“جمهورية الجراد”.. علاقة شائكة بين الإنسان والطبيعة في بلد يأكله الفقر

مع بدايات فصل الربيع من العام 2020، أصدرت الأمم المتحدة بيانها التحذيري المعني بهجوم محتمل لأسراب الجراد على الحيز الجغرافي الواقع في شرق أفريقيا، فهذه الحشرات التي لا تُعد ولا تُحصى قادرة في غزوة واحدة على تدمير المحاصيل الزراعية.

هذه المجموعات من الحشرات الطائرة لفتت انتباه المصور الفوتوغرافي الإيطالي “ميشيل سيبيلوني”، أثناء هجومها الكثيف على الأشجار خلال عبوره الحدود في شرق أفريقيا، فألهمته فكرة تأليف كتابه الفوتوغرافي “نسينيني”.

لكن ما استوقف نظره حقا ليس أسراب الجراد لحظة اقتحامها للأراضي الزراعية، بل تلك المصائد المُضيئة التي توقع أكبر عدد منه في سياجها، مما يكشف عن صراع خفي بين الإنسان والطبيعة، إذ يواجه كل منهما الآخر بحثا عن سُبل متباينة للبقاء.

ومن هنا لم تختمر فكرة الكتاب المصور فحسب، بل طُوّعت وطورت وأُخرجت في فيلم وثائقي يحمل اسم المنطقة الواقعة في مرمى هجوم الجنادب، ألا وهو “جمهورية الجراد” (Grasshopper Republic)، وقد أُنتج عام 2023، وأنجزه المخرج وكاتب السيناريو الأمريكي “دانييل مكابي”.

هجوم الجراد السنوي.. ظاهرة طبيعية فريدة تحمل أفكارا مستترة

فيلم “جمهورية الجراد” هو ثاني التجارب الوثائقية الطويلة للمخرج “دانييل مكابي”، بعد فيلمه الأول “هذه الكونغو” (This is Congo) الذي أُنتج عام 2017.

يدور مضمون “هذه الكونغو” حول الصراعات العرقية والسياسية في الكونغو، ومن ثم يبدو المخرج مهموما بالتعبير عن كل ما يتماس بأفريقيا، وما بها من مشاحنات وحروب، وما يوازي ذلك الواقع المأساوي من عالم آخر لا تعرضه الكاميرات، ولا يقل إثارة عن تلك الأجواء المُشتعلة، فعالم الطبيعة يحتوي سحرا لا يُضاهى.

هذا السحر الخلاب هو محور فيلمنا “جمهورية الجراد”، الذي يبدو ظاهريا أنه يتناول ظاهرة طبيعية فريدة، وهي هجوم الجراد السنوي خلال موسم الأمطار، لكنه يحمل بين طياته أفكارا مُستترة تحتاج للقراءة والتأويل، سعيا للفهم وكشفا للمجهول غير المطروق، فعلاقة الإنسان مع البيئة المُحيطة به دوما ما تبدو إشكالية ومُفخخة بالأسئلة الشائكة عن مدى وقوة الاحتكاك بينهما، فأي منهما يؤثر في الآخر إيجابا أو سلبا؟ وكيف تُصبح هذه الطبيعة لاعبا أساسيا في بحث الإنسان الدائم عن الثراء والمكسب السريع؟

وللإجابة عن دفقات الأسئلة السابقة يستدعي الفيلم عالم صائدي الجراد، وينشط عملهم خلال موسم الأمطار، أثناء تدافع تشكيلات الجراد المُهاجمة لحزام القرى الزراعية، وحينها تقف شِباك الصيد في استعداد وتأهب لقنص العدد الأكبر من هذه الحشرات العنيدة ذوات الأجنحة الخضراء.

دائرية السرد.. مشهد الختام يفسر البداية

يبدأ الفيلم بمقدمة تسبق كتابة العنوان، تحوي مشاهد متناثرة نرى فيها عبر لقطات مقربة الجراد وهو يسعى للهرب من الأوعية البلاستيكية التي كُدّس بداخلها، ثم تتبع هذا المشهد لقطات أخرى تُبرز أيدي بعض الرجال أثناء حصرهم للنقود، وفي الخلفية يتدافع بضعة رجال لشراء أكبر قدر من الجراد.

عبر هذه المشاهد المتوالية التي سيتكرر ظهورها فيما بعد، يُرسل إلينا السرد إشارات ودلالات للعلاقة الخفية بين الجراد الذي تتميز دورة حياته بالتكاثر المُفرط، وبين الأموال التي تتوالد من التجارة المربحة لهذه الحشرات.

