافق قيد الدراسة. وفي هذه الأثناء ستمكث هذه اليرقات في مقر إقامة مؤقتة. حيث تحتوي الأوعية الحاضنة على اليرقات التي تتغذى على مزيج مائي يشبه الحصى، وهو عبارة عن ماء المطر ونشارة خشب الصنوبر، ففيه تعيش اليرقة وعليه تتغذى.

في طور اليرقات تساعد ذبابة الصنوبر في تحلل الأشجار الميتة

وعندما تصل إلى مرحلة الشرنقة، ستتغذى على الطحالب التي تنشأ في هذا الجو الرطب، وبعدها تنقل في أوعية مخصصة لها لتقضي فترتها كشرنقة مدة شهر.

أقفاص الذباب.. أنظمة بيئية تحاكي الحياة في الطبيعة

في العام الماضي لم يكن في الحديقة سوى ثمانية صغار من ذباب الصنوبر، أما في هذا العام فسيزيد العدد عن مئة، وهذا ما يجعل فريق العمل المشرف على رعايتها توّاقا للانتقال إلى الكوخ الجديد الذي أصبح جاهزا.

أقفاص في غرفة الطيران التي توفر لذباب الصنوبر كل ما يلزم للبقاء والنمو

لقد كان ذلك تحولا جذريا في المشروع، فنُقلت الشرانق إلى مسكنها الجديد المجهز بأقفاص في غرفة الطيران التي توفر لذباب الصنوبر كل ما يلزم للبقاء والنمو، فهو مجهز بأنظمة إضاءة خاصة تعمل بمؤقت، وتحاكي الضوء الطبيعي في الخارج، وهو يعمل ضمن نظام تدفئة للتحكم في درجة الحرارة المناسبة.

وقد زُوّد بنظام الرذاذ لإبقاء كل شيء رطبا وجيدا، وهو ما يُبقي الأزهار -التي وضعت لإطعامها- في حالة جيدة، وقد وُقِّت موزع الرذاذ ليعمل كل ساعة ونصف الساعة لمدة خمس ثوان عندما يكون الذباب في الداخل.

نظام التلوين.. محاولة تنظيم كائنات شديدة التشابه

وللوصول إلى مستعمرة سليمة، فإنه من المهم المحافظة على مجموعة الجينات متنوعة، وللنجاح في ذلك، يجب على فريق الإشراف على المستعمرة أن يتمكنوا من تجنب تزاوج الأشقاء، لأن هذا هو مفتاح الأمر، ومع أن ذبابات الصنوبر تبدو متشابهة جدا، فإن فريق الإشراف يستطيع التمييز بين الذكور فيها من الإناث، ولا يلزم أكثر من هذا، لأنه من الصعب جدا التفريق بينها أكثر من ذلك.

وبما أنه من واجب هذا الفريق أن يكون قادرا على إدارة هذه الذبابات وتتبع ما تفعله واختيارها للشريك، وأيها تضع البيض، وأيها لا، فقد لجؤوا إلى نظام التلوين الذي يسمح لهم بوضع نقطة طلاء صغيرة على صدرها، لتمييز أي ذبابة من أي قفص.

يقوم المشرفون بوضع نقطة طلاء صغيرة على صدر الذبابة لتمييز أي ذبابة من أي قفص

وهكذا أصبح لديهم ذباب يحمل نقطة حمراء في القفص -رقم تسعة على سبيل المثال- وهذا يساعدهم فعلا على إدارتها. وعندما يشرح المشرفون لزوار الحديقة كل هذا، يظن بعضهم أنها مجرد ذبابة، وهي كذلك، ولكنها ناقلة للقاح أيضا، فالله وحده يعلم ما يمكنها تحقيقه إذا كان عددها أكثر من ذلك.

حلزون “بارتولا” المنقرض.. مستعمرة للتكاثر قبل العودة إلى الغابة

مثل ذبابة الصنوبر في الفائدة في الحياة الفطرية، يوجد كائن صغير بسيط آخر له أثر كبير في البيئة، إنه حلزون “بارتولا” الذي يتغذى على البقايا العضوية في التربة، ويوفر إعادة تدوير مذهلة للكربون. فقد يعلم الجميع أنه يمكن تعويض الكربون، ولكن من دون هذه الحلزونات في الغابة فإن هنالك أمورا كثيرة ستتوقف، صحيح أنها لن تتسبب في توقف كل شيء، ولكنها عنصر رئيسي في إعادة تدوير الكربون في الغابة.

حلزون “بارتولا” الذي يتغذى على البقايا العضوية في التربة

آخر أربعاء من كل شهر هو يوم مهم للمشرف في الحديقة “غاريث”، فهو يشارك في أحد أكثر برامج الحفاظ على البيئة تميزا، إنه الإحصاء الشهري لحلزون “بارتولا” من فصيلة كانت منقرضة في البرية، وتنحدر من بولينيزيا الفرنسية.

وقد أسست حديقة الحيوانات هنا مستعمرة خاصة لتكاثر هذه الرخويات الصغيرة إلى جانب شركاء آخرين ساهموا في المشروع، وتعمل الآن على إطلاقها في الغابات البولينيزية.

ويوجد في المستعمرة 14 خزانا، تحتوي على 1300 حلزون، وجميع العاملين فيها مدربون على كل ما يتعلق بحلزون “بارتولا”، ويمكنهم فورا التمييز بين مختلف مراحل حياة الحلزون. ولا يقوم “غاريث” بعملية عد الحلزونات فقط، بل يعمل على تصنيفها بحسب عمرها وينظفها ويُطعمها.

يطحن الطعام حتى يصبح كالمعجون، ثم يوزع على قطع من المناديل الورقية طعاما للحلزون

والطعام الذي يعد للحلزون يطحن حتى يصبح مسحوقا، ثم يضاف إليه الماء ليصبح كالمعجون، ثم يوزع على قطع من المناديل الورقية، فتذهب الحلزونات إليها وتلتقطها باستخدام المبرد، وهو ما يشبه اللسان لدى الرخويات.

ويقدم لها كذلك قطعة طازجة من عظم الحبَّار الذي يعرفه معظم من يربون الببغاوات والطيور الصغيرة، فهو يوفر مصدرا لكربونات الكالسيوم في طعامها، ويساعد على تشكيل صدفتها.

وبعد عَدِّ الحلزونات، تُعاد خزانات الحلزون النظيفة إلى مبنى خارجي، حيث يحتفظ بها قبل إعادتها إلى غابات بولينيزيا الفرنسية. هذا البرنامج البيئي الواعد يساعد على تعافي أعداد من فصائل انقرضت في البرية، أو هي على وشك الانقراض، حيث تتكاثر في الأَسْر ثم تُعاد إلى البرية.