“اختفاء الدلتا”.. سرطان بطيء يلتهم مستنقعات جنوب لويزيانا

قد يهونُ العمرُ إلا ساعةً
وتهون الأرض إلا موضِعَا

هكذا قال أحمد شوقي يوما، فكما تحمل الأرض جذور الشجر، فإنها تحمل جذور أهلها، فماذا لو هُددت الأرض بالاختفاء أو التآكل أو الغرق؟ ماذا لو تغير تكوينها واختلفت ملامحها؛ هل يبقى أصحابها كما كانوا؟

في الفيلم الوثائقي “اختفاء الدلتا” الذي عرضته الجزيرة الوثائقية، نخوض هذه القضية عبر ولاية لويزيانا الواقعة في جنوب الولايات المتحدة، ويشكل معظم أراضيها دلتا نهر المسيسيبي، فقد بدأت تربتها تتآكل منذ سنوات، حتى أصبحت من أسرع مناطق العالم تآكلا، مما يؤدي لانهيارها وغرقها.

يتطرق الفيلم في قرابة الساعة، لأسباب ذلك ويرصد هذه التغيرات علميا واجتماعيا من خلال خمسة قصص لأشخاص مختلفين يرتبطون بالمكان، بين عاملين وعلماء يعملون على إنقاذه بتمويل أمريكي، أو سكان أصليين.

لويزيانا تتصدر قائمة الأماكن المتأثرة بالتغيرات الساحلية وتغير مستويات البحار

يبدأ الفيلم بتأسيس قصير، يدخل مباشرة في الموضوع بتعليق صوتي يخبرنا بتصدّر لويزيانا قائمة الأماكن المتأثرة بالتغيرات الساحلية، وتغير مستويات البحار، حيث تتأثر بذلك الدلتاوات خاصة، مثل لويزيانا وبنغلاديش ودلتا النيل وطوكيو والبندقية وغيرها.

ومع لقطات للمستنقعات والمياه في طرق لويزيانا وغمر لبيوتها، تُسرد القصص بشكل مستقل متتالٍ، في حين يرتبط الجميع بنفس الموضوع والمكان بزوايا متعددة بأشخاص مختلفين، مع تقاطعات أحيانا بين شخصياتها أو أماكنها.

دلتا المسيسيبي قبل وبعد ارتفاع منسوب المياه

كما يستخدم الفيلم وحدات مكانية وبصرية ذات زوايا مختلفة، تدعم وحدة الموضوع وتربط بينها جميعا، كأصوات خرير المياه ومشاهد الشمس الغاربة والقوارب عند المراسي، وعلم أمريكا المتكرر في كل القصص وكأنه تذكير لها بواجبها، وإطلالات لأغنيات هادئة، واستخدام الخرائط والرسوم الإيضاحية والزوايا المرتفعة، واستعراض أشجار السنديان (البلوط) الجرداء على الضفاف، وهي أشجار ضخمة معمرة وارفة الظل تنمو ببط.

تأمين السواحل.. زحف وانهيارات تهدد جنوب لويزيانا

نرى في الفيلم د. “أليكس كولكر” عالم جيولوجيا السواحل مع زميلته، وهما يقيسان التربة وعمقها بأجهزة معينة بين النباتات في إحدى الجزر المحاطة بالأرض الرطبة في لويزيانا، يستكشفان نوعها هل هي طين أم طمي أم رمل، وهل هي عذبة أم مالحة عن طريق تذوقها، لاستنتاج حالتها وتماسكها. ثم نراهما وهما يستكشفان حركة الماء في قارب وسط ممرات النهر.

“أليكس كولكر” عالم جيولوجيا السواحل

وقد حوّل “أليكس” عمله من مطاردة طيور الحدأة إلى البحث الجيولوجي، حين أدرك أن “الوحل لم يتحرك بسرعة شديدة”، فلا شيء يأتي فجأة، ومن ثم كانت الدراسات المبكرة شديدة الأهمية، فيقول إنه في بيئات الماء الضحل، ليس السؤال هل ستَعلق أم لا، بل كيف ستتعامل مع الوضع حين تعلَق، وهو دوره الحقيقي بوصفه جيولوجيا.

يعمل “أليكس” بالاتحاد البحري لجامعات لويزيانا، ويقول إن من أهم مزايا المركز توفيره لمياه بحرية، بعمليات وأجهزة معينة، ويشبّه كثيرا من الانهيارات هنا بالإسفنج الذي يتمدد حين يبتل ويتقلص إذا ما جف، وما يهمهم هو معرفة احتمالية هذا التقلص والغرق، فجنوب لويزيانا تغرق أرضه سنتيمترا في السنة، فقد تقلصت حواجز الأهوار التي تحمي من الفيضان، ويرى “أليكس” أن تأمين السواحل بتسريع وتيرة بناء الأرض مقابل ارتفاع مستويات المياه لافت أيضا، لأهمية التعامل مع الغازات الدفيئة، ومراعاة مصالح الناس.

محطة بترول هجرت وأغلقت بسبب ارتفاع منسوب الماء حولها

وخلال حديثه، نرى أشجارا جرداء بمحاذاة النهر تقف عليها غربان أو طيور سوداء، يصفها بأشجار شبحية ميتة بعكس ما مضى، ونرى لائحات لأماكن هجرت وأغلقت، منها محطة بترول وموقع صناعات ثقيلة، مع مشاهد لقوارب بخارية معطلة مهجورة، ومداخن بها شعلة مرة ودخان مرة، فذلك أحد أسباب هذا الوضع، مع لمحات رمادية ولقطات مقابر، توحي كلها بالأفول، في حين نرى أيضا الحياة مزهرة في النباتات والتماسيح والحشرات والطيور.

اختفاء المستنقعات.. سرطان بطيء يلتهم الأرض

“ألبرتين كمبل” صائدة بط متوسطة العمر، تهوى صيد البط، نراها مع صديقها بملابس مموهة، يراقبان البط مع بندقياتهما وكلب صيد أسود، ونسمع صوت البط في سربه وصوت الطلقة، يذهب الكلب لانتشال البطة الواقعة في النهر، ثم نراهم في زورق من أعلى، ونرى “ألبرتين” في منزلها تحكي عن عالمها وعن بيتها المرتفع في مقاطعة عند مصب النهر، فهي وحدها كل سكانها. وفي بيتها بط محنط معلق تحكي عنه وعن أنواع البط بتباهٍ، مثل “البلبول الشمالي” وبطة و”يدجن” والبطة “قنابية الظهر”.

“ألبرتين كمبل” هاوية صيد بط

وفي بيتها، نرى صورا قديمة لعائلتها ولجدها يمسك مجسمين لبطتين، وصورة لرجال من العائلة مصطادين بطا، فهي حرفة عائلية متوارثة.

يمنع السد “ألبرتين” من اجتياز النهر بقاربها، وترى أن هذه السدود -على أهميتها للنشاط التجاري وللمرفأ- تمنع العناصر الغذائية اللازمة من تغذية الأهوار، وتتذكر فيضان المياه فوق السد وقت إعصار كاترينا، وتتذكر مع صديقها “رايان” أنه لم تعد هناك يابسة بعد 30 سنة، فيقول إن هذه أهم منطقة للصيد في أمريكا الشمالية وأهم مشتى للبط، وقد بدأت تتلاشى.

سدود تمنع وصول العناصر الغذائية اللازمة لتغذية الأهوار

تطل من جديد أشجار البلوط الجرداء على الضفاف، ويقول “رايان” إن كل أشجار البلوط العملاقة ماتت، ويأتي مشهد تعبيري رمزي، في أبرشية الولاية المليئة بسمر البشرة، فنرى القسيس في وضع يشبه الصلب ومن خلفه الصليب، في حين يأتي صوت “ألبرتين” وهي تقول: المستنقعات مهمة للشعوب، إن اختفت فهذا بمثابة سرطان بطيء، وسيتآكل المكان.

الانهيار غرق فجائي أو ترسب هبوطي تدريجي لسطح الأرض

وحينها نعلم أنه منذ إعصار كاترينا غادر 55% من سكان المقاطعة، ثم نرى في النهاية شعلة المدخنة، دلالةً على استمرار الخطر.

“احفظوا مستنقعات لويزيانا”.. صورة مؤلمة من السماء

“بين دين” هو مصور وقائد مظلات، يصور عادة محلقا، ويحكي -وهو يصلح آلته- أنه أتى أول مرة إلى لويزيانا من الجو، ثم منها لخارجها ضمن رحلات تجارية، ونراه من أعلى محلقا تجاوره الطيور، فهو يحب الاستكشاف من الجو والتصوير، لا سيما الجزر الحاجزة التي استرعت انتباهه، وهي تنحرف 18 مترا بالسنة، وهي سلسلة رفيعة من الجزر الرملية توفر موئلا للطيور المهاجرة، وتحمي المجتمعات الساحلية من العواصف وفيضان المد.

“بين دين”، مصور وقائد مظلات يحب الاستكشاف من الجو والتصوير

يعمل “بين دين” على مشروع تعزيز الاتصال البيئي، للبحث العلمي ونشر الوعي باستخدام هذه الصور، وفي تقاطع للقصص يلتقي مع “أليكس” بطل القصة الأولى، فهما يعملان بنفس المكان، لكن أحدهما على الأرض والآخر في السماء، فالتصوير بالمظلة أكثر اتساعا ودقة من طائرة مثلا، وفي المركز نلحظ رسمة لشجرة يكتب عليها “احفظوا مستنقعات لويزيانا”.

نرى كثيرا من البواخر والطيور المحلقة الدالة على علامات الموت والحياة معا، في حين يقول “بين” وهو محلق: يشعرك جنوب لويزيانا بأنك في برية نائية، حتى تحلّق فتتبين أنك محاط بكيلومترات من الأماكن المستأجرة لتربية المحار وقوارب صيد الروبيان، ويعج الأفق بمنصات استخراج نفط لا حصر لها.

قنوات النفط تتسبب باختراق الماء المالح للأرض، فتقضي على النباتات المثبّتة للتربة

وأمام حاسوبه يقول: سببت قنوات النفط اختراق الماء المالح، ثم قضت على النبات المثبّت للتربة، مما سبب خسارة المستنقعات، ثم نرى “بين” محلقا أو على دراجته، نهارا أو مساء، مع أغنيات هادئة خاطفة، وهو -مع حبه للمكان- يخشى الإقامة فيه كي لا يضطر لتغييره إذا حدث إعصار دون حماية للمستنقعات.

وبينما بدأت القصة بمشاهد لعازفين سمر في الشوارع، تعود لقطاتهم مع النهاية، ومن جديد يمر بنا علم أمريكا ولقطات للمياه في الشوارع، والمداخن على الضفاف وقت الغروب.

“هل سننجو أم لا؟”.. تاجر روبيان يستعرض الحاضر والماضي

نسمع صوت الماء الهادئ، في حين نرى “غليسون أليكسيس”، وهو تاجر صياد متوسط العمر تميل بشرته للسمرة، نراه في قاربه وسط النهر، يحكي عما كان عليه المكان خلال موسم صيد الروبيان، وعدد القوارب التي كانت تصطف حتى القرية، بينما لا يوجد أي قارب الآن. ويسلم على زميله في قارب آخر، ويقول له: إننا نصور فيلما ثقافيا عن حياة الصيد وحياتنا، وهل سننجو أم لا؟

ارتفاع منسوب ماء البحر أغرق الحياة البحرية الضحلة ومنع الروبيان من الازدهار في موسمه

يحكي “أليكسيس” ذكريات الصيد مع جده حين كان صغيرا، وأنهم كانوا يركضون حين يأتي المد ليروا السرطانات، حتى تعرّف من أبيه على صيد الروبيان. ونفهم منه توارث المهنة أبا عن جد.

ويحكي -وهو واقف على مرسى خشبي والشمس في الخلفية- أنهم رفعوا هذا الداعم، وكانوا يصطادون القشريات هنا، أما الآن فالمياه المالحة تجرف المكان، ونرى مخيم أبيه من أعلى، وقاربا قديما يشي بتغير ملوحة وعذوبة المياه بعد بناء السد، مما أثر على نوعي الروبيان العذب الأبيض والبني المالح.

“غليسون أليكسيس”، تاجر وصياد

وبسبب ذلك، يحاول التكيف بإيجاد ما سماه لقمة عيش أخرى، فيعمل في مقطورة أخيه، فنرى البحر مكتظا بالمقطورات الضخمة والبواخر، مع إعداده لقارب أكبر ليصطاد بعيدا عن الساحل، غير مستبعد للعمل في الزراعة في ضوء تراجع أعداد الأسماك والصيد التجاري.

ونراه مع طفليه يعلمهما الفروق بين الروبيان في الشباك، ويمر بأشجار البلوط الجرداء أيضا قرابة المغيب، مع صوت أغنية خافتة، ثم نرى ابتسامته وحديثه عن الأمل، في حين يبدو قاربه في الليل بؤرة وحيدة للنور.

قلق النزوح والهوية لدى السكان الأصليين.. أحاديث الكبار

“كاشا كلاي” فتاة شابة تدرس علم الاجتماع في جامعة ولاية نيكولز، هي وعائلتها من قبيلة من السكان الأصليين. نعم قد نفاجأ هنا بوجود قبائل أصلية في الولايات المتحدة، وهم أعضاء في”يونايتد هوما نيشن”، وهو مركز اجتماعي وثقافي للسكان الأصليين، نراها في عملها ومع والدها صائد الروبيان في القارب، يغادران للصيد في الشواطئ الغارقة، ويشير لها في القارب إلى منطقة كانت كلها ضفة يابسة، فتتحدث عن ارتباطها بهذه المنطقة، حيث كانت تذهب في طفولتها مع أبيها للصيد البري والبحري.

“كاشا كلاي”، شابة تدرس علم الاجتماع في جامعة ولاية نيكولز وتمارس الصيد البري والبحري

ونرى لقطات متنوعة الزوايا تثري الإيقاع وتربط السرد بالمكان بسلاسة، وتخبرنا “كاشا” بمشروعها البحثي في الأكاديمية الوطنية للعلوم، لأخذ شهادات شفوية تاريخية من كبار السن، فنراها تحاور بودّ رجالا ونساء في أماكن مختلفة.

ويحدّثها القس “كيربي” -وهو من قبيلة “هوما نيشن”- مرتديا قبعة غربية عن ما قبل الغزو الفرنسي، فقد كانت لديهم ثقافتهم وتاريخهم وقوانينهم، وقد هاجر السكان في القرن الـ17 إبان مجيء الفرنسيين خشية سفك الدماء، إلى أماكن لم يرغب فيها سواهم.

القس “كيربي”، أحد أفراد قبيلة “هوما نيشن”

ثم جاء من بعد ذلك الأكاديون (المستوطنون الفرنسيون لأكاديا على ساحل كندا) ونفوهم في بلدهم، لكنهم لم يزالوا مترابطين، إذ يقول القس “كيربي”: “القبيلة عبارة عن عائلة كبيرة ولا نزال عائلة”، ثم تخبرها امرأة أخرى عن شجر “الساترا” الذي كانت تطحن أمها أوراقه وتصنع منها مسحوق الفيليه، لكن هذا الشجر بدأ يموت، بعد تشبع الأرض بالملح.

“ما زلنا نشعر بتبعات الاستعمار”

نرى “كاشا” مع ابنتها تمرحان في أماكن عدة، ونرى الطيور فوق البحر قبل الغروب مع أغنية ذات شجن، ونلمح من جديد علم أمريكا، وتقول إن الناس غادروا منازلهم لخسارتها أكثر من مرة، ثم تلتقي بامرأة أخرى تتحدث عن ذكريات قديمة وأماكن لم تعد موجودة، وتبحث في صور قديمة عن صورة للمنزل القديم، وتروي أن الأعاصير المتتالية تسبب برحيل أجدادها.

أشجار سنديان جرداء، كانت يوما يانعة وكثيفة

وبذاك نفهم كيف يؤثر تغير البيئة على الترابط الاجتماعي والجذور والثقافة، فلم يعودوا مثلا يزورون القارب القديم لوجود حواجز، وبذلك لن يعرف الجيل الجديد شيئا عن ماضيه، ونقترب هنا أكثر من إحدى أشجار السنديان الجرداء، فتروي المرأة أنها كانت شجرة يانعة وكثيفة، مما يؤدي لاستشعار الموت وإن ودوا البقاء في أرضهم.

“كاشا” في محاضرة أمام شباب وأطفال بمعسكر السكان الأصليين للتعريف بالأرض وثقافتها

وفي اللقطات الأخيرة من الفيلم، نرى “كاشا” في محاضرة أمام شباب وأطفال بمعسكر السكان الأصليين للتعريف بالأرض وثقافتها، فنجد أحدهم في زي الهنود الحمر يقول: “ما زلنا -نحن السكان الأصليين- نشعر بتبعات الاستعمار”.

ثم نرى حياتها في المنزل مع أسرتها، ثم في القارب مع أبيها إذ يصطادان ويتحدثان عن العشاء وأكلة “الجمبالايا”، فتلك حالة تشعرنا بعالم حي على حافة الوداع.