فقد اعتمد الفيلم على الأسلوب الدائري في السرد، بحيث تصبح لقطة البداية هي لقطة النهاية، ومن ثم يبدو كل ما يسبق المشهد الختامي ما هو إلا تفسير للبداية، وبذلك تتحول اللقطات النهائية للفيلم إلى لحظات تنوير كاشفة عن ماهية كل ما جرى أمامنا على الشاشة.

وللتعبير عن هذا المغزى، لا يتخلى الفيلم في بنائه عن الالتزام بالفصول الثلاثة التقليدية، البداية والوسط والنهاية، وكل تلك الفصول الثلاثة يُسلم بعضها بعضا في مصفوفة سردية شديدة الإحكام، ولا تُخل بالأخرى، مما يكشف عن موهبة إخراجية واضحة لا تقبل الشك، لا من ناحية القدرة على التحكم في السرد فحسب، بل في ذكاء السرد الوثائقي ومزجه بمسحة درامية تُساهم في تدفق الإيقاع ودفعة للأمام.

فنحن أمام قرية يُصيبها هجوم الجراد بصفة مستمرة، تكاد هذه الأسراب تُصيبها بالشلل التام، وتُصبح مفاصلها متراخية الإدارة أمام الهجوم المُباغت، لذا وبحثا عن سُبل أفضل لمواجهة الحياة يلجأ هؤلاء القاطنون في محيط أرض المعركة إلى أساليب مُفاجئة لاصطياد الجراد.

صورة بانورامية لقرية جمهورية الجراد

ومن ثم تتبدل العلاقة بين الإنسان وهذه الحشرة التي لا يتعدى طولها أصبع اليد الواحدة، فتصبح هي الضحية المفعول بها، فالصياد الذي يُمثل جانب الإنسان والجراد الذي يُمثل الطبيعة، يجابه كل منهما الآخر، ويتلاحم عالمهما في سيمفونية صاخبة.

الإنسان والجراد.. عالمان يتربص كل منهما بالآخر

مع المشاهد الأولى من الفيلم، واللقطات المقربة للأطياف المختلفة من الجراد وهي تطفو على الشاشة بين الحين والآخر، نُتابع كيف تسير بتؤدة على أوراق الأشجار، أو نراها وهي تلتهم المزروعات الخضراء جماعيا، وفي لقطات أخرى نرى اليرقات الصغيرة وهي تخرج من جدار الأم، وتقتحم العالم الجديد بحثا عن طعام يسد جوعها الذي لا يُشبع.

في المقابل، تتدفق مشاهد أهل القرية في حيواتهم الرتيبة التي لا يكاد يتغير مسارها اليومي المُتكرر، هذا من ناحية، وعلى الجانب الآخر نرى صائدي الجراد وهم يُعدون أدواتهم وآلاتهم لموسم الصيد القادم، وهكذا ينسج الفيلم بنيته الخاصة عبر تقديمه شذرة من هنا مع أخرى من العالم الموازي، حتى تكتمل الصورة فيما بعد، ونصل للمضمون العام الذي سيتضح كلما توغلنا أكثر في السرد.

فقد بدا أن الفيلم يحوي بين طياته عالمين، عالم الإنسان وعالم الطبيعة أو الجراد، كل منهما تسير حياته وفق منهج مُحدد، لكن كل عالم يتربص بالآخر، ويحتاط من لقائه، ففي أحد المشاهد نرى مجموعة من الأفراد يتبادلون الحديث في شيء ما بجوار إحدى الأراضي الزراعية، في حين تقترب الكاميرا من الحشرات المُختبئة والمكنونة بين المحاصيل، تعتاش عليها، ودون أن يشعر هؤلاء المُرابطون عن كثب بوجود كائن آخر يمارس دورة حياته الطبيعية.

وهذه إحدى الأفكار التي يرغب الفيلم في التعبير عنها، وهي العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وكيف يحتك كل منهما بالآخر؟ فالإنسان أو ما يُعادله هنا (أي صائدو الجراد) ينتظر موسم الأمطار الذي يتكرر كل عام، ففي تلك الفترة تكثر أسراب الجراد حتى تُقدر بمئات الملايين وبالمليارات أحيانا، لكن الإنسان لا يقف مكتوف الأيدي أمام هذا الهجوم القاسي، فيُباغتها بالهجوم قبل أن تبدأ هي بالانقضاض عليه.

وعندئذ يتشابك العالمان ويندمجان وينصهران معا في وحدة عضوية واحدة، فقانون البقاء يجب أن يُنفذ، والنتيجة التلقائية لهذا الصراع، هي أن عنصرا واحدا يستحق أن يُكمل مسار الحياة، فسطوة الإنسان وإصراره الذي يتبدى في مراحل الاستعداد للمواجهة المُنتظرة مع حجافل الجراد خير دليل على هذه السطوة التي دوما ما تملك الكلمة العليا في مثل هذه المعارك البيئية.

فخاخ الضوء.. لمعان يؤدي إلى رقصة الموت

يبدأ الفيلم رقعته السردية بالتمهيد للعالم الذي تجري بين جهاته الأربع وقائع الأحداث المُنتظرة، فيكشف عن المكان الذي يقع في غرب أوغندا، تتساقط عليه سنويا أعداد غفيرة من تلك الأسراب الخضراء، ثم ينتقل الفيلم عبر فصله الثاني -ويُعد الأطول زمنيا من مساحة الفيلم البالغة نحو 93 دقيقة تقريبا- إلى ما قبل هجوم الجراد، وكيف يستعد الصيادون بمختلف الوسائل، لا للمواجهة والدفاع، بل لاصطياد القدر الأكبر من تلك الحشرات الهائمة التي يحين موعد هجومها وفق جدول زمني لا تحيد عنه، وهي إشارة دالة لديمومة التوازن البيئي.

الجراد يختبئ بين أوراق الشجر والمحاصيل الزراعية

نُتابع تسلسل مراحل صيد الجراد في مشاهد مفصلة وطويلة ذات إيقاع بطيء نوعا ما، يكشف الفيلم عبر هذا التتابع تعقيدات العملية ذاتها، وما يصاحبها من مُعضلات يُمكن حصر الجزء الأكبر منها في ملكية الأراضي التي يتوقع هجوم الجراد عليها، وهنا يأتي دور القوة التفاوضية، سواء في شراء هذه الأراضي أو تأجيرها لوقت معلوم المدة، مثلما نرى في أكثر من مشهد أصحاب هذه الملكيات الزراعية أثناء تفاوضهم على الثمن المُبالغ فيه في أغلب الأوقات، فالجميع مُشارك في هذه التجارة، حتى وإن كان التفاعل فيها من الكواليس.

تُتابع الكاميرا في حركات متمهلة مقصودة تماما كيفية جمع الصيادين للكشافات المُضيئة بالألوان الفسفورية، والعمل على ربطها معا بشبكة كهربائية، وعند التأكد من جاهزية الأضواء، يجمع أكبر قدر من الأوعية البلاستيكية الكبيرة الحجم، لتلتقط الحشرات المُتساقطة التي أصابتها الأضواء، إذ تعمل هذه الألوان المُضيئة على تشويش جهازها العصبي.

حينها يفقد الجراد القدرة على الحركة، ويبدأ في التخبط، حتى يسقط فاقدا للوعي، وبذلك يلعب سكان تلك المنطقة الجغرافية أدوارا لا تقل أهمية عن المُشتغلين في هذه الصناعة، فالجميع يُقدم العون وفق قدرته ومهاراته التي لا يعرف سواها.

“سيراجي”.. ملك الجراد في بلد يأكله الفقر

منذ المشاهد الأولى وعدسات الكاميرا تُتابع شخصا ما هو المسؤول الأول عن عمليات الصيد، يجمع الأفراد العاملين معا، ويوزع الأعمال عليهم، كل وفق قدرته وخبرته المهنية السابقة، تُرى من هذا الشخص الذي يملك بين راحتيه كل هذا النفوذ وهذه السيطرة؟

لا يُخبرنا السيناريو بالكثير عن “سيراجي” ذلك الشاب الموكل إليه أعمال الصيد، لكن ما يظهر طوال مدة الفيلم هو دأبه وخبرته العميقة التي تُدير شؤون الصيد المُنتظر، والأهم هو قدرته على التعامل مع هذا الكم من الأعداد الغفيرة من الراغبين في العمل في هذه التجارة، لذلك ينتقل الفيلم لطبقة أخرى من الأفكار التي يتداول مضمونها، ألا وهي التكاتف من أجل الوصول لحياة أفضل، فالجميع يعملون معا بداخل نسيج واحد.

وهنا يُلقي الفيلم نظرة بانورامية على الداخل الأوغندي، فالبدائية والفقر هما المُسيطران بشدة على مفاصل المجتمع، تلتقط الكاميرا وجوه السكان، فالمرض والهزال مُتحكمان في حياتهم، ناهيك عن علامات الفقر والعوز التي تظهر بجلاء ووضوح، ومن ثم يبدو الترابط بين العمل في تجارة الجراد، والبحث عن سُبل أفضل للحياة وثيق الصلة، فالرغبة في الإثراء السريع والمكسب المُتنامي تبدو منطقية في ظل مُجتمع لا يزال يُعاني من ويلات اقتصادية، تكشفها مشاهد السكان المحليين، والشوارع التي تبدو كأن غبار الماضي لم يتزحزح عنها بعد.

سيراجي القائم بأعمال صيد الجراد

لذا فعندما يزور أحد السكان المرضى صيدلية القرية في أحد المشاهد بحثا عن دواء لما ألم به من مرض، تكون إجابة الطبيبة المُتخصصة أن يبتعد عن صيد الجراد ثلاثة أشهر، فيجيبها عفويا أنه لا يستطيع التخلي عن العمل، فهو لا يُدرك مهنة غيرها، كما أن أسراب الجراد توشك أن تصل، وينتقل الفيلم من هذا المشهد إلى أخطار هذه المهنة على العاملين بها.

تصحبنا الكاميرا في جولة حرة مع أحد الصيادين قد غزت البثور وجهه، فنجده يسعى لإزالتها والعبث بها، مما يُعزز انتشارها على نحو أوسع، ومع ذلك لا يتوقف عن المشاركة في التجهيز لعمليات الصيد، فالرغبة في استكمال دورة الحياة عبر العمل هي الأقوى.

“هذا العمل يشبه التنقيب عن الذهب”

ينطلق الفصل الثالث من الفيلم مع بدء حلول الليل، وتقدم أسراب الجراد المُستطلعة للأجواء، ومن ثم تتجه نحو الأضواء الفسفورية التي تجذبها الواحدة تلو الأخرى، وعندما تلتقي عيناها بهذه الأضواء تُصاب بالترنح الفوري، ويُصبح أمر سقوطها داخل الأوعية الخشبية مسألة وقت فحسب، وهنا ترافق الكاميرا رجل البثور الجلدية، ونجد يده تُسابق زملاءه في اقتناص جثث الجراد المترامية بعيدا.

فقد استطاع مديرو التصوير الثلاثة “دانييل مكابي” و”مايكل مكابي” و”ميشيل سيبيلوني” تقديمَ أجواء الصيد المتلألئة بالألوان الفسفورية البراقة، والمطعمة بلون السماء الأسود الكابي، فالصورة هنا غير اعتيادية، يتماس فيها الواقعي مع الغرائبي في سيمفونية بصرية مُحكمة الإيقاع، ولذا فإن كل من يشاهدها سيظن تلقائيا أن ما يراه ليس إلا فيلما من أفلام الخيال العلمي، لكن الواقع أنه ليس إلا صورة حقيقية تماما، وما كل هذا سوى انعكاس لما جرت وقائعه أثناء مرحلة الصيد.

مخرج الفيلم دانييل مكابي

وفي هذا السياق يقول مخرج الفيلم “دانييل مكابي”: يتتبع الفيلم مجموعة من صائدي الجراد عدةَ مواسم، فالجراد طعام شهي جدا في أوغندا، وإذا أمسك هؤلاء الصيادون أسراب الجراد في الوقت والمكان المُلائمين، فيمكنهم جني أجر عام في ليلة واحدة، فهذا العمل يشبه التنقيب عن الذهب.

اقتصاد الجراد.. مجتمع يلهث وراء الثراء السريع

اعتمد السرد في الفصل الثالث على الصورة رافدا أساسيا للتعبير، دون الحاجة إلى المزيد من الحوارات أو التفاصيل الجانبية، فالصورة أبلغ وسيلة لإيصال المراد من الإشارات والدلالات، تلك العلامات التي سيتضح مغزاها في المشاهد التالية المُصورة بالإيقاع البطيء، والمُطعمة بمقطوعة عذبة من الموسيقى، وهي تكشف عن قطاع كبير من الشعب الأوغندي يعمل في هذه التجارة.

تتحرك الكاميرا بين العاملين في بيع الجراد المطهو والمُعد ليكون وجبة غذائية تُباع في الأسواق، ويكاد ينقسم المجتمع الأوغندي إلى شقين، الأول يعمل في تجارة هذه الحشرات، والآخر لاهث وراءها، فذلك تعبير عن مجتمع استهلاكي لا يحكمه سوى الركض الدائم وراء الثروة.

هذا المجتمع القريب منا والبعيد في الوقت نفسه يُقدمه الفيلم ويبلوره في سردية مُتباينة عن ما نُدركه، تمحو أي معرفة مُسبقة عنه، وتؤسس لإدراك مغاير عن بيئة يشتبك فيها الإنسان مع الطبيعة، وتطرح المزيد من الأسئلة المؤرقة عن التوازن البيئي المُهدد، بسبب التداخل القسري بين البحث عن الثراء، والدفاع عن الحق المشروع في الوجود.