“شارع الأنبياء”.. اقتصاد مزدهر ومجتمع متنوع في أم المدائن المقدسة

تحظى مدينة القدس بمكانة خاصة لدى البشر جميعا، وذلك لما لها من قداسة وعراقة تجعلها قبلة لكل إنسان يدين بدين سماوي أو ينتمي لحضارة عريقة، ونظرا لما لهذه المدينة من رمزية على مستويات عدة، دينية وحضارية وسياسية، فقد استقرت في ضمير الناس وفي عمق حضارتهم، لتكون محور صراع امتد على مدار التاريخ بين الممالك والحضارات المتعاقبة.

ففي منتصف القرن الـ19 أخذت القدس بالتوسع خارج أسوار المدينة القديمة، وشهدت ازدهارا عمرانيا وتجاريا، وأخذت بالتمدد شمالا وجنوبا وغربا، فنشأت أحياء وشوارعُ كثيرة، مثل شارع يافا وشارع الخليل وشارع نابلس. وكذا “شارع الأنبياء”، الذي هو عنوان فيلم وثائقي أنتجته الجزيرة الوثائقية وعرضته على شاشتها، وستحكي السطور التالية قصته.

شارع الأنبياء.. تسمية صاغها الانتداب البريطاني

يذكر الدكتور عادل منّاع، وهو باحث ومؤرخ مقدسي، أنّ العرب سكنوا داخل أسوار المدينة المقدسة، بحثا عن الأمان. وكان عدد البيوت خارج الأسوار محدودا جدا، من الجهة الجنوبية في حي البقعة، ومن الشمال في حي الشيخ جراح، وكانت تسمى قصورا بسبب ضخامتها وقوتها، فقد بنتها عائلات أرستقراطية غنية، فبعضها يعود إلى القرنين 17 و18، وهي موجودة حتى يومنا هذا.

خارج أسوار البلدة القديمة في القدس، يقع شارع المصرارة أو ما عرف فيما بعد بشارع الأنبياء

يقول سمعان سنيورة، وهو أحد سكان شارع الأنبياء: بدأ تأسيس هذه الطرق عندما دخل الألمان إلى المنطقة في القرن الـ19، حين زار المدينة القيصرُ الألماني “فيلهلم” في 1898، وبعدها بدأ الألمان والنمساويون شراء وتشييد الأبنية، واحتفظوا بعلاقات طيبة مع أهل القدس.

وعن سبب التسمية يقول الدكتور منّاع: سُمّي شارع الأنبياء بهذا الاسم من قبل البريطاني “ستورز”، في فترة الانتداب البريطاني بداية العشرينيات من القرن الماضي، ويقال إن سبب التسمية هو الاعتقاد بأن عددا من الأنبياء دفنوا هنا، والمعروف من تلك القبور هو قبر عكاشة، ويوجد كذلك مسجد باسمه، وهو أحد مئات المساجد المهجورة منذ 1948، بسبب أن دولة الاحتلال لا تهتم بدور العبادة التي هي لغير اليهود.

ميدان “دفكا”، هو تقاطع شوارع مهمة في القدس الغربية ينتهي عندها شارع الأنبياء

لكن سكّان الشارع من العرب يصرّون على تسميته “شارع المصرارة”، ويقولون إن الإنجليز والصهاينة هم الذين سمّوه “شارع الأنبياء”، نسبة إلى أنبياء بني إسرائيل الذين دفنوا في المكان، وذلك لإضفاء شرعية دينية على احتلالهم الظالم للقدس وفلسطين.

سرة القدس.. سباق الدول العظمى لامتلاك الأراضي

يمتد شارع الأنبياء من ساحة باب العمود في وسط مدينة القدس شمالا، ليخترق الخط الوهمي بين القدس الشرقية والغربية، وينتهي بميدان يسمى “دفكا”، وهو عبارة عن تقاطع شوارع مهمة في القدس الغربية. وقد كان شارع الأنبياء محط أنظار البعثات التبشيرية التي بدأت تعود إلى المدينة تحت غطاءات مختلفة، وتحديدا في الفترة التي ضعفت فيها الدولة العثمانية، مثل مستشفى البعثة التبشيرية الإنجليكانية “هداسا”.

مبنى مستشفى البعثة التبشيرية الإنجليزية بشارع الأنبياء بالقدس

وقد تسابقت الدول العظمى لامتلاك أراض وأبنية لأغراض دبلوماسية وإنسانية، فاشترت روسيا منطقة الميدان وأقامت المسكوبية، وهي مقرّ الشرطة الإسرائيلية حاليا.

أما الإيطاليون فقد أقاموا المستشفى الطلياني أواخر القرن الـ19، وبنت بريطانيا قنصليتها في المنطقة، وفي أربعينيات القرن الـ20 أقيمت قنصليات أخرى في القدس، منها القنصلية الفرنسية والألمانية والنمساوية وقنصليات دول أخرى، وبهذا أصبح للدول الأوروبية الكبرى موطئ قدم راسخ في القدس.

الاحتلال الصهيوني.. أحياء يهودية تحاصر الأحياء العربية

مع انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1948، استغلت العصابات الصهيونية حالة الفراغ السياسي والعسكري، وأعلنت قيام الدولة الإسرائيلية، وشرعت في تصعيد حرب الإبادة والتهجير، وبث الذعر في نفوس العرب الفلسطينيين لإجبارهم على ترك بيوتهم.

يقول سمعان سنيورة: خدم أبي في الشرطة الفلسطينية 20 سنة أيام الانتداب، وعند إعلان دولة الاحتلال نقلوه إلى “الشرطة البلدية”، فقد كانوا يفصلون بين الشرطة الفلسطينية واليهودية.

جنود عرب حولتهم بريطانيا فيما بعد إلى شرطة كي لا يقاتلوا ضد المحتل الصهيوني

وقد أحيط شارع الأنبياء بعد ذلك بالأحياء اليهودية من جميع الجهات، وحوصرت الأحياء العربية في منطقة المصرارة، وأصبح السكان العرب معرضين للهجوم المتكرر من عصابات “الإيتسل” و”الهاغانا” الصهيونيتين، مما اضطر أكثرهم إلى هجر بيوتهم بسبب مضايقات الاحتلال

يقول أبو سعيد منى، وهو أحد سكان شارع الأنبياء: كان جيش الاحتلال يهدد السكان العرب بإطلاق النار العشوائي لتخويفهم، فدعت منظمة المؤتمر الإسلامي لبناء سور يبدأ من باب العمود وينتهي بحي الشيخ جراح، حتى يحجز ويحمي البيوت العربية من إطلاق النار الصهيوني.

“أملاك الغائبين”.. سياسة تنهب البيوت الفلسطينية

يقول رائد سعادة، وهو مالك أحد الفنادق: شارع الأنبياء منطقة حدودية مهمة، ويجسد سياسة الاحتلال في الاستيلاء على بيوت الفلسطينيين الذين اضطروا لهجر منازلهم بسبب العنف الصهيوني، فيما يسمى بسياسة “أملاك الغائبين”، وكذلك هدم بعض من أهم البيوت الفلسطينية القديمة في هذا الشارع، لأنها تحمل إشارات عربية صريحة على حجارتها وأبوابها.

منازل فلسطينيين أثرياء هجروها خوفا على حياتهم فتملكها الغرباء من بعدهم بلا مقابل

وبعد حرب 1948، أقيمت منطقة عازلة سمّيت “نومانز لاند”، لا تتبع لأي طرف، وبها بوابة تفصل بين طرف المدينة الشرقي الفلسطيني الواقع تحت السيطرة الأردنية، والغربي الواقع تحت سيطرة الاحتلال، وتسمى بوابة “مندلبوم”، نسبة لعائلة كانت تمتلك منزلا في المنطقة، وكان المسيحيون يستخدمونها للعبور إلى أماكنهم المقدسة في الأعياد.

بوابة “منندلبوم” تفصل بين طرفي المدينة الشرقي الفلسطيني تحت السيطرة الأردنية والغربي تحت سيطرة الاحتلال

يقول ماهر طه، وهو من سكان شارع الأنبياء: بنى الجيش الأردني سورا يفصل بين القدس الشرقية والغربية في 1949، وكان يعسكر في مبنى تملكه عائلة “دار القدوة الطزيز”، وهو أحد أشهر البنايات في الشارع، وبقيت المنطقة خالية حراما، لا يوجد فيها سكّان غير أفراد الجيش الأردني.

“الجيش الذي يفتح بلادا تباح له ثلاثة أيام”

بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب 1948، تعمّقت قناعة لدى جيش الاحتلال، أن أي هزيمة تحلّ به من شأنها أن تقوّض أركان الدولة الصهيونية، ولهذا شن الصهاينة حربا في 1967، انتهت باستيلاء إسرائيل على كامل فلسطين، بما فيها القدس الشرقية.

المسكوبية هي مجموعة مبان دبلوماسية أقامتها روسيا تمثيلا لها في المدينة المقدسة

ويستذكر أهل المنطقة هذه الهزيمة، فيقول الحاج صالح حجازي: طُردنا من المنزل، وساقونا إلى المسكوبية. ويقول أبو سعيد: رأينا جيش الاحتلال ينهب ممتلكات المنازل ويقول لنا “الجيش الذي يفتح بلادا تباح له ثلاثة أيام”. أما جورج برامكي فيقول: سقط عدد كبير من أفراد الجيش الأردني في الحرب، وكنا نسارع لإسعافهم.

والحقيقة أنه كانت هنالك مقاومة عنيفة من الجيش الأردني والفلسطينيين ضد الاجتياح الصهيوني، وسقط مئات القتلى من جنود الاحتلال، وليس الأمر كما يدّعي الاحتلال أنه دخل القدس دون مقاومة، وإلّا فما تفسير النصب التذكاري لقتلى اليهود في شارع الأنبياء؟

سوق المصرارة.. مضايقات في أقدام أسواق القدس

لشارع الأنبياء أهمية اقتصادية كبيرة في حي المصرارة العربي، فهذا الحاج نائل أحمد يقول: للشارع أهمية تجارية كبيرة، ففيه أقدم أسواق القدس (سوق المصرارة التجاري).

سوق المصرارة التجاري، أقدم وأكبر سوق في شارع الأنبياء

ويقول الحاج مصطفى أبو زهرة، وهو من كبار التجار: كان حي المصرارة سوقا مركزيّا كبيرا منذ 1967 وحتى نهاية السبيعنيات، وبعد ذلك حوصر السوق وعملت حواجز ومضايقات لتحويله إلى سوق فرعي، حيث تخالف سيارات نقل البضائع، إمعانا في التضييق.

ويشكو العمال الفلسطينيون، القادمون من قرى الخليل وبيت لحم من غلاء التصاريح والمواصلات، إذ يمكن أن يكلف تصريح العمل أكثر من 400 دولار، وقد لا تجد عملا ويضيع يومك بلا مقابل، والتضييق على الحواجز كبير جدا، بسبب فتحها ساعات محدودة جدا في الصباح الباكر.

كعك القدس.. نكهة التنور العربي وبَركة المكان المقدّس

كعك القدس هو اختصاص مقدسي بامتياز، يتوافد الناس لشرائه من القدس ومن جميع أنحاء فلسطين، ويعزو أصحاب الأفران العربية في شارع الأنبياء هذه النكهة الخاصة للكعك المقدسي إلى طريقة خبزها في التنور العربي الذي يوقد بالطريقة التقليدية، وكذلك إلى بركة هذا المكان المقدس.

كعك القدس، واحد من أهم المخبوزات التي تشتهر بها مدينة القدس ويقصدها جميع الزوار

يقول حازم العجلوني، وهو مالك فرن الأمين في شارع الأنبياء: كان الزوار ممن يأتون للصلاة في الأقصى يشترون الكعك ومختلف البضائع من المدينة، ولكن أعدادهم قّلت كثيرا بسبب الحواجز التي وضعت، وعدم منحهم تصاريح للدخول، وهذا أثّر على عملنا نحن البائعين.

فاقتصاد القدس قائم على السياحة الداخلية، فجميع أهل فلسطين يؤمّون المسجد الأقصى ويتسوقون في المدينة.

تنوع الأعراق والأديان.. بنية ثرية عجز الاحتلال عن تفكيكها

عندما تسير في شارع الأنبياء باتجاه الغرب، يبهرك تنوع السكان، فترى الإيطاليين والسويديين والإثيوبيين والفرنسيين والأمريكان. والشارع مليء بالمؤسسات الصحية والسياسية والدينية والدبلوماسية، ولكن قلّت فيه أعداد المحال التجارية، وكان المجمّع الروسي “المسكوبية” من أوائل استثمارات الدول العظمى في القدس، وهو من أكبر المجمعات حتى الآن، مع أنه أزيل جزء منه كانت فيه كنيسة الثالوث المقدس.

كنيسة الحبشة، معلم من معالم القدس التي ما زالت تقيم شعائرها حتى اليوم

وللإثيوبيين شارع خاص وأملاك في القدس، منها الكنيسة الإثيوبية، وما يزالون يحافظون على شعائرهم الدينية والاجتماعية بحسب كنيسة الحبشة، ويقيمون أعراسهم في الصباح الباكر، فتأتي العروس في الساعة الرابعة صباحا إلى الكنيسة، لتقديم القربان قبل مراسم الزفاف.

ويجسد الشارع معنى مدينة القدس التي ينتمي إليها عدد من الأعراق والأديان، وقد تعمدت السياسات والإجراءات الإسرائيلية في شارع الأنبياء خاصة والقدس عامة، أن تحدث أكبر قدر من التشوه في البنية الاجتماعية والاقتصادية، ولكنها فشلت في تفكيك صمود ساكنيها وتمسكهم بها والدفاع عن عروبتها.