لغز “خطوط نازكا”.. رسوم هندسية ضخمة لحضارة كانت تطلب الغفران الإلهي

في منتصف شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2020، طالعتنا وكالات الأنباء العالمية، بخبر يشير إلى العثور على مخطط أرضي لرسم قط ضخم الحجم، في المنطقة الواقعة بصحراء نازكا، قرب مدينة ليما عاصمة بيرو في أمريكا الجنوبية، وهو خبر قد يبدو اعتياديا بين طوفان الأخبار المتداولة عن الصراعات العرقية والحروب الإقليمية التي تزداد وتيرتها اشتعالا بين الحين والآخر.

لكن حين نعود إلى تاريخ تلك المنطقة المحمل بالغموض، سيصبح هذا الإعلان حينها إنجازا جديدا يضاف لسلسلة الأبحاث التاريخية والأثرية، الباحثة عن أصول تلك الرسومات الهندسية والحيوانية، وهي تحتل مساحة شاسعة من هذه الأراضي الصحراوية الفاقدة لسبل الحياة.

وهذه الأبحاث المتعاقبة هي موضوع الفيلم الوثائقي “لغز خطوط نازكا”، الذي عرضته قناة الجزيرة الوثائقية.

هندسة الصحراء.. ألغاز اكتشفها الطيارون الحربيون

تُرى من أودع بمهارة هذه الرسومات الكبيرة على سطح الأرض؟ وهل من قوى خارجية مارست سلطاتها وتركت آثارها على تلك البقعة البعيدة نسبيا عن العمران والحضر؟ وإذا صدقت الأبحاث العلمية القائل محتواها التاريخي، إن هذه الأشكال الهندسية آتية لا ريب بفعل أيادي البشر، فمن هم؟ والسؤال الأعمق الذي يطرق أذهاننا بلا هوادة، هو لماذا شيدت هذه الآثار بهذا الحيز الجغرافي المنحصر بين جبال الإنديز والصحراء الممتدة الأطراف؟

صورة علوية تبرز إحدى الرسومات الأرضية في صحراء نازكا في بيرو

تشكل هذه الأسئلة محور هذا الفيلم، ويستند مضمونه إلى السؤال الذي دائما ما تخرج من رحمه دفقات متتالية من الإجابات، أما تلك الإجابات فقد تخطئ أوقاتا، وقد تصيب أوقاتا أخرى.

عبر هذه الأسئلة المشروعة، ينطلق الفيلم في مساره المحدد له بدقة، مرافقا المتفرج في رحلة لا تخلو من التشويق والإثارة، وليس قوامها البحث عن إجابات ملائمة للأسئلة السابقة فحسب، بقدر ما هو الوصول لفكرة ما، مغزاها أنه ما تزال على هذه الأرض أحجبة متعددة من الغموض والغرابة، ولذلك فهي تنتظر من يقدم على تفكيك شيفرات هذه الرموز والدلالات.

وتخبرنا المصادر التاريخية، أنه في منتصف عشرينيات القرن الماضي، اكتشف الطيارون الحربيون البيروفيون هذه الخطوط الأرضية، لكن ليست تلك الخطوط الهندسية هي ما لفت أنظارهم في حقيقة الأمر، بل الرسومات الهائلة الحجم للحيوانات المتباينة الأنواع والأحجام. حينها أدرك المستكشفون، أن ثمة غموضا ما يغلف هذا المربع الصحراوي الهائل الاتساع.

تزاوج الصوت والصورة.. معلومات متدفقة تصنع ثراء الفيلم

عبر حركة كاميرا بانورامية، يبدأ الفيلم بلقطة تأسيسية استهلالية، تلتقط فيها العدسات مساحات عملاقة من الرسومات المزينة للمسطح الصحراوي الشاسع، الذي تكشف خطوطه عن مجسمات ثنائية الأبعاد لحيوانات وطيور، بعضها نعرفه والآخر نجهل هويته.

ينبئنا التعليق الصوتي بأن هذه الأشكال لا يبلغ عددها العشرات أو المئات، بل هي عدة آلاف، ويطلق عليها مجازا “خطوط نازكا”، وذلك نسبة إلى المنعطف الصحراوي المسمى بهذا الاسم من ناحية، وانتماء لحضارة شعب “النازكا” القديم المنشأ من ناحية أخرى.

عالمة الرياضيات “ماريا رايش” التي قضت خمسين عاما في محاولة فهم الرسوم الأرضية

فنحن أمام فيلم يتخذ العلوم والتاريخ أرضا صلبة لمضمونه، ثم يعتمد في بنائه على الأسلوب الرصين في الأفلام الوثائقية، حيث الاستناد إلى التكامل بين عنصري الصورة والصوت، فتلك الصورة المحملة بأطنان من المشاهد الأرشيفية واللقاءات المصورة مع علماء التاريخ والآثار، يرافقها تعليق صوتي كاشف عن مزيد من المعلومات المتدفقة، يوزعها السرد بالعدل على مدار الفيلم، البالغ إطاره الزمني نحو الساعة تقريبا، لكنها تحوي بين راحتيها، ما يبعث على الدهشة والتأمل.

وهكذا يدخلنا الفيلم مباشرة في صلب موضوعه وجوهره، ألا وهو البحث عن أصول هذه الأشكال الهندسية. وكلما توغلنا في المسارات البحثية الشاسعة الامتداد والتشعب، ستتضح الرؤية شيئا فشيئا.

مخطط أرضي على هيئة قرد في صحراء نازكا

يبلغنا التعليق الصوتي بأن هذه الأبعاد الصحراوية المتسعة المقفرة، تحوي بين طياتها جمالا يبحث عن متذوقه، فالمساحة الإجمالية لهذا المنعطف الكبير تفوق مساحة العاصمة الفرنسية باريس بخمسة أضعاف، لكن هذا المكان المنعزل جغرافيا وتاريخيا، توارى في غياهب النسيان سنوات لا يحصى عددها.

ولرؤية هذا الكنز الأثري الغامض، لا بد من الارتفاع ولو قدرا يسيرا عن سطح الأرض، حتى تكتمل الرؤية، فقد تزامن اكتشاف هذه الأشكال مع وصول الإنسان لأسرار تقنيات الطيران، ومن ثم يطفو على أذهاننا سؤال تلقائي، ألا وهو كيف استطاع الأسلاف القدامى طباعة بصماتهم الفنية على الأرض، دون إمكانية التحليق نحو الأعلى؟

الأطباق الطائرة.. نظريات الخيال تأخذ نصيبها من الكعكة

تنتقل الكاميرا بحيوية ورشاقة بين المشاهد الأرشيفية بالأبيض والأسود، وهي تنتمي لحقب سابقة، وتظهر خلالها الطائرات الشراعية المستكشفة للخبيئة الصحراوية، واللقاءات المصورة لعلماء التاريخ والآثار على الشق الآخر، وعند هذه النقطة يصحبنا الفيلم لطبقة سردية مغايرة، تحوي بين ثناياها محاولات السعي الدائمة لإزاحة اللثام عن تلك الظاهرة التاريخية التي تدثّرث بالغموض.

ويخبرنا السرد بأن افتتاح هذه المحاولات العلمية، كان من نصيب عالمة الرياضيات الألمانية “ماريا رايش”، وقد رسخت تصوراتها في أروقة المعاهد العلمية نصف قرن من الزمان، وهي تنطلق من فرضية أن هذه الخطوط ما هي إلا مسارات للنجوم والكواكب، مما يضمر علاقة خفية بين علوم الفلك والرياضيات، وهذه الرسوم المنحوتة في باطن التربة الأرضية.

إحدى القطع الخزفية المكتشفة، والتي تتطابق الرسوم عليها بالرسوم الأرضية

ومع توالي الزمن وتعاقبه، تتوالد النظريات واحدة تلو الأخرى، وهنا تفقد النظرية السابقة قوة مصداقيتها وفاعلية تأثيرها المهيمنة، إذ تتصاعد أفكار الخيال العلمي، وتحظى بنصيبها من الكعكة العلمية، ثم تتوغل زمنا ليس بالهيّن نظرية تقول إن أصحاب هذه الأشكال ما هم سوى أصحاب الأطباق الطائرة، وعندها يمكن تفسير الخطوط الحلزونية، بأنها ممرات وأدلة لهذه الكائنات الفضائية.

لكن الاستسلام لهذه الأفكار الغرائبية لم يدم طويلا، فهو يحوي استسهالا علميا بطريقة أو بأخرى، فإذا كان العقل البشري سينسب كل المنجزات التاريخية والحضارية، إلى القوى الخارقة المنافية للتفكير المنطقي، فلماذا تتباين الاكتشافات الأثرية من حضارة إلى أخرى؟

جماجم بشرية ملحق بها حبال مجدولة، تثبت تقديم النازكيين قرابين بشرية

وهنا انطلقت بالتوازي الأبحاث التاريخية والأثرية، وهي تحمل بين جعبتها مزيدا من الحقائق المثيرة للتأمل، التي تتخذ فلسفة السؤال الباحث عن إجابة معتقدا لها، فقد بزغت تدريجيا أنهار من التساؤلات لا تزال تبحث عن إجابات، من قبيل تُرى من استوطن قديما هذه المنطقة المنعزلة؟ وكيف تشكلت مسارات حياتهم؟

حضارات البيرو.. شعوب قديمة تركت بصماتها على الأرض

تختلف المصائر التاريخية من حضارة لأخرى، لكنها تتفق جميعا في شيء واحد، ألا وهو الاندثار بعد المكوث، فكل حضارة مرت على أرض ما، ساهمت في تطور البشرية ودفع مسارها نحو الأمام، لكن هذا التلاحق الزمني سيعقبه هبوط تدريجي وصولا للاختفاء التام.

وإذا تأملنا في هذه النظرية، سنجد أنها تتطابق بطريقة ما مع الشعوب التي استوطنت تلك المنطقة، فقد تتبع العلماء الأثريون الحضارات القديمة، بدءا من إرث شعب “الإنكا” ومنجزه الأثري، ويتمثل نصيبه الأكبر في مدينة ماتشو بيتشو المؤسسة تاريخيا في أعقاب القرن الـ15 الميلادي، لكن ما استوقف العلماء هو خلو هذه الحضارة من تلك الرسومات الجيولوجية.

عالم الآثار “جوني إيسلا” برفقة معاونيه، لفهم كيفية رسم الحلزونات على الأرض

لذا يمكن تأكيد براءة حضارة الإنكا من هذا الإعجاز الإبداعي، وعندها تصبح العودة بالزمن للوراء من أجل البحث والتدقيق واجبا علميا لا مناص من الخوض فيه، وهنا يلجأ الأثريون إلى حضارة أقدم نوعا ما، في حقبة زمنية أكثر اتساعا، وهي حضارة النازكا، وتروي المراجع التاريخية أن شعوبهم حلت ضيوفا على هذه البقعة الصحراوية. وهنا يطفو سؤال جوهري: وهل من أمم أخرى عبرت أطيافها تلك البقعة؟

تأتي الإجابة من باطن الفيلم ذاته، فيخبرنا بمزيد من المعلومات المطمورة والدفينة عن تاريخ شعب البيرو، الذي يبدو أنه مكدس بالحوادث والمرويات المستترة، فشعب الباراكاس استطاع غرس جذوره في نفس الحيز المكاني موضع الرسوم، لكن قبل بزوغ حضارة النازكا بمئات الأعوام أو أكثر، وذلك بعد محاولات التدقيق التاريخي التي يجريها علماء الآثار على الدوام.

مخطط أرضي لطائر الطنان، واحد من آثار حضارة النازكا

وهنا يدخلنا السرد في رحلة قوامها التشويق، تدور في فلك البحث بين أكوام الرمال والأتربة، وما تحفظه أسفلها من آثار وأسرار، وفي هذا الإطار، ترافقنا الكاميرا مع الأثريين، أثناء مراحل التنقيب عن بقايا الحضارات السالفة، حتى يعثر هؤلاء الباحثون بقيادة عالمة الآثار عائشة بشير باشا على أحجار وخزفيات، دُوّنت عليها رسومات حيوانية ونباتية، تكاد تتواءم بانسجام مع الرسومات الأرضية، ومن بين هذه الأخبار المثيرة، ينبعث السؤال التقليدي، لماذا نسج النازكيون هذه الرسوم؟

الطقوس والقرابين.. آثار الحياة الدينية لشعب النازكا

لكل حضارة عابرة عقائدها الراسخة، التي تشكل في مضمونها الهوية الدينية لهذه الشعوب، فلا حضارة من دون ممارسة الشعائر الروحية والدينية، وفي هذا السياق يكشف الفيلم عن اعتناق شعب النازكا عقيدة دينية، تنبع أهميتها وقدسيتها من هذه الرسومات الهائلة الحجم، وهي تتطابق مع الآثار المكتشفة بين طيات الرمال.

فقد حفلت القطع الخزفية الأثرية بعدد من الرسومات ذات الأبعاد الهندسية، يتوافق أشكالها بدرجة كبيرة مع تلك الموضوعة على سطح الصحراء، لكن يبقى اكتشاف مجسم العبادات الطيني القوام هو الأكثر أهمية، إذ نرى من خلاله كيفية ممارسة الشعائر الدينية لدى النازكيين، وعندئذ يزيح الفيلم الستار عن سر آخر لا يقل غموضا، فقد أُسست منصات من الأحجار لأغراض تقديم القرابين.

المجسم الطيني الذي يكشف عن الطقوس الدينية

وما هذه القرابين إلا بعض الأطعمة والفواكه، ما تزال تحتفظ بصلاحيتها حتى يومنا هذا، ويعود الفضل إلى قدرة الرمال على تخزين المواد الحيوية، من دون أن تتلامس مع العوامل الخارجية. لكن هنالك شيء آخر يبرز من بين الأنقاض، يحث على الذهول والاندهاش، فقد عثر الأثريون على قرابين بشرية، فقد تدلت من الحبال الغليظة بعض الرؤوس الإنسانية.

وبما أن الكتابة والتدوين لم يكونا موجودين حينها، فإن البحث عن الأدلة والقرائن التاريخية المنحصرة في الآثار العلنية، هي التي يمكن منها استنباط أن النازكيين قدموا قرابين من الأعداء المحتملين، بل من بني شعوبهم كذلك، ومن ثم يطرأ بشكل عاجل سؤال لا يقل أهمية عما سبق، ترى لماذا قُدمت هذه القرابين؟ وهل هنالك ثمة علاقة ما خفية بينها وبين تلك الرسوم العجائبية؟

المقياس الهندسي.. رسوم حضارة تعكس تطورها العلمي

للإجابة على السؤال، يستدعي الفيلم الماضي، ويسبر غور تلك الأزمنة السحيقة البعد، إذ يرجع إلى المجتمع النازكي، سعيا لتجميع شذرات التاريخ، للوصول لصيغة ملائمة تكشف عن معالم الحضارة آنذاك. فقد استطاع العلماء بعد سنوات دؤوبة من البحث والتنقيب، أن يقفوا على عتبات فهم مسارات حياة هؤلاء البشر السابقين، فالزراعة والنحت والأعمال الخزفية، شكلت قبسا كبيرا من نتاج حضارتهم المنزوية، مما يشير إلى ركونهم نحو السلم وابتعادهم عن الصراعات والنزاعات الحربية.

ولأن شعب النازكا قوم يمثل السلام مخدعهم الآمن، ينبعث سؤال تشي الإجابة عليه بالوصول إلى مرفأ حل اللغز، فهل يستطيع المزارعون نحت هذه الأشكال؟

صورة علوية لمدينة “كاواتشي”، فاتيكان العصر القديم

وعند هذا المنعطف السردي، يدخلنا الفيلم بين طيات فكرة جديدة، وهي الكيفية التي سعى خلالها أبناء النازكيين لإلصاق هذه الرسومات على السطح الأرضي؟ وهنا يتصدر المشهد عالم الآثار “جوني إيسلا”، الذي يعمل في إطار البعثة الاستكشافية، فنراه في أحد المشاهد برفقة معاونيه، وهو يمسك بعصا طويلة يتدلى منها حبل طويل، في حين يسير المعاون الأول بشكل حلزوني وبجواره مساعده، وهكذا في دوامة لا تكاد تنتهي.

وهنا يكتشف بأن تلك الشعوب البدائية استطاعت الاستعانة بالمقياس الهندسي، مما ساعد على نحت تلك الرسوم الهندسية، وهو ما يثبت أن هذه الحضارة كانت متطورة علميا واجتماعيا، وقد تخلل فترات حياتها رخاء وسلام.

ويمكن أن نلاحظ ذلك بالرجوع إلى مدينة كواتشي الأثرية القديمة، وهي أقرب في بنائها إلى مدينة ذات صِبغة دينية احتفالية، وكأنها فاتيكان العصر القديم، بحسب تعبير عالم الآثار “جيوزيبي أوريفتشي”، وهو مدير مشروع “نازكا”، وقد قدم 40 عاما من عمره طواعية، من أجل الوصول لكُنه هذه الحضارة المنسية، ومن براثن هذه الاكتشافات يظهر سؤال جديد على الرقعة البحثية، وهو ما العلاقة بين هذه المدينة والرسومات المندسة بين رمال الصحراء؟

طلب الغفران الإلهي.. معاناة الجفاف والبحث عن قطر السماء

للوصول إلى سر غموض دلالات هذه الرسومات الكبيرة، يتجه العلماء في تخميناتهم نحو ما هو أكثر بعدا عن المخيلة العامة، فكلما توغل الأثريون في اتجاه ما، عاجلهم تفكيرهم بمنحى آخر، وهكذا في دائرة بحثية لا تخلو من توالد الأسئلة التي لا تندثر، بل تزداد دفقاتها، في تناسب طردي بينها وبين الأبحاث المتوالية.

لذا يباغتنا السرد باكتشاف لا يقل دهشة عما سبق، ألا وهو معاناة النازكيين في طورهم المتأخر من الجفاف، ولجوئهم إلى الابتهالات الدينية وتقديم القرابين، طمعا في غفران إلهي ينبعث على هيئة قطرات ممطرة تروي بعد ظمأ، وبذلك يخبرنا العلماء -دون تأكيد حقيقي- بأن هذه الرسومات الأرضية، قد يكون بعضها قرابين سماوية، تخاطب الآلهة التي تمكث في السماء، بحسب معتقداتهم المتوارثة.

عالم الآثار الألماني “ماركوس رينديل”، يعمل على نموذج ثلاثي الأبعاد للرسومات الصحراوية

وفي هذا السياق يستعين العلماء بالأساليب التكنولوجية الحداثية، سعيا لقراءة ما استعصى على الفهم والإدراك، فقد شيد عالم الآثار الألماني “ماركوس رينديل” هذه الصحراء المدججة بالرسوم عبر برنامج ثلاثي الأبعاد، فالمكان هو البطل والمحور الذي يدور سياق الفيلم الفكري حوله، وعندها انكشفت الرؤية على نحو أكثر إيضاحا، فقد برزت بجلاء الرسومات الهندسية والحيوانية معا في وحدة واحدة، لكن لا يزال شيء ما غامض في هذه السلسلة المصورة، فالأبحاث ما تزال في طور التجريب، مما يشي بإمكانية نشوء نظريات أخرى، ترسو محل النظريات السابقة.

فالصراع مع المجهول المدثر بالغموض، يشكل عمق الفيلم وجوهره الدسم المدجج بتلال المعلومات المنسابة بجاذبية، وقد استطاع الفيلم ببنائه السلس المتدفق الأسئلة، أن يدعو المتفرج لإعمال عقله وتدبر ما يرى من إعجاز بشري، لا يزال يبحث عمن يفض مغاليقه